أن أحمد بن نصر الخزاعي من أئمة السنة خرج على الواثق؛ لأنه مبتدع؛ وعلى إثرِ خروجهِ قتلَهُ الواثقُ فأثنى عليه أحمد بن حنبل وجمعٌ من الأئمة، فهذا يدلُّ على أنَّ الخروج ليس بدعةً ولا الخارج مبتدعًا.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أنه لم يثبت أنَّ قتل الإمام الكبير أحمد بن نصر الخزاعي كان
_________________
(١) ص: ٣٥.
(٢) تقدم (ص: ٣٩).
(٣) تقدم (ص: ٥٠).
[ ٢٠٣ ]
لأجل الخروج؛ فقد روى القصة الخطيب في تاريخه (^١) من طريق محمد بن يحيى الصولي قال: كان أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي من أهل الحديث، وكان جدُّه من رؤساء نقباء بني العباس، وكان أحمد وسهل بن سلامة - حين كان المأمون بخراسان - بايعا الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى أن دخل المأمون بغداد فرفق بسهل حتى لبس السواد، وأخذ الأرزاق، ولزم أحمدُ بيته، ثم إنَّ أمره تحرَّك ببغداد في آخر أيام الواثق، واجتمع إليه خلقٌ من الناس يأمرون بالمعروف إلى أن ملكوا بغداد … ثم حكاها.
وفي إسنادها محمد بن يحيى الصولي وهو لم يلْقَ زمن أحمد بن نصر الخزاعي؛ لأنَّ أحمد بن نصر توفي عام (٢٣١ هـ) (^٢)، والصولي عام (٣٣٦ هـ) (^٣)، فبين وفاتهما أكثر (^٤) من مائة سنة، وليس في ترجمة الصولي أنه عمر طويلًا؛ ثم في ترجمته أنه روى عن أبي داود السجستاني؛ وهو في طبقة تلاميذ أحمد بن نصر، فهذا يدلُّ على أنه لم يدركه.
الوجه الثاني: تقدَّم إجماعُ أئمة السنة على تبديع من يخرج على السلطان، وممن حكى هذا الإجماع الإمام أحمد، فيبعد أن يثني عليه؛ لأنه قُتل لفعل بدعةٍ توجبُ تبديعه.
_________________
(١) (٥/ ٣٨٤).
(٢) سير أعلام النبلاء (١١/ ١٦٩).
(٣) تاريخ بغداد (٤/ ٢٠٢).
(٤) انظر: كتاب «تنبيهات على كتاب ظاهرة الإرجاء» لأخينا الشيخ أنيس المصعبي (ص: ٢٣)، فقد تنبهت لهذا بعد النظر في كتابه النافع.
[ ٢٠٤ ]
الوجه الثالث: أن قتله كان لأجل الصبر على القول بأن القرآن كلامُ الله غير مخلوق، وهذا الذي يتناسب مع ثناء الأئمة عليه، قال الذهبي: «قال ابن الجنيد سمعت يحيى بن معين يترحَّم عليه، وقال: ختمَ الله له بالشهادة، وقال: قال المروذي: سمعتُ أحمد بن حنبل ذكرَ أحمد بن نصر فقال: -﵀- لقد جادَ بنفسه» (^١).