أنه ليس كلُّ من خرج على حاكم فإنه يكون خارجيًّا؛ لأن منهم من لا يُكفِّر هذا الحاكمَ، ومن ليس خارجيًّا فلا يصح قتاله؟!.
وكشفُ هذه الشبهة أن يقال: إنه ليس كلُّ من خرج على حاكم فإنه يكفِّره لكن ليس القتالُ محصورًا على الخوارج؛ بل إنَّ القتال أيضًا لكلِّ خارجٍ على الحاكم ولو لم يكفِّره؛ لدلالة الأدلة الشرعية على ذلك، ولأنه مفسد في الأرض.
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد (ص: ٣٦٢)، رواية أبي داود.
(٢) تهذيب اللغة (١/ ١٣٩).
(٣) هدي الساري (٤٣٢).
[ ١٨٨ ]
والمباشرون لفعل الخروج على السلطان أقسام؛ منهم من يكفِّره بكبيرة فيكون خارجيًّا، ومنهم من يخرجُ عليه تديُّنًا لفسقه بلا تكفير، فيبدَّع ويضلَّل ويحذَّر منه وليس خارجيًّا، كما فعل ذلك أئمة السنة كسفيان الثوري والإمام أحمد مع الحسن ابن صالح، بل ونقل الإمام أحمد إجماعَ السلف على هذا.
قال الإمام أحمد: «ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كانوا اجتمعوا عليه وأقرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان بالرضا أو الغلبة، فقد شقَّ هذا الخارجُ عصا المسلمين، وخالفَ الآثار عن رسول الله -ﷺ-، فإن مات الخارج عليه مات ميتةً جاهلية، ولا يحلُّ قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحدٍ من الناس، فمَن فعلَ ذلك فهو مبتدعٌ على غير السنة والطريق» (^١).
ومنهم من يخرج لحظٍّ دنيوي، فهؤلاء يقاتَلون؛ لأنهم مفسدون في الأرض، وليس لأنهم خوارج.
قال عرفجة بن شريح الأشجعي، قال: سمعت رسول الله -ﷺ-، يقول: «مَنْ أتاكُم وأمرُكم جميعٌ على رجلٍ واحد، يريدُ أن يشقَّ عصاكُم، أو يفرِّق جماعتكُم، فاقتلوه» (^٢).
ودونكَ ما بُيِّن من كلام أهل العلم أنَّ القتال ليس خاصًّا بالخوارج:
قال ابن قدامة: «والخارجون عن قبضة الإمام، أصنافٌ أربعة، ثم قال: الصنفُ الرابع: قومٌ من أهل الحق، يخرجون عن قبضة الإمام، ويرومون خلعَهُ لتأويلٍ سائغ، وفيهم منعةٌ يحتاج في كفِّهم إلى جمعِ الجيش، فهؤلاء البغاة، الذين
_________________
(١) أصول السنة (ص: ٤٥).
(٢) سبق تخريجه (ص: ١٦١).
[ ١٨٩ ]
نذكر في هذا الباب حكمَهُم، وواجبٌ على الناس مَعونةُ إمامهم في قتال البغاة؛ لما ذكرنا في أول الباب؛ ولأنهم لو تَركوا معونته، لقهرَهُ أهلُ البغي، وظهرَ الفساد في الأرض» (^١).
وقال أيضًا: «وإن سَبُّوا الإمامَ أو غيره من أهل العدل، عُزِّروا؛ لأنهم ارتكبوا محرَّمًا لا حدَّ فيه. وإن عرضوا بالسَّب، فهل يُعزَّرون؟ على وجهين.
وقال مالك في الإباضية، وسائر أهل البدع: يُستتابون، فإن تابوا، وإلَّا ضُربت أعناقهم.
قال إسماعيل بن إسحاق: رأى مالك قتلَ الخوارج وأهلِ القدر، من أجل الفساد الداخل في الدين، كقُطَّاع الطريق، فإنْ تابوا، وإلَّا قُتلوا على إفسادهم، لا على كُفرهم …» (^٢).
وقال النووي: ««فإذا لقيتُموهُم فاقتلُوهم فإنَّ في قتلهِم أجرًا» (^٣)، هذا تصريحٌ بوجوب قتال الخوارج والبغاة وهو إجماعُ العلماء، قال القاضي أجمعَ العلماء على أنَّ الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي متى خرجوا على الإمام وخالفوا رأيَ الجماعة وشقُّوا العصا وجبَ قتالُهم بعدَ إنذارِهم والاعتذارِ إليهم؛ قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، لكن لا يُجهَز على جريحهم ولا يُتبع منهزمُهم ولا يُقتل أسيرُهم ولا تُباح أموالُهم؛ وما لم يخرجوا عن الطاعة وينتصبوا للحرب لا يُقاتَلون بل يُوعَظون ويُستتابون من بدعتهم وباطلهم؛
_________________
(١) المغني (٨/ ٥٢٣).
(٢) المغني (٨/ ٥٣٠).
(٣) أخرجه البخاري (٣٦١١)، ومسلم (١٠٦٦) من حديث علي -﵁-.
[ ١٩٠ ]
وهذا كلُّه ما لم يكفروا ببدعتهم» (^١)، ونقل أبوزرعة العراقي كلام النووي وأقرَّه.
وأفاد شيخُ الإسلام ابن تيمية أنَّ الذين يجب أن يُقاتَلوا وإن كانوا مسلمين - سابقًا أو لا زالوا - ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: المرتدون فقد كانوا مسلمين فكفروا.
الصنف الثاني: أهل البدع كالخوارج.
الصنف الثالث: المفسدون في الأرض؛ ومنهم الخارجون على السلطان يريدون منازعته في الولاية.
قال -﵀-: «قد يُستدلُّ على أنَّ المفسدَ متى لم ينقطع شرُّه إلَّا بقتلهِ فإنه يُقتل: بما رواه مسلم في صحيحه عن عرفجة الأشجعي -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «مَنْ أتاكُم وأمرُكم جميعٌ على رجلٍ واحد يريدُ أن يشقَّ عصاكُم أو يفرِّقَ جماعتكُم فاقتلوه» (^٢)، وفي رواية: «سَتكون هناتٌ وهنات، فمَن أرادَ أن يفرِّق أمرَ هذه الأمة وهي جميعٌ فاضربوهُ بالسَّيف كائنًا من كان» (^٣)» (^٤).
وقال: «ولهذا كان أعدل الطوائف» أهل السنة: أصحاب الحديث، وتجدُ هؤلاء إذا أمروا بقتال مَنْ مرقَ من الإسلام أو ارتدَّ عن بعض شرائعه يأمرونَ أن يُسار فيه بسيرة علي في قتال طلحة والزبير؛ لا يُسبى لهم ذرية ولا يُغنم لهم مال ولا يُجهز لهم على جريحٍ ولا يُقتل لهم أسير، ويتركون ما أمرَ به النبي -ﷺ- وسار به
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ١٦٩).
(٢) سبق تخريجه (ص: ١٦١).
(٣) أخرجه مسلم (١٨٥٢).
(٤) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٣٤٦).
[ ١٩١ ]
علي في قتال الخوارج، وما أمر الله به رسوله وسار به الصديق في قتال مانعي الزكاة، فلا يجمعون بين ما فرق الله بينه من المرتدين والمارقين وبين المسلمين المسيئين؛ ويفرقون بين ما جمع الله بينه من الملوك والأئمة المتقاتلين على الملك وإن كان بتأويل. والله -﷾- أعلم» (^١).
وقال أيضًا: «وهذه النصوص المتواترة عن النبي -ﷺ- في الخوارج قد أدخلَ فيها العلماء لفظًا أو معنًى مَنْ كان في معناهم من أهل الأهواء الخارجين عن شريعة رسول الله -ﷺ- وجماعة المسلمين» (^٢).
وقال أيضًا: «ثمَّ إن أهل المدينة يرون قتال مَنْ خرج عن الشريعة كالحرورية وغيرهم، ويفرَّقون بين هذا وبين القتال في الفتنة؛ وهو مذهب فقهاء الحديث، وهذا هو الموافقُ لسنَّة رسول الله -ﷺ- وسنة خلفائه الراشدين، فإنه قد ثبت عنه الحديثُ في الخوارج من عشرة أوجهٍ خرَّجها مسلم في صحيحه وخرَّج البخاري بعضَها.
وقال فيه: «يحقرُ أحدُكم صلاته مع صَلاتهم، وصيامهُ مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآنَ لا يُجاوز حَناجرهم، يمرقونَ من الإسلام كما يمرقُ السَّهم من الرمية؛ أينما لقيتُموهم فاقتلُوهم، فإنَّ في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلَهُم يومَ القيامة».
وقد ثبت اتفاقُ الصحابة على قتالهم، وقاتَلَهم أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁-، وذكر فيهم سنة رسول الله -ﷺ- المتضمِّنة لقتالهم، وفرحَ بقتلهم وسجدَ لله شكرًا لما رأى أباهم مقتولًا، وهو ذو الثدية؛ بخلافِ ما جرى يوم الجمل وصفين؛
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٥٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٧٦).
[ ١٩٢ ]
فإنَّ عليًّا لم يفرح بذلك، بل ظهر منه من التألم والندم ما ظهر، ولم يُذكر عن النبي -ﷺ- في ذلك سنة؛ بل ذُكر أنه قاتل باجتهاده، فأهلُ المدينة اتبعوا السنة في قتال المارقين من الشريعة وترك القتال في الفتنة، وعلى ذلك أئمة أهل الحديث؛ بخلاف مَنْ سوَّى بين قتال هؤلاء وهؤلاء؛ بل سوَّى بين قتال هؤلاء وقتال الصديق لمانعي الزكاة، فجعل جميع هؤلاء من باب البغاة كما فعل ذلك من فعله من المصنفين في قتال أهل البغي؛ فإن هذا جمع بين ما فرَّق الله بينهما، وأهلُ المدينة والسنة فرَّقوا بين ما فرَّقَ الله بينه واتَّبعوا النصَّ الصحيح والقياس المستقيم العادل» (^١).
وقال: «وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام؛ بمنزلةِ مانعي الزكاة وبمنزلة الخوارج الذين قاتلَهُم علي بن أبي طالب -﵁-، ولهذا افترقت سيرة علي -﵁- في قتاله لأهل البصرة والشام وفي قتاله لأهل النهروان؛ فكانت سيرتُه مع أهل البصرة والشاميين سيرةَ الأخِ مع أخيه ومع الخوارج بخلاف ذلك.
وثبتت النصوصُ عن النبي -ﷺ- بما استقرَّ عليه إجماعُ الصحابة من قتال الصديقِ وقتال الخوارج؛ بخلاف الفتنة الواقعة مع أهل الشام والبصرة؛ فإنَّ النصوص دلَّت فيها بما دلت والصحابة والتابعون اختلفوا فيها. على أن من الفقهاء الأئمة مَنْ يرى أنَّ أهل البغي الذين يجبُ قتالهم هم الخارجونَ على الإمام بتأويلٍ سائغ؛ لا الخارجون عن طاعته.
وآخرون يجعلونَ القسمَين بغاة؛ وبين البغاة والتتار فرق بين» (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٩٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٠٣).
[ ١٩٣ ]