أن العلماء ذكروا شروطًا مُجمَعًا عليها للحاكم والسلطان، فمن لم توجد فيه هذه الشروط فلا ولاية له.
وكشفُ هذه الشبهة أن يقال: إنه يرجع إلى هذه الشروط عند الاختيار، أما عند الغلبة والقهر، فلا يُرجع إلى هذه الشروط بما أنه مسلم بالإجماع كما تقدم (^٣).
الشبهة الثانية عشرة:
أنه لا يشترط أن تكون الإمامة في قريش وأن الأحاديث إنما ذَكرت القرشية إخبارًا لا حُكمًا شرعيًا يرادُ منه حصرُ الولاية في قريش.
_________________
(١) الأحكام السلطانية (ص: ٢٢).
(٢) الأحكام السلطانية (ص: ٢٣).
(٣) تقدم (ص: ٦٥).
[ ١٠٩ ]
وكشف هذه الشبهة بطريقتين:
الطريقة الأولى: ثبت بالأدلة أنَّ الحكم والولاية في قريش من أوجه:
الوجه الأول: الذي قرر أن الأئمة في قريش هو رسول الله -ﷺ-.
قال معاوية -﵁- قال رسول الله -ﷺ-: «إنَّ هذا الأمرَ في قريش لا يُعاديهم أحد، إلا كبَّهُ الله على وجهه، ما أقاموا الدين» (^١).
وقال عبد الله بن عمر -﵄- قال رسول الله -ﷺ-: «لا يزالُ هذا الأمرُ في قريشٍ ما بقي منهم اثنان» (^٢).
وقال أبو هريرة قال رسول الله -ﷺ-: «الناسُ تبَعٌ لقريشٍ في هذا الشأن، مسلمهُم تبَعٌ لمسلمهِم، وكافرُهم تبعٌ لكافرِهم» (^٣).
الوجه الثاني: أنَّ كتب الاعتقاد ذكرت أن الأئمة من قريش؛ فهي عقيدة مجمَعٌ عليها عند أهل السنة خلافًا لبعض أهل البدعة.
قال حرب الكرماني وهو يحكي عقيدة السلف: «والخلافة في قريش ما بقيَ من الناس اثنان، ليس لأحدٍ من الناس أن ينازعَهُم فيها، ولا يخرج عليهم، ولا يقرّ لغيرهم بها إلى قيام الساعة» (^٤).
وقال البربهاري: «والخلافة في قريشٍ إلى أن ينزل عيسى ابن مريم» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٥٠٠).
(٢) أخرجه البخاري (٣٥٠١).
(٣) أخرجه البخاري (٣٤٩٥)، ومسلم (١٨١٨).
(٤) كتاب السنة من مسائل الإمام حرب (رقم: ٢٥).
(٥) شرح السنة (رقم: ٢٢).
[ ١١٠ ]
الوجه الثالث: أن أهل العلم الذين كتبوا في غير الاعتقاد أجمعوا على هذا الشرط، ولم يخالف فيه إلَّا أهل البدع، ومن أهل العلم هؤلاء:
١ - القاضي عياض، قال: «هذه الأحاديث - وما في معناها في هذا الباب - حجَّةٌ أن الخلافة لقريش، وهو مذهب كافة المسلمين وجماعتهم، وبهذا احتجَّ أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة، فلم يدفعه أحدٌ عنه، وقد عدَّها الناس في مسائل الإجماع؟؛ إذ لم يُؤثَر عن أحدٍ من السلف فيها خلاف، قولًا ولا عملًا؛ قرنًا بعد قرنٍ إلَّا ذلك، وإنكار ما عداه، ولا اعتبارَ بقول النظَّام ومَن وافقه من الخوارج وأهل البدع: إنها تصحُّ في غير قريش، ولا بسخافة ضرار بن عمرو في قوله: إنَّ غير القرشي من النبط وغيرهم يقدَّم على القرشي، لِهَوان خلعهِ إذا وجب ذلك؛ إذ ليست له عشيرة تمنعه، وهذا كلُّه هُزء من القول ومخالفةٌ لما عليه السلف وجماعة المسلمين» (^١).
٢ - النووي، قال: «هذه الأحاديث وأشباهها دليلٌ ظاهر أنَّ الخلافة مختصَّة بقريش لا يجوز عَقدُها لأحدٍ من غيرهم، وعلى هذا انعقدَ الإجماع في زمن الصحابة؛ فكذلك بعدهم، ومَن خالفَ فيه من أهل البدع أو عرَّضَ بخلافٍ من غيرهم فهو محجوجٌ بإجماع الصحابة والتابعين فمَن بعدهم بالأحاديث الصحيحة» (^٢).
٣ - وأقرَّ ابن حجر الإجماع، فقال بعد أن نقلَ الإجماع عن القاضي، وذكر ما يُوهِمُ نقضَه: «فيحتمل أن يقال لعلَّ الإجماع انعقدَ بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًّا أو تغيَّر اجتهادُ عمر في ذلك والله أعلم.
وأمَّا ما احتجَّ به من لم يعيِّن الخلافة في قريش من تأمير عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم في الحروب فليس من الإمامة العظمى في شيء بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابة غير القرشي في حياته والله أعلم» (^٣).
_________________
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢١٤).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٠٠).
(٣) فتح الباري (١٣/ ١١٩).
[ ١١١ ]
٤ - المناوي، قال: «فلا يصحُّ عقد الخلافة لغيرهم، وعليه انعقد الإجماعُ في زمن الصحابة ومَن بعدهم؛ وهو حكمٌ مستمرٌّ إلى آخر الدنيا، ومَن خالفَ فيه من أهل البدع فهو محجوجٌ بإجماع الصحابة» (^١).
الطريقة الثانية: الردُّ على قولهم: «إنَّ النصوص ذكرت القرشية من باب الإخبار وأنه لا يستفاد منها اشتراط القرشية في الولاية» من أوجه:
الوجه الأول: أنَّ النصوص ظاهرة في توعُّد مَنْ خالفَ هذا، ومثله لا يقال: إنه من باب الإخبار؛ وهو قول النبي -ﷺ-: «لم ينازعهم فيه أحدٌ إلا كبَّهُم الله في النار» (^٢).
الوجه الثاني: لو قدّر أن النصوصَ ذكرته إخبارًا، فالمرادُ به الطلب كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ فهذا خبر يُراد به الطلب، كما هو مقرَّر في كتب أصول الفقه.
الوجه الثالث: أنَّ اشتراط القرشية في الولاية عقيدةٌ سلفية، والسلفُ لا يُجمعون على باطل كما تقدَّم نقله عنهم (^٣).
_________________
(١) فيض القدير (٦/ ٤٥٠)
(٢) سبق تخريجه (ص: ١١٠).
(٣) تقدم (ص: ١١٠).
[ ١١٢ ]