أنه يجوز الخروجُ بالسيف؛ لقول ابن مسعود: قال رسول الله -ﷺ-: «لم يكنْ نبيٌّ قطُّ إلَّا كان له من أمته حَواريون، وأصحابٌ يتبعون أمره، ويهتدون بسنَّته، ثم يأتي من بعد ذلك أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون يغيِّرون السُّنن، ويُظهرون البدع، فمَن جاهدَهُم بيده، فهو مؤمن، ومَن جاهدَهُم بلسانه، فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان مثقالُ حبَّة خردل» (^٢).
فقوله: «فمن جاهدهم بيده» يدلُّ على الخروج بالسيف على الأمراء.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٩٩).
(٢) الإبانة الكبرى لابن بطة (١/ ٢١٣).
[ ١٩٧ ]
وكشفُ هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن أحاديث النبي -ﷺ- يفسِّر بعضُها بعضًا، فقد تقدَّمت الأدلة والإجماعُ على حرمة الخروج على السلطان (^١)، فيُحمَل هذا الحديثُ على إنكار ما أتى به السلطان من المحرَّمات؛ مثل آلات الطرب؛ مع مراعاة المصالح والمفاسد.
قال ابن رجب: «وقد يُجاب عن ذلك بأنَّ التغيير باليد لا يستلزم القتال. وقد نصَّ على ذلك أحمد أيضًا في رواية صالح، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح، وحينئذٍ فجهادُ الأمراء باليد أن يُزيلَ بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل أن يُريقَ خمورهم أو يكسرَ آلاتِ الملاهي التي لهم، ونحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك، وكلُّ هذا جائز، وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي وردَ النهيُ عنه، فإنَّ هذا أكثر ما يُخشى منه أن يُقتلَ الآمرُ وحده» (^٢).
الوجه الثاني: أن المراد بهذا الحديث الأمم السابقة، فليس المرادُ به شريعتنا، كما قاله ابن الصلاح والنووي.
قال النووي: «على أنَّ هذا الحديث مَسوقٌ فيمن سبقَ من الأمم، وليس في لفظهِ ذكرٌ لهذه الأمة. هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو وهو ظاهر كما قال» (^٣).
الوجه الثالث: أنه لما رأى الإمام أحمد ظاهرَ هذا الحديث مخالفًا للأحاديث الكثيرة في الصبر على جَور السلطان وظُلمه = ضعَّفَ هذا الحديث، وفعل مثلَه الأثرم.
_________________
(١) تقدم (ص: ٣٥، ٣٩).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٤٨).
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٢٨).
[ ١٩٨ ]
قال أحمد: «جعفر هذا هو أبو عبد الحميد بن جعفر، والحارث بن فضيل ليس بمحمود الحديث، وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود، ابن مسعود يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «اصبروا حتى تلقوني» (^١).
وقال الأثرم: «وهذا عن ابن مسعود، وذاك عن ابن مسعود، وهذا أثبتَ الإسنادين، وهو موافقٌ للأحاديث، وذاك مخالف، ثم تواترت الأحاديث عن النبي -ﷺ- فكثرت عنه، وعن الصحابة والأئمة بعدَهم -﵃- يأمرون بالكف، ويكرهون الخروج، وينسبون مَنْ خالفهم في ذلك إلى فراق الجماعة، ومذهبِ الحرورية وتركِ السُّنة» (^٢).
فائدة:
أخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله -ﷺ-: «ما من نبيٍّ بعثهُ الله في أمةٍ قبلي إلَّا كان له من أمته حواريون، وأصحابٌ يأخذون بسُنَّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلفُ من بعدِهم خلوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمَن جاهدَهُم بيدهِ فهو مؤمن، ومَن جاهدَهُم بلسانهِ فهو مؤمن، ومَن جاهدَهُم بقلبهِ فهو مؤمن، وليس وراءَ ذلك من الإيمان حبَّة خردل» (^٣).
لم يضعِّف الإمام أحمد لفظَ مسلم لأنه ليس فيه ذِكرُ لفظ (أمراء) وإنما ضعَّفَ اللفظ الذي ذُكِرَ فيه الأمراء.
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (ص: ٤١٩)، وانظر للاستزادة: السنة لأبي بكر بن الخلال (١/ ١٤٢)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٢٤٨).
(٢) ناسخ الحديث ومنسوخه (ص: ٢٥٧).
(٣) أخرجه مسلم (٥٠).
[ ١٩٩ ]
وصنيعُ ابن رجب في (جامع العلوم والحكم) يوهِمُ أنه يضعِّفُ لفظ مسلم وليس الأمر كذلك - والله أعلم - لأنَّ الحديث بدون لفظ الأمراء لا يخالف بقية الأحاديث.