أن في مسألة الخروج على الحاكم الفاسق خلافًا سائغًا، فلا يصح لأحدٍ أن يشنِّع على مَنْ خالف فيها؛ لأنها مسألة اجتهادية كبقية المسائل الاجتهادية، وهذا القول هو قول الحسين -﵁- فقد خرج على يزيد، وخرج عبد الله بن الزبير على يزيد وابنه معاوية بن يزيد بن معاوية، وخرج جمعٌ من القراء - الفقهاء - على الحجاج.
والجوابُ على هذه الشبهة بطريقين؛ مجمَل ومفصَّل:
أما الجواب المجمل:
إنه قد كان للسلف قولان في الخروج على الحاكم الفاسق، ثم بعد فتنة ابن الأشعث انعقد إجماعُ السلف على عدم الخروج على السلطان؛ لذلك تواردَ أئمة السُّنة على ذكر هذه المسألة في كتب الاعتقاد، وجعلوا مَنْ خالف فيها مبتدعًا
- وقد تقدَّم نقلُ كلامهم - (^١)، وقد نصَّ جمعٌ من العلماء على أنَّ الإجماع انعقد بعد خلاف (^٢)؛ ودونكَ كلامهم:
الأول: شيخ الإسلام ابن تيمية:
قال -﵀-: «كان أفاضل المسلمين ينهَون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهَون عام الحرَّة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون
_________________
(١) تقدم (ص: ٣٩).
(٢) الإجماع بعد خلاف حجَّة وإجماع، فإن الأدلة بينت أنَّ الإجماع حجة، ولم تشترط ألا يُسبَق بخلاف، والقول بأنه ليس حجة لم أره منسوبًا لأحد من العلماء الأولين إلَّا رواية عن الإمام أحمد نسَبها إليه أبو يعلى في كتابه العدة في أصول الفقه (٤/ ١١٠٥)، وجعلها ظاهرَ قوله مستنبطًا ذلك من كلامٍ لأحمد، ولم ينسبه لغيره من الأئمة. وما اعتمد عليه لا يسلَّم به؛ وقد خالفه أبو الخطاب في التمهيد (٣/ ٢٩٧)، وابن قدامة في الروضة (١/ ٤٢٨) لم يتابعاه على ذلك ولم ينسباه لأحمد. والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ القول بأنه ليس حجة قولٌ محدث على خلافِ ما عليه السلف الأولون.
[ ١٥١ ]
عن الخروج في فتنة ابن الأشعث.
ولهذا استقرَّ أمرُ أهل السنة على ترك القتال في الفتنة؛ للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي -ﷺ- وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَورالأئمة وتركِ قتالهم» (^١).
الثاني: أبو بكر بن مجاهد، ونقله النووي.
الثالث: النووي:
قال النووي: «وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسَقة ظالِمين، وقد تظاهرت الأحاديث بِمعنَى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجهُ المذكور فِي كتب الفقه لبعض أصحابنا - أنه ينعزل وحكي عن المعتزلة أيضًا - فغلطٌ من قائله مُخالف للإجماع.
قال العلماء: وسببُ عدم انعزاله وتَحريْم الخروج عليه ما يترتبُ على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثرَ منها في بقائه.
ثُمَّ قال: قال القاضي: «وقد ادَّعى أبو بكر بن مُجاهد فِي هذا الإجماعَ، وقد رَدَّ عليه بعضُهم هذا بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بنِي أمية، وبقيام جماعةٍ عظيمة من التابعين والصَّدر الأول على الحجَّاج مع ابن الأشعث، وتأول هذا القائل قوله: «ألَّا ننازعَ الأمرَ أهلَه» فِي أئمة العدل».
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٤/ ٥٢٩).
[ ١٥٢ ]
ثُمَّ قال: قال القاضي: «وقيل: إنَّ هذا الخلاف كان أولًا ثُمَّ حصل الإجماعُ على منع الخروجَ عليهم، والله أعلم» (^١).
الرابع: ابن حجر:
قال: «وقولهم: «كان يرى السيف» - يعني: الحسن بن صالح - يعنِي: كان يرى الخروجَ بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهبٌ للسلف قديْم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لمَّا رأوه قد أفضى إلى أشدَّ منه ففي وقعة الحرة، ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عظةٌ لمن تدبر» (^٢).
وبعد هذه النقولات الأربعة فإنه يضاف إليها كلُّ مَنْ حَكى عدَم الخروج على الحاكم الفاسق معتقدًا لأهل السنة، أو أن المخالف مبتدع، فهو يرى أنَّ المسألة إجماعية - وتقدَّم النقل عنهم - (^٣).
وهذا الجواب المجمل كافٍ في كشف هذه الشبهة وردِّها؛ وما يذكر بعد ذلك تفصيلًا فهو تتمة، وإلا فإن الجواب المجمل كاف، وإنَّ من فوائد الجواب المفصَّل أن يعلم أنه لا خلاف بين الصحابة في حُرمة الخروجِ وإنما حصل الخلافُ عند التابعين ثم انعقد الإجماع.
الجواب المفصل:
أولًا: الجواب المفصل على خروج الحسين بن علي -﵄- يكون من أوجه:
_________________
(١) في شرح مسلم (١٢/ ٢٢٩).
(٢) تَهذيب التهذيب (٢/ ٢٨٨).
(٣) تقدم (ص: ٣٩).
[ ١٥٣ ]
الوجه الأول:
أنَّ جمعًا من الصحابة خالفوا الحسين بن علي -﵄-، وفي مقدمهم عمر بن الخطاب، ومنهم ابن مسعود وأبو مسعود البدري وحذيفة وأنس -﵃-، ودونكَ هذه الآثار:
قال سويد بن غفلة، قال: «قال لي عمر: يا أبا أمية إني لا أدري لعلِّي أن لا ألقاكَ بعد عامي هذا؛ فاسمَع وأطِعْ وإن أُمِّر عليك عبدٌ حبشيٌّ مجدَّع؛ إنْ ضربكَ فاصبرْ، وإنْ حرمكَ فاصبر، وإنْ أراد أمرًا ينتقصُ دينك فقل: سمعٌ وطاعةٌ؛ ودمي دون ديني؛ فلا تفارق الجماعة» (^١)، وهذا حاكمٌ ظالمٌ وأُمر بالصبر عليه.
عن سماك بن الوليد الحنفي أنه لقي ابنَ عباس بالمدينة فقال: «ما يقولُ في سلطان علينا يظلمونا ويشتمونا ويعتدون علينا في صدقاتنا؛ ألا نمنعهُم؟ قال: لا، أعطِهم يا حنفي … وقال: يا حنفي: الجماعةَ، الجماعة، إنَّما هلكَتِ الأممُ الخالية بتفرُّقها، أما سمعتَ قول الله -﷿-: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
[آل عمران: ١٠٣]» (^٢).
قال زر بن حبيش: «لمَّا أنكرَ الناس سيرة الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فزع الناسُ إلى عبد الله بن مسعود، فقال لهم عبد الله بن مسعود: «اصبروا؛ فإنَّ جَورَ إمامٍ خمسين عامًا خيرٌ من هَرجِ شهر» (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٥٤٤) وسنده صحيح.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٧٢٤) وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٣٢) وابن عساكر في تاريخه (٦٣/ ٢٤١). قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (١٤٤١): رواه الطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به اهـ.
[ ١٥٤ ]
وثبتَ عن أبي مسعود البدري أنه قال: «اتقوا الله واصبروا حتى يستريحَ بَرٌّ أو يُستراحَ من فاجر؛ وعليكم بالجماعة، فإنَّ الله لا يجمع أمة محمدٍ على ضلالة» (^١).
عن نعيم بن أبي هند، أنَّ أبا مسعود خرج من الكوفة ورأسُه يقطر، وهو يريدُ أن يُحرم، فقالوا له: «أوصِنا. فقال: أيها الناس اتَّهموا الرأيَ، فقد رأيتُني أهمُّ أن أضربَ بسيفي في معصيةِ الله ومعصيةِ رسوله، قالوا: أوصِنا. قال: عليكُم بالجماعة؛ فإنَّ الله لم يكن ليجمعَ أمة محمدٍ على ضلالة، قال: قالوا: أوصِنا. فقال: بتقوى الله، والصَّبر حتى يستريحَ برٌّ، أو يُستراحَ من فاجر» (^٢).
عن زيد بن يثيع أنه قال: «قال حذيفة بن اليمان: أيْ قوم؛ كيف أنتم إذا سُئلتم الحقَّ فأعطيتموهُ ثمَّ مُنعتُم حقَّكم؟، قلنا: مَنْ أدركَ ذلك منا صَبرَ، قال حذيفة: دخلتُموها إذًا وربِّ الكعبة - يعني الجنة -» (^٣).
وعن الزبير بن عدي قال: «أتينا أنسَ بن مالك، فشكَونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: اصبروا، فإنَّه لا يأتي عليكم زمانٌ إلَّا الذي بعده شرٌّ منه، حتى
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٤٥٧). قال ابن حجر في التلخيص الحبير (٣/ ٢٩٦): «عن يُسير بن عمرو قال: شيَّعنا أبا مسعود حين خرج، فنزل في طريق القادسية، فدخل بستانًا فقضى حاجته، ثم توضَّأ ومسحَ على جوربَيه، ثم خرج، وإنَّ لحيته ليقطرُ منها الماء، فقلنا له: اعهد إلينا فإنَّ الناس قد وقعوا في الفتن، ولا ندري هل نلقاكَ أم لا، قال: اتَّقوا الله واصبروا حتى يستريحَ برٌّ، أو يُستراحَ من فاجر، وعليكم بالجماعة فإنَّ الله لا يجمعُ أمة محمدٍ على ضلالة». قال الحافظ: «إسناده صحيح، ومثله لا يُقال من قبل الرأي» اهـ.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٠٨) بسند صحيح.
(٣) أخرجه معمر في جامعه الملحق بالمصنف (١١/ ٣٤٣)، والحاكم (٤/ ٥٢١).
[ ١٥٥ ]
تلقوا ربَّكم، سمعتهُ من نبيِّكم -ﷺ-» (^١).
عن أنس بن مالك -﵁- أنه قال: نهانا كُبراؤنا من أصحاب رسول الله -ﷺ-؛ قالوا: «لا تسبُّوا أمراءَكُم، ولا تغشُّوهم، ولا تعصُوهم، واتَّقوا الله واصبروا؛ فإنَّ الأمر قريب» (^٢).
بل قد ثبتَ أنَّ جمعًا من الصحابة أنكروا على الحسين بن علي -﵄- لما أراد الخروجَ إلى الكوفة، ودونكَ بعضهم:
ثبت عن ابن عباس أنه قال: «استأذَنَني حسينٌ في الخروج، فقلت: لولا أن يُزرِيَ ذلك بي أو بكَ لشبكتُ بيديَّ في رأسك» (^٣).
ثبت عن عبد الله بن عمرو: «عجَّل حسينٌ قدره، عجَّل حسينٌ قدَره، والله لو أدركتهُ ما كان ليخرجَ إلَّا أن يغلبني» (^٤).
وقد ذكر ابن سعد عن جمعٍ من الصحابة أنهم أنكروا على الحسين الخروجَ؛ مثل عبدالله بن عمر بن الخطاب وأبي سعيد وأبي واقد الليثي وجابر بن عبدالله وعبدالله بن الزبير والمسور بن مخرمة -﵃- (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٠٦٨).
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٤٨٨)، وجوَّد إسناده الشيخ الألباني في (ظلال الجنة).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ١١٩).
(٤) قال ابن كثير في البداية والنهاية (١١/ ٤٩٧): «وقال يحيى بن معين: حدثنا أبو عبيدة، ثنا سليم بن حيان، عن سعيد بن مينا، والإسناد صحيح».
(٥) الطبقات الكبرى (٦/ ٤٢٢)، طبعة الخانجي. قال ابن سعد: «وغير هؤلاء أيضًا قد حدثني في هذا الحديث بطائفةٍ فكتبتُ جوامع حديثهِم في مقتل الحسين رحمة الله عليه ورضوانه وصلواته»، وقد اعتمدَ على ابن سعد في هذا الذهبيُّ في السير وابن كثير في البداية والنهاية.
[ ١٥٦ ]
فإذا ثبتَ الخلافُ بين الصحابة - تنزُّلًا -، فالمرجع إلى الأدلة الشرعية، وقد تقدَّمت الأدلة الواضحة في وجوب السمع الطاعة للحاكم المسلم وإن كان فاسقًا وظالمًا في غير معصية الله (^١)، ولا يصحُّ لأحدٍ أن يردَّ الدليل بحجَّة الخلاف، بل الواجبُ أن يردَّ الخلاف إلى الدليل؛ قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
وقد حكى غيرُ واحدٍ إجماعَ أهل العلم على أنَّ الدليل لا يُردُّ إلى الخلاف بل يَردُّ الخلافُ إلى الدليل (^٢).
الوجه الثاني: من الجواب المفصَّل على خروج الحسين:
أن الحسين بن علي -﵄- لم يبايع يزيدَ بن معاوية بيعةً شرعية؛ متأوِّلًا أنَّ
_________________
(١) تقدم (ص: ٣٥).
(٢) قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٢٢): «الاختلاف ليس بحجَّة عند أحدٍ علمتُه من فقهاء الأمة إلَّا مَنْ لا بصرَ له، ولا معرفة عنده، ولا حجَّة في قوله». وقال الشاطبي في الموافقات (٥/ ٩٣) نقلًا عن الخطابي: «وليس الاختلافُ حجَّةً، وبيان السنة حجَّة على المختلفين من الأولين والآخرين». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في رفع الملام عن الأئمة الأعلام (ص: ٦١): «هذا هو الذي يُمكن أن يُقالَ في أحاديث الوعيد إذا صادفت محلَّ خلاف، إذ العلماء مجمعونَ على الاحتجاج في تحريم الفعل المتوعَّد عليه، سواءٌ كان محلَّ وِفاقٍ أو خلاف، بل أكثر ما يحتاجون إليه الاستدلال بها في موارد الخلاف، ثم قال: إنَّ جنس التحريم إمَّا أن يكون ثابتًا في محلِّ خلاف، أو لا يكون، فإنْ لم يكن ثابتًا في محلِّ خلافٍ قطُّ لزِمَ أن لا يكون حرامًا إلَّا ما أُجمع على تحريمه، فكلَّ ما اختُلفَ في تحريمهِ يكونُ حلالًا؛ وهذا مخالفٌ لإجماع الأمة وهو معلومُ البطلان بالاضطرار من دينِ الإسلام».
[ ١٥٧ ]
البيعة لا تلزمه، وإنَّما انتهت البيعة التي في عُنقهِ بموت معاوية بن أبي سفيان -﵄-، وأما بيعة ما بعدَه، فلم يرَها مُلزِمةً له، ولما رأى أنَّ عنده قدرةً وقوةً خرج على يزيد لما علِمَ من فسقهِ، وليس في عنقه بيعةٌ له تمنعهُ من الخروج؛ فهو لم يخرج على حاكمٍ بايعَهُ، فلا يُستفاد منه أنَّ مذهبه جوازُ نقضِ البيعة والخروج على حاكمهِ لفسقهِ؛ فخطؤه -﵁- في عدمِ المبايعة ليزيد، وليزيدَ شوكةٌ وقوة، ثم في ظنِّه أن عنده قدرة وليس الأمر كذلك.
قال ابن خلدون في تاريخه: «وأمّا الحسين فإنّه لمّا ظهرَ فسقُ يزيد عند الكافَّة من أهل عصره بعثتْ شيعةُ أهل البيت بالكوفة للحسين أن يأتيَهُم فيقوموا بأمره، فرأى الحسينُ أنّ الخروج على يزيد متعيّن من أجل فسقهِ لا سيّما مَنْ له القدرة على ذلك؛ وظنَّها من نفسه بأهليّته وشوكته، فأمّا الأهليّة فكانت كما ظنَّ وزيادة، وأمَّا الشّوكة فغلط -﵀- فيها؛ لأنّ عصبيّة مضر كانت في قريش، وعصبيّة عبد مناف إنّما كانت في بني أميّة؛ تعرف ذلك لهم قريش وسائرُ النّاس ولا ينكرونه، وإنَّما نسي ذلك أوَّلَ الإسلام لما شغلَ النّاسَ من الذّهولِ بالخوارق وأمرِ الوحي وتردّد الملائكة لنصرة المسلمين، فأغفَلوا أمورَ عوائدِهم، وذهبت عصبيّة الجاهليّة ومنازعها، ونسيت ولم يبق إلَّا العصبيّة الطّبيعيّة في الحماية والدّفاع يُنتفع بها في إقامة الدّين وجهاد المشركين، والدّين فيها محكَّم والعادة معزولة حتّى إذا انقطع أمرُ النّبوة والخوارق المهولة، تراجعَ الحكمُ بعضَ الشّيء للعوائد، فعادت العصبيّة كما كانت ولمن كانت، وأصبحت مضرُ أطوعَ لبني أميّة من سواهم بما كان لهم من ذلك قبل، فقد تبيَّن لكَ غلطُ الحسين إلَّا أنّه في أمرٍ دنيويٍّ لا يضرُّه الغلط فيه، وأمّا الحكمُ الشّرعيُّ فلم يغلط فيه؛ لأنّه منوطٌ بظنِّه، وكان
[ ١٥٨ ]
ظنُّه القدرة على ذلك، ولقد عذَلَهُ ابن العبّاس وابن الزّبير وابن عمر وابن الحنفيّة أخوه وغيره في مسيرهِ إلى الكوفة، وعلموا غلطَهُ في ذلك ولم يرجع عمَّا هو بسبيله لما أراده الله» (^١).
الوجه الثالث: من الجواب المفصَّل على خروج الحسين:
أن الحسين بن علي -﵄- تراجعَ، فكيف يُحتجُّ بفعله، وقد رجع عنه، فإنه خيَّرهم بين أمور ثلاثة؛ إمَّا أن يذهبَ ويبايعَ يزيدَ أو أن يتركوه ليقاتلَ الكفار في الثغور أو أن يرجعَ إلى المدينة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فيقال: إنَّ يزيد لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل، ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعَهُ عن ولاية العراق، والحسينُ -﵁- كان يظنُّ أنَّ أهل العراق ينصرونه ويوفون له بما كتبوا إليه، فأرسل إليهم ابنُ عمِّه مسلم بن عقيل، فلما قتلوا مسلمًا وغدروا به وبايعوا ابنَ زياد، أراد الرجوعَ فأدركتهُ السَّرية الظالمة، فطلبَ أن يذهبَ إلى يزيد، أو يذهبَ إلى الثغر، أو يرجع إلى بلده، فلم يمكِّنوه من شيء من ذلك حتى يستأسرَ لهم، فامتنع، فقاتلوه حتى قُتل شهيدًا مظلومًا -﵁-، ولما بلغَ ذلك يزيد أظهرَ التوجُّع على ذلك، وظهر البكاء في داره، ولم يسْب له حريمًا أصلًا، بل أكرمَ أهل بيته، وأجازَهُم حتى ردَّهم إلى بلدهم» (^٢).
وقال: «والحسين -﵁- ما خرجَ يريدُ القتال، ولكن ظنَّ أن الناس يطيعونه، فلما رأى انصرافَهم عنه، طلب الرجوعَ إلى وطنه، أو الذهابَ إلى الثغر، أو إتيانَ
_________________
(١) (١/ ٢٦٩).
(٢) منهاج السنة النبوية (٤/ ٤٧٢).
[ ١٥٩ ]
يزيد، فلم يمكِّنه أولئك الظَّلَمة لا من هذا ولا من هذا ولا من هذا، وطلبوا أن يأخذوه أسيرًا إلى يزيد، فامتنعَ من ذلك وقاتلَ حتى قُتل مظلومًا شهيدًا، لم يكن قصدُه ابتداءً أن يقاتل» (^١).
وقال: «وكذلك الحسين -﵁- لم يُقتل إلَّا مظلومًا شهيدًا، تاركًا لطلب الإمارة، طالبًا للرجوع: إمَّا إلى بلده، أو إلى الثغر، أو إلى المتولِّي على الناس يزيد. وإذا قال القائل: إنَّ عليًّا والحسين إنَّما تركَا القتالَ في آخر الأمر للعجز، لأنه لم يكن لهما أنصار، فكان في المقاتلة قتل النفوس بلا حصول المصلحة المطلوبة.
قيل له: وهذا بعينه هو الحكمة التي راعاها الشارع -ﷺ- في النهي عن الخروج على الأمراء، وندبَ إلى ترك القتال في الفتنة، وإن كان الفاعلون لذلك يرَونَ أن مقصودَهم الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، كالذين خرجوا بالحرَّة وبدَير الجماجم على يزيد والحجاج وغيرهما.
لكن إذا لم يُزلِ المنكر إلَّا بما هو أنكرُ منه، صار إزالته على هذا الوجه منكَرًا، وإذا لم يحصل المعروف إلَّا بمنكر مفسدتهُ أعظمُ من مصلحة ذلك المعروف، كان تحصيلُ ذلك المعروف على هذا الوجه منكرًا» (^٢).
وقال ابن كثير: «فالتجأ الحسين بن علي وأصحابه إلى مقصبةٍ هنالك، وجعلوها منهم بظهر، وواجهوا أولئك، وطلب منهم الحسين إحدى ثلاث، إمَّا أن يدَعوه يرجعُ من حيث جاء، وإمَّا أن يذهبَ إلى ثغرٍ من الثغور فيقاتل فيه، أو يتركوه حتى يذهب إلى يزيد بن معاوية فيضع يدَهُ في يده، فيحكم فيه بما شاء،
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٤/ ٤٢).
(٢) منهاج السنة النبوية (٤/ ٥٣٥).
[ ١٦٠ ]