أن المراد من تحكيم أفراد أحكام الله من قطع يد السارق ورجم الزاني المحصن وهكذا … العدلُ؛ فمتى ما وجد العدلُ وجِدَ حكمُ الله، ولسنا ملزمين
_________________
(١) تفسير سورة النساء (١/ ٤٥١)، وله كلام نحوه في شرح رياض الصالحين (٢/ ٢٧٨).
[ ٧٨ ]
أن نُحكِّم أفراد أحكام الله ويدل لذلك ما يلي:
١ - أن الأحكام الشرعية شُرعت بالتدرُّج ولم تُشرع مرة واحدة.
٢ - أنَّ عمر بن الخطاب -﵁- تركَ بعضَ الأحكام كقطع يد السارق في المجاعة، وتركَ سهمَ المؤلَّفةِ قلوبهم من الزكاة لمَّا قوِيَ الإسلام.
٣ - أنَّ الله أمرَ اليهود أن يحكِّموا التوراة لأن المراد العدل لا ذات أفراد حكم الله، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣].
وكشف هذه الشبهة من أوجه ستة:
الوجه الأول: أنه حيث كان شرعُ الله كان العدلُ لأنه لا حُكمَ أحسَنُ من حكمهِ ولا عدلَ أكملُ من عدلهِ.
قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
الوجه الثاني: أن الله أمرنا بتحكيم شرعه المنزَّل في كتابه، وشرعهُ المنزَّل هو تفاصيلُ الأحكام فقال:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
ثم قال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
الوجه الثالث: أن الله جعل المحكِّم لغير كتابه كافرًا.
[ ٧٩ ]
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
الوجه الرابع: أنه لا يتنافى مع تحكيم الشريعة وجعله أصلًا أن يُتركَ بعضُ شرعِ الله لعارض؛ كقطع يد السارق لضرورة عرضت له؛ وهذه شبهةٌ يُدرأ بالحد، أو ترك سهمِ المؤلَّفة قلوبهم في الزكاة؛ لقوَّة الإسلام وعدم الحاجة لذلك. كما نقل فعل هذا عن عمر.
الوجه الخامس: إرادة تحكيم الشريعة لا ينافي التدريج في تطبيقها وتهيئة الناس لها؛ بأن يعلموا أن تحكيم الشريعة دينُ الله وأنه خيرٌ لهم.
الوجه السادس: ليس المراد بقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] أن تحكيم التوراة كافٍ، لأنَّ المراد العدل كما قال؛ بل المراد ذمُّهم لتركِ تحكيم التوراة في رجم الزاني مع عِلْمهم أنه موجود عندهم في كتابهم وهو حكمُ الله عندهم.
قال ابن الجوزي: «قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ﴾ قال المفسرون: هذا تعجيبٌ من الله -﷿- لنبيِّه من تحكيم اليهود إيَّاه بعد عِلْمهم بما في التوراة من حكم ما تحاكموا إليه فيه، وتقريعٌ لليهود إذ يتحاكمون إلى من يجحدون نبوته، ويتركون حكمَ التوراة التي يعتقدون صحَّتها.
قوله تعالى: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾، فيه قولان: أحدهما: حكم الله بالرجم، وفيه تحاكموا، قاله الحسن، والثاني: حكمه بالقَود، وفيه تحاكموا، قاله قتادة.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ فيه قولان: أحدهما: من بعد حكم الله في التوراة، والثاني: من بعد تحكيمك» (^١).
_________________
(١) زاد المسير في علم التفسير (١/ ٥٥٠).
[ ٨٠ ]
وقال ابن كثير في تفسيره: «ثم قال تعالى منكِرًا عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدِهم الزائغة، في تركهِم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدًا، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره، مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدَم لزومه لهم فقال:
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣].
ثم مدحَ التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران، فقال:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]؛ أي: لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾؛ أي: وكذلك الربانيون منهم - وهم العباد العلماء - والأحبار - وهم العلماء - ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾؛ أي: بما استودعوا من كتاب الله الذي أُمروا أن يُظهِروه ويعملوا به ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾؛ أي: لا تخافوا منهم وخافوني».
ويؤكد هذا أنَّ التوراة حُرِّفت فكيف يُزعَم أنَّ ما فيها بعد التحريف هو عدل.
وبعد هذا يتبين أن القول بأن التحكيم بالعدل المزعوم - ولو خالف شرعَ الله - هو شرعُ الله = قولٌ باطلٌ لا دليل عليه، ثم الزعم بأنَّ الديمقراطية عدلٌ = هو زعمٌ باطل؛ لأنها قائمة على تحكيم الأكثرية، ويترتبُ على هذا ضياعُ حقِّ الأقلية وإهدارُ قدراتِ الأكفياء؛ لأنَّ العبرة بالأكثر لا بالأميَز؛ ففي دول الديمقراطية يسودُ التجار والأكثر قبلية واتباعًا بحسب حال كلِّ دولة.
[ ٨١ ]
شبهات في حال الحاكم