أنه لا تصح البيعة لأكثر من حاكم للمسلمين بالنص والإجماع، فبهذا يتبين أن هؤلاء الحكام الموجودين اليوم ليسوا حكَّامًا شرعيين.
قال ابن حزم: «واتفقوا أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقتٍ واحد في جميع الدنيا إمامان، لا متفقان ولا مفترقان، ولا في مكانين ولا في مكان واحد» (^١).
وقال النووي: «واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يُعقد لخليفتين في عصرٍ واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا، وقال إمام الحرمين في كتابه الإرشاد: قال أصحابنا: لا يجوز عقدُها لشخصين، قال: وعندي أنه لا يجوز عَقدُها لاثنين في صقع واحد وهذا مُجمَعٌ عليه.
قال: فإنْ بعُدَ ما بين الإمامين وتخللت بينهما شسوع، فللاحتمال فيه مجال؛ قال: وهو خارج من القواطع، وحكى المازري هذا القولَ عن بعض المتأخرين من أهل الأصل، وأراد به إمامَ الحرمين، وهو قولٌ فاسد مخالفٌ لما عليه السلف والخلف، ولظواهر إطلاق الأحاديث والله أعلم» (^٢).
وقال القرطبي: «فأما إقامة إمامين أو ثلاثةٍ في عصرٍ واحد وبلدٍ واحد =
_________________
(١) مراتب الإجماع (ص: ١٢٤).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٣٢).
[ ٩٣ ]
فلا يجوز إجماعًا؛ لما ذكرنا» (^١).
وأصلُ ذلك ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد قال النبي -ﷺ-: «إذا بُويعَ لخليفتين فاقتلوا الآخرَ منهما» (^٢).
وكشف هذه الشبهة هو أن هذا الإجماع محمول على أحد أمرين:
الأمر الأول: إذا كان المسلمون في ولاية واحدة، فلا يُبايع لأكثر من خليفة بخلاف إذا تعددت الولايات، فإنَّ لكل ولاية حُكمَها، وقد أشار لهذا ابن تيمية لما قال: «وأما أئمة الفقهاء فمذهبُهم أنَّ كلًّا منهما ينفُذ حكمه في أهل ولايته كما ينفُذ حكمُ الإمام الواحد.
وأما جواز العقد لهما ابتداءً، فهذا لا يُفعل مع اتفاق الأمة، وأمَّا مع تفرقتها فلم يعقد كل من الطائفتين لإمامين» (^٣).
الأمر الثاني: أن المراد بالحديث والإجماعات ما كان في حال الاختيار بخلاف حال الاضطرار، فتكون شبيهةً بمسألة ثبوت الولاية بالتغلب والقهر، فإنَّ الأصل أن لا تكون للمسلمين إلَّا دولةٌ واحدة؛ وتعدُّدُ الولايات والدول حالةُ اضطرارٍ لها حكمُها، وسواء كان الجواب الأول أو الثاني، فإن ثبوت الولاية للإمامين في الدولتين فأكثر درجَ عليه المسلمون من وقت الصحابة، وتقدَّم نقل كلام ابن تيمية.
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: «الأئمة مجمعون من كلِّ مذهب، على أنَّ من تغلَّب على بلد أو بلدان = له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما
_________________
(١) تفسير القرطبي (١/ ٢٧٣).
(٢) أخرجه مسلم (١٨٥٣).
(٣) نقد مراتب الإجماع (ص: ٢٩٨).
[ ٩٤ ]
استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا، ما اجتمعوا على إمامٍ واحد، ولا يعرفون أحدًا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام، لا يصحُّ إلَّا بالإمام الأعظم» (^١).
قال الشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين -﵀-: «وقوله: «الإمام» هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يشترط أن يكون إمامًا عامًّا للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت من أزمنة متطاولة، والنبي -ﷺ- قال: «اسمَعوا وأطيعوا ولو تأمَّرَ عليكم عبدٌ حبشي» (^٢)، فإذا تأمر إنسانٌ على جهةٍ ما، صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذًا، وأمره مطاعًا، ومن عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -﵁- والأمة الإسلامية بدأت تتفرق، فابنُ الزبير في الحجاز، وبنو مروان في الشام، والمختار بن عبيد وغيره في العراق، فتفرقت الأمة، وما زال أئمة الإسلام يدينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له الخلافة العامة؛ وبهذا نعرف ضلالَ ناشئةٍ نشأت تقول: إنه لا إمامَ للمسلمين اليوم، فلا بيعة لأحد!! نسأل الله العافية، ولا أدري أيريد هؤلاء أن تكون الأمور فوضى ليس للناس قائد يقودهم؟! أم يريدون أن يقال: كلُّ إنسان أمير نفسه؟!
هؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة فإنهم يموتون ميتة جاهلية - والعياذ بالله -؛ لأن عمل المسلمين منذ أزمنة متطاولة على أن من استولى على ناحيةٍ من النواحي، وصار له الكلمة العليا فيها، فهو إمام فيها» (^٣).
_________________
(١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٩/ ٥).
(٢) أخرجه البخاري (٧١٤٢) من حديث أنس بن مالك -﵁-.
(٣) الشرح الممتع (٨/ ٩).
[ ٩٥ ]