حاول بعضُهم أن ينسبَ القول بجواز الخروج على الحاكم الفاسق إلى أئمة المذاهب الأربعة، فقد نسبَهُ إلى أبي حنيفة معتمدًا على كلام الجصَّاص، وكذلك نَسبَ إلى مالك معتمدًا على نقولاتٍ ذكرَها ابنُ العربي ونسبَ القول بالخروج إلى الشافعي معتمدًا على كلام الزبيدي في شرحه على الإحياء، ونسب إلى الإمام أحمد معتمدًا على رواية أبي الفضل التميمي.
وكشفُ هذه الشبهة بأن يبيَّن بُطلانُ هذه النسبة لكلِّ واحدٍ من هؤلاء الأربعة:
_________________
(١) الطبقات الكبرى (٧/ ١٤٠).
(٢) البداية والنهاية (١٢/ ٣٥٥).
[ ١٦٤ ]
١ - أما أبو حنيفة:
فقد أنكر عليه السلف قولَهُ بالخروج على السلطان؛ قال الجصَّاص: «وكان مذهبهُ مشهورًا في قتال الظَّلمة وأئمة الجور؛ ولذلك قال الأوزاعي: «احتملْنا أبا حنيفة على كلِّ شيء حتى جاءنا بالسيف - يعني قتال الظلمة - فلم نحتمله»، وكان من قوله وجوبُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض بالقول، فإن لم يؤتمر له فبالسيف» (^١).
قال رجل لابن المبارك ونحن عنده: «إنَّ أبا حنيفة كان مرجئًا يرى السيف، فلم يُنكر عليه ذلكَ ابنُ المبارك» (^٢).
وقال عبد الله بن أحمد: «سمعت أبا يوسف، يقول: كان أبو حنيفة يرى السيف، قلت: فأنت؟ قال: معاذ الله» (^٣).
وقال الأوزاعي: «احتملنا عن أبي حنيفة كذا وعقد بأصبعه، واحتملنا عنه كذا وعقد بأصبعه الثانية، واحتملنا عنه كذا وعقد بأصبعه الثالثة العيوبَ، حتى جاء بالسيف على أمة محمد -ﷺ-، فلما جاء بالسيف على أمة محمد -ﷺ- لم نقدر أن نحتمله» (^٤).
وعن أبي إسحاق الفزاري، قال: «كان أبو حنيفة مرجئًا يرى السيف» (^٥).
_________________
(١) أحكام القرآن (١/ ٨٦).
(٢) السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٨٢).
(٣) السنة لعبدالله بن أحمد (١/ ١٨٢).
(٤) السنة لعبدالله بن أحمد (١/ ١٨٥).
(٥) السنة لعبدالله بن أحمد (١/ ٢٠٧).
[ ١٦٥ ]
وبهذا يتبين أنَّ أبا حنيفة كان يرى هذا الرأي لكن لا ممسكَ في كلامه من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ أبا حنيفة رجع عن هذا القول كما في كتاب الفقه الأكبر.
فقد جاء فيه: «قلت لأبي حنيفة: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيتبعهُ على ذلك ناس، فيخرج على الجماعة هل ترى ذلك؟ قال: لا، قلت: ولم وقد أمرَ الله تعالى ورسولهُ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا فريضة واجبة؟، فقال: هو كذلك، لكن ما يفسدونَ من ذلك أكثر مما يصلحون من سفك الدماء، واستحلالِ المحارم، وانتهاب الأموال، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، قلت: فنقاتلُ الفئة الباغية بالسيف؟ قال: نعم؛ تأمر وتنهى، فإن قَبل وإلَّا قاتلتَهُ، فتكون مع الفئة العادلة، وإنْ كان الإمام جائرًا لقول النبي ﵊: «لا يضرُّكم جَورُ من جار، ولا عَدلُ منَ عدلَ، لكُم أجرُكُم وعليه وِزرُه» (^١).
ومما يدلُّ على تراجُعهِ أنَّ الطَّحاوي في عقيدته المشهورة نَسبَ لأبي حنيفة وصاحبَيه عدمَ جوازِ الخروج على الحاكم الفاسق.
الوجه الثاني: أنه لو استقر عليه لكان خطأً أنكَرهُ عليه سلفُ هذه الأمة، فلا يصحُّ الاستدلال بخطأ العالم وزلَّته. وهذا مثلُ خطئه في مسألة الإيمان لمَّا أخرجَ العمل منه.
_________________
(١) الفقه الأكبر (ص: ١٠٨).
[ ١٦٦ ]
٢ - أما الإمام مالك:
فلم أرَ أحدًا نسب للإمام مالك القولَ بالخروج إلَّا ابن حزم، وأحد المعاصرين معتمدين على كلامٍ للإمام مالك في مسألتين: عدم صحَّة بيعة المكرَه، وعدم القتال مع الإمام الظالم على فئة بغَتْ عليه.
أما المسألة الأولى: فتقدَّم الكلام عليها (^١)، وسيأتي عدمُ ثبوتها عنه (^٢).
وأما المسألة الثانية: فيتَّضحُ المرادُ منه بنقل نصوصهِ ونصوصِ أصحابه.
قال ابن العربي: «قال علماؤنا في رواية سحنون: إنَّما يقاتَلُ مع الإمام العدل سواءٌ كان الأولَ أو الخارجَ عليه؛ فإن لم يكونا عدلَين فأمسِكْ عنهُما إلَّا أن تُرادَ بنفسكَ أو مالكَ أو ظُلمِ المسلمين فادفَعْ ذلك».
ثم قال: «لا تقاتل إلَّا مع إمامٍ عادل يقدمه أهلُ الحقِّ لأنفسهم، ولا يكون إلَّا قرشيًّا، وغيره لا حكم له، إلا أن يدعو إلى الإمام القرشي؛ قاله مالك؛ لأنَّ الإمامة لا تكون إلَّا لقرشي».
وقد روى ابن القاسم، عن مالك: «إذا خرج على الإمام العدل خارجٌ وجبَ الدفعُ عنه، مثل عمر بن عبد العزيز، فأمَّا غيره فدَعْهُ ينتقمُ الله من ظالمٍ بمثلهِ ثم ينتقمُ من كلَيهما، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥]».
_________________
(١) سبقت (ص: ١٢٩).
(٢) ص: ٢١٧.
[ ١٦٧ ]
قال مالك: «إذا بُويعَ للإمام، فقام عليه إخوانه قُوتلوا إذا كان الأولُ عدلًا، فأمَّا هؤلاء فلا بيعةَ لهم إذا كان بُويعَ لهم على الخوف. قال مالك: ولا بدَّ من إمامٍ برٍّ أو فاجر» (^١).
قال الدردير: «(فللعدل قتالهم، وإن تأوَّلوا) الخروجَ عليه لشبهةٍ قامت عندهم، ويجبُ على الناس معاونته عليهم، وأمَّا غيرُ العدل فلا تجبُ معاونته، قال مالك -﵁-: دَعْهُ وما يُرادُ منه؛ ينتقم الله من الظالم بظالم، ثم ينتقم من كلَيهما.
كما أنَّه لا يجوز قتالُهم لاحتمال أن يكون خروجُهم عليه لفسقهِ وجَوره، وإن كان لا يجوز لهم الخروج عليه» (^٢).
هذه النصوص من مالك والمالكية واضحة أنَّ كلام الإمام مالك في عدم المقاتلة مع مَنْ ليس عدلًا تجاه من خرج عليه.
وصرَّحَ أصحابُه بحُرمةِ الخروج؛ وسيأتي المزيد - إن شاء الله -، وليس في كلامه إشكال إلَّا في نقلِ سحنون: إنَّما يقاتل مع الإمام العدل سواءٌ كان الأولَ أو الخارج.
ونقلُ سحنون هذا مخالفٌ لباقي الروايات، ولكلام مالك الآخر لما قال: لابدَّ للناس من إمامٍ برٍّ أو فاجر. على ما سيأتي بيانه - إن شاء الله - فلأجلِ هذا لا يصحُّ لمنصفٍ أن يعوِّلَ على هذا النقل ويدَعَ باقيَ كلامه.
_________________
(١) أحكام القرآن (٤/ ١٥٣).
(٢) الشرح الكبير للشيخ الدردير (٤/ ٢٩٩).
[ ١٦٨ ]
ومما يدل على أنَّ الإمام مالكًا لا يرى الخروج أمور:
الأمر الأول: قول الإمام مالك: ولابدَّ من إمام برٍّ أو فاجر، فإقرارهُ بإمامة الفاجر يدلُّ أنه لايرى الخروجَ عليه.
الأمر الثاني: طريقة وهَدْيُ الإمام مالك مع حكَّام زمانه الذين عُرفوا بسفكِ الدماء (^١) كأبي جعفر المنصور؛ فقد كان يعتقد لهم الإمامة بل ويدعوهُ بأمير المؤمنين، ولم يثبتْ أنه دعا للخروج عليهم.
قال الذهبي: «وقال موسى بن داود: سمعتُ مالكًا يقول: قدِمَ علينا أبو جعفر المنصور سنة خمسين ومائة، فقال: يا مالك! كثُرَ شيبُكَ!
قلت: نعم يا أمير المؤمنين، مَنْ أتتْ عليه السِّنونُ، كثُرَ شَيبهُ.
قال: ما لي أراك تعتمدُ على قول ابن عمر من بين الصحابة؟
قلت: كان آخرَ مَنْ بقيَ عندنا من الصحابة، فاحتاجَ إليه الناس، فسألوه، فتمسَّكوا بقوله» (^٢).
الأمر الثالث: أنَّ مالكًا لو كان يقول بهذا القول لبيَّن ذلك أئمةُ السنة وأنكروه، كما أنكروا على غيره، فعدم إنكارهم عليه يدلُّ على أنه لم يقلْ بهذا القول.
الأمر الرابع: أنَّ أئمة السنة حكَوا الإجماعَ على عدم جواز الخروج؛ وأنه اعتقاد أهل السنة، ولم يذكروا مخالفة الإمام مالك؛ ولو كان مخالفًا لبيَّنوه؛ فإن للإمام مالك وأقواله المنزلةَ العالية والمكانة الرفيعة بينهم.
_________________
(١) قال السيوطي في تاريخ الخلفاء (ص: ٤٢٢): «قتل خلقًا كثيرًا حتى استقام ملكه …» اهـ.
(٢) سير أعلام النبلاء (٨/ ١١٢).
[ ١٦٩ ]
الأمر الخامس: أنَّ الإمام مالكًا يرى الخارجَ ظالمًا بفعله، لأنه قال: «ينتقمُ الله من ظالمٍ بمثله»؛ فجعل الخارج ظالمًا.
الأمر السادس: أنَّ جمعًا من أئمة المالكية، وبعضُهم أئمةٌ في السُّنة حكوا الإجماعَ على عدم الخروج، ووجوب السمع والطاعة؛ ونسبوا ذلك لمالك، ولو كان مالكٌ مخالفًا لبيَّنوا ذلك.
قال ابن أبي زيد القيرواني: «والسمعُ والطاعة لأئمة المسلمين وكلِّ مَنْ وليَ أمرَ المسلمين عن رضى أو عن غلَبة، واشتدت وطأتهُ من برٍّ أو فاجرٍ فلا يُخرَجُ عليه، جارَ أو عدلَ.
ثم قال: وكلُّ ما قدَّمنا ذكرَهُ فهو قولُ أهل السُّنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيَّناه، وكلُّه قول مالك؛ فمنه منصوصٌ من قوله ومنه معلومٌ من مذهبه» (^١).
وتقدم نقلُ كلام ابن بطال المالكي، وأيضًا نقلُ ابن حجر عنه (^٢)، وقال ابن عبدالبر المالكي: «وأمَّا أهل الحق وهُم أهل السُّنة فقالوا: هذا هو الاختيار أن يكون الإمامُ فاضلًا عدلًا محسنًا، فإن لم يكن فالصبرُ على طاعة الجائرين من الأئمة أولى من الخروج عليه؛ لأنَّ في منازعته والخروج عليه استبدالَ الأمن بالخوف، ولأن ذلك يحملُ على هِراق الدماء، وشنِّ الغارات، والفساد في الأرض، وذلك أعظمُ من الصبر على جَوره وفسقهِ، والأصولُ تشهد والعقلُ والدينُ أنَّ أعظمَ المكروهَين أَولاهُما بالترك» (^٣).
_________________
(١) الجامع (ص: ١١٦).
(٢) تقدم (ص: ٤١).
(٣) التمهيد (٢٣/ ٢٧٩).
[ ١٧٠ ]
٣ - أما الإمام الشافعي:
فقد رأيتُ بعض المعاصرين نسبَ إليه القول بالخروج معتمدًا على نقل الزبيدي والتفتازاني، وسيأتي الجواب عليهما (^١)، مع أن كلام الزبيدي في الخلع لا في الخروج، ومما يدل على أنَّ الإمام الشافعي لا يرى الخروج أمور أربعة:
الأمر الأول: أن هذا لم يثبت عن الإمام الشافعي، ولم ينقله أحد عنه - سوى من تقدَّم - إلَّا ما سيأتي من كلام ابن حزم (^٢).
الأمر الثاني: أنَّ من أئمة الشافعية مَنْ حكى الإجماع كالنووي، بل من أئمة السُّنة الشافعية كالمزني حكى إجماعَ السلف على العقيدة التي كتبها؛ فقال فيها:
«والطاعة لأولي الأمر فيما كان عندَ الله -﷿- مرضيًّا، واجتناب ما كان عند الله مسخطًا، وترك الخروج عند تعدِّيهم وجَورهم، والتوبة إلى الله -﷿- كيما يعطف بهم على رعيتهم» (^٣).
ولو كان الشافعي مخالفًا لبيَّن ذلك ولعرَّفه.
الأمر الثالث: أن الشافعي لو كان يقول بهذا القول لبيَّن ذلك أئمة السُّنة وأنكروه، كما أنكرواعلى غيره، فعدم إنكارهم عليه يدلُّ على أنه لم يقل بهذا القول.
الأمر الرابع: أنَّ أئمة السُّنة حكوا الإجماع على عدم جواز الخروج وأنَّه اعتقادُ أهل السنة، ولم يذكروا مخالفة الإمام الشافعي؛ ولو كان مخالفًا لبيَّنوه، فإنَّ للإمام الشافعي وأقواله المنزلة العالية والمكانة الرفيعة بينهم.
_________________
(١) سيأتي (ص: ١٨٢).
(٢) ص: ١٧٣.
(٣) شرح السنة (ص: ٨٤).
[ ١٧١ ]
٤ - أما الإمام أحمد:
فقد رأيتُ بعض المعاصرين نسبَ له القول بالخروج، وهذا من العجائب والغرائب، فكلام هذا الإمام في تقرير السمع والطاعة وعدم الخروج على أئمة الجور كثيرٌ للغاية، بل ونقلَ على ذلك إجماع السلف كما تقدم (^١).
والذي نسَبَ للإمام أحمد هذا القول اعتمدَ على نقل أبي الفضل التميمي في العقيدة الملحقة بذيل الطبقات (^٢)، وذلك في قوله عن عقيدة الإمام أحمد: من دعا منهم إلى بدعةٍ فلا تُجيبوه ولا كرامة، وإنْ قدرتُم على خلعهِ فافعلوا.
وهذا النقلُ لا يصحُّ أن يُنسَبَ للإمام أحمد لأربعة أمور:
الأمر الأول: أنه يخالف المشهور المعروفَ عن الإمام أحمد وعن العقيدة التي نقلَها عن السلف، وقد تقدَّم نقلُ بعض ذلك (^٣).
الأمر الثاني: أنَّ نَقْل أبي الفضل التميمي لا يُعتمَدُ عليه فيما ينقلُه عن الإمام أحمد؛ لأن روايته عن أحمد منقطعة؛ ولأنه ينقلُها عن أحمد بالمعنى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكان من أعظَم المائلين إليهم - أي الأشاعرة - التميميون: أبو الحسن التميمي وابنُه وابنُ ابنهِ ونحوهم؛ وكان بين أبي الحسن التميمي وبين القاضي أبي بكر بن الباقلاني من المودَّة والصحبة ما هو معروف مشهور. ولهذا اعتمد الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الذي صنَّفه في مناقب الإمام أحمد - لما ذكر اعتقاده - اعتمدَ على ما نقلَه من كلام أبي الفضل
_________________
(١) تقدم (ص: ٣٩).
(٢) (٢/ ٣٠٥).
(٣) تقدم (ص: ٣٩).
[ ١٧٢ ]
عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي. ولهُ في هذا الباب مصنف ذكر فيه من اعتقادَ أحمد ما فهِمَهُ؛ ولم يذكر فيه ألفاظَه وإنما ذكرَ جملَ الاعتقاد بلفظِ نفسهِ وجعل يقول: وكان أبو عبد الله، وهو بمنزلة من يصنف كتابًا في الفقه على رأي بعض الأئمة، ويذكر مذهبه بحسب ما فهِمَهُ ورآه، وإن كان غيرُه بمذهب ذلك الإمام أعلمَ منه بألفاظه وأفهم لمقاصده» (^١).
أما الأمران الباقيان فهما الأمران المشتركان مع الإمام مالك والإمام الشافعي.