أنه قد ذهب إلى الخروج جمعٌ كبير من أهل العلم بما يدلُّ على أنَّ إجماع السلف لم يستقرَّ كما عزاه لهم ابن حزم فقال: «وذهبت طوائفُ من أهل السُّنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أنَّ سلَّ السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفعُ المنكر إلَّا بذلك.
قالوا: فإذا كان أهل الحقِّ في عصابةٍ يمكنهم الدفع، ولا ييئسون من الظفر، ففرضٌ عليهم ذلك، وإن كانوا في عددٍ لا يرجون لقلَّتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعةٍ من تركِ التغيير باليد. وهذا قول علي بن أبي طالب -﵁- وكلُّ من معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة -﵂- وطلحة والزبير وكلُّ من كان معهم من الصحابة، وقولُ معاوية وعمرو والنعمان بن بشير وغيرهم ممن معهم من الصحابة ﵃ أجمعين، وهو قولُ عبد الله بن الزبير ومحمد والحسن ابن علي، وبقية الصحابة من المهاجرين والأنصار، والقائمين يوم الحرة رضي الله عن جميعهم أجمعين، وقولُ كلِّ من أقامَ على الفاسق الحجاج، ومَن والاه من
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ١٦٧).
[ ١٧٣ ]
الصحابة ﵃ جميعهم كأنس بن مالك، وكل مَنْ كان ممَّن ذكرنا من أفاضل التابعين كعبد الرحمن ابن أبي ليلى وسعيد بن جبير وابن البحتري الطائي وعطاء السلمي الأزدي والحسن البصري ومالك بن دينار ومسلم بن بشار وأبي الحوراء والشعبي وعبد الله بن غالب وعقبة بن عبد الغافر وعقبة بن صهبان وماهان والمطرف بن المغيرة ابن شعبة وأبي المعد وحنظلة بن عبد الله وأبي سح الهنائي وطلق بن حبيب والمطرف بن عبد الله بن الشخير والنضر بن أنس وعطاء ابن السائب وإبراهيم بن يزيد التيمي وأبي الحوسا وجبلة بن زحر وغيرهم، ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين، ومن بعدهم كعبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر وكعبد الله بن عمر ومحمد بن عجلان، ومَن خَرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن وهاشم بن بشر ومطر، ومَن أخرج مع إبراهيم بن عبد الله، وهو الذي تدلُّ عليه أقوالُ الفقهاء كأبي حنيفة والحسن بن حيّ وشريك ومالك والشافعي وداود وأصحابهم، فإنَّ كل من ذكرنا من قديمٍ وحديث إمَّا ناطقٌ بذلك في فتواه، وإمَّا الفاعلُ لذلك بَسلِّ سيفهِ في إنكار ما رآه منكرًا» (^١).
وكشفُ هذه الشبهة هو ببيان أنَّ الذين نسب لهم الخروج عامَّته لايصحُّ الاستدلالُ به، فإنه ما بين أن يكون قبل الإجماع فلا إشكال فيه، وتقدَّم الجواب عليه، أو أنهم فعلوا فعلًا ظنَّه ابنُ حزم خروجًا وليس كذلك، أو أخطأ في نسبته، فلا يعوَّل عليه، أو لم يخطئ في نسبته، لكنه مما أخذه السلف على مَنْ نُسِبَ إليه، مع كونه مخالفًا للنصوص.
_________________
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ١٣٢).
[ ١٧٤ ]
ودونك بعض الأمثلة:
١ - أخطأ ابن حزم في نسبة الخروجَ إلى علي وكلِّ من معه، وكذلك إلى معاوية وكلِّ من معه، فإن هؤلاء لم يخرجوا على حاكم، وإنَّما حصل الخلافُ بينهم في أمرٍ استغلَّه المندسون بين صفوفهم، ممن كان مريدًا للشرِّ فحصلت الفتنة، فليست صورة المسألة خروجًا ألبته.
٢ - أخطأ ابن حزم في نسبة الخروج إلى طلحة والزبير وعائشة، ففعلُهم ليس خروجًا على حاكم، وإنما خلافُهم بماذا يُبدأ به بعد قتل عثمان، ولم يكن لهم قصد في القتال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإنَّ عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أنَّ في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبيَّن لها فيما بعد أنَّ تركَ الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبلَّ خمارها.
وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير وعلي ﵃ أجمعين، ولم يكن يومَ الجمل لهؤلاء قصدٌ في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم، فإنه لما تراسل علي وطلحة والزبير، وقصدوا الاتفاق على المصلحة، وأنهم إذا تمكَّنوا طلبوا قتلة عثمان أهلَ الفتنة، وكان علي غيرَ راضٍ بقتل عثمان ولا معينًا عليه، كما كان يحلف فيقول: والله ما قتلتُ عثمان ولا مالأتُ على قتله، وهو الصادق البارُّ في يمينه، فخشي القتلة أن يتفق علي معهم على إمساك القتلة، فحملوا على عسكر طلحة والزبير، فظنَّ طلحة والزبير أنَّ عليًّا حملَ عليهم، فحملوا دفعًا عن أنفسهم، فظنَّ علي أنهم حملوا عليه، فحمل
[ ١٧٥ ]
دفعًا عن نفسه، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم، وعائشة -﵂- راكبة: لا قاتلت، ولا أمرت بالقتال. هكذا ذكره غيرُ واحد من أهل المعرفة بالأخبار» (^١).
٣ - أخطأ ابن حزم في نسبة الخروج إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير - كما تقدم بيانه - (^٢).
٤ - أخطأ ابن حزم في نسبة الخروج إلى مالك والشافعي - كما تقدم - (^٣).
٥ - أخطأ ابن حزم في نسبة الخروج إلى أبي حنيفة، فتقدم أنه رجع عنه (^٤).
٦ - ونسبةُ ابن حزم الخروج إلى الحسن البصري وطلق بن حبيب غريبٌ جدًّا.
فقد ثبت عن أبي التياح أنه قال: شهدتُ الحسن البصري حين أقبل ابن الأشعث، فكان الحسن ينهى عن الخروج على الحجاج ويأمر بالكفِّ (^٥).
وقال بكر المزني: «لما كانت فتنة ابن الأشعث قال طلق: اتَّقوها بالتقوى» (^٦).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكان الحسن البصري يقول: إنَّ الحجَّاج عذابُ الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦].
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٤/ ٣١٦).
(٢) تقدم (ص ١٥٣، ١٦٢).
(٣) تقدم (ص: ١٦٧، ١٧١).
(٤) تقدم (ص: ١٦٥).
(٥) طبقات ابن سعد (٧/ ١٢١).
(٦) السير (٢/ ٦٠١)، وأخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٣٥١).
[ ١٧٦ ]
وكان طلق بن حبيب يقول: اتقوا الفتنة بالتقوى. فقيل له: أجمِلْ لنا التقوى. فقال: أن تعمل بطاعة الله على نورٍ من الله، ترجو رحمة الله، وأن تترك معصية الله على نورٍ من الله تخافُ عذاب الله. رواه أحمد وابن أبي الدنيا» (^١).
٧ - نسبته إلى الحسن بن صالح صحيحة (^٢)، لكن هذا مما أنكره السلف عليه كالثوري وزائدة بن قدامة والإمام أحمد.
وهكذا يقال فيمن نسب إليهم ممن هم بعد التابعين من أهل السنة.
فنخلص من هذا أنه لا يصح الاعتماد على ما نسبه ابن حزم لأهل العلم فيما تقدَّم نقلُه عنه.
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٤/ ٥٢٩).
(٢) قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (٢/ ٢٨٥): «قال يحيى القطان كان الثوري سيِّء الرأي فيه؛ وقال أبو نعيم: دخل الثوري يوم الجمعة فإذا الحسن بن صالح يصلي فقال: نعوذ بالله من خشوع النفاق؛ وأخذ نعلَيه فتحوَّل، وقال أيضًا عن الثوري: ذاك رجل يرى السيف على الأمة، وقال خلَّاد بن زيد الجعفي: جاءني الثوري إلى ها هنا فقال: الحسن بن صالح مع ما سمعَ من العلم وفقه يترك الجمعة. وقال ابن إدريس: ما أنا وابن حي؟!، لا يرى جمعةً ولا جهادًا. وقال بشر بن الحارث: كان زائدة يجلس في المسجد يحذِّر الناس من ابن حي وأصحابه، قال: وكانوا يرون السيف. وقال أبو أسامة عن زائدة: أنَّ ابن حي استصلب منذ زمان وما نجد أحدًا يصلبه. وقال خلف بن تميم: كان زائدة يستتيب من الحسن بن حي. وقال علي بن الجعد: حدثتُ رائدة بحديثٍ عن الحسن فغضب وقال: لا حدثتك أبدًا» اهـ. قال أبو يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٥٨): «قال المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه وذكر الحسن بن حي فقال: لا نرضى مذهبه وسفيان أحبُّ إلينا، وقد كان ابن حي قعد عَنِ الجمعة وكان يرى السيف، وقال: قد فتنَ الناس بسكوته وورعه» اهـ.
[ ١٧٧ ]