ذكر بعضهم أنَّ الشافعي يرى عزلَ الحاكم لفسقهِ، وتمسكَ بما نسبه إليه الزبيديُّ من جواز خلعِ الحاكم لفسقه، فقال: «أما الفسقُ فقد اختُلف فيه على قولين، فالذي عليه الجمهور أنه لا ينعزل به؛ لأن ذلك قد تنشأ عنه فتنة أعظَمُ من فسقه، وذهبَ الشافعي في القديم إلى أنه ينعزل» (^١).
وبما ذكر التفتازاني عند قول أبي حفص: «ولا ينعزل الإمام بالفسق والجور: أي بالخروج عن طاعة الله تعالى (والجور) أي الظلم على عباد الله تعالى، لأنه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الراشدين؛ والسلفُ قد كانوا ينقادون لهم ويقيمون الجُمَعَ والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروجَ عليهم لأن العصمة ليست بشرطٍ للإمامة ابتداءً؛ فببقاء أولى.
وعن الشافعي أنَّ الإمام ينعزل بالفسق والجور، ثم قال: والمسطور في كتب الشافعية أن القاضي ينعزل بالفسق بخلاف الإمام. والفرقُ أن في انعزالهِ ووجوب نصب غيره إثارةً للفتنة؛ لما له من شوكة؛ بخلاف القاضي» (^٢).
وجواب هذه الشبهة: هو بيان أنه لا يصحُّ الاعتماد على هذا الكلام في نسبته للشافعي من أوجه:
الوجه الأول: أنه مذهب الشافعي في القديم لا في الجديد، فدلَّ هذا على أنه رجع عنه، فكيف يُنسب قولٌ لعالم وقد رجع عنه.
_________________
(١) إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٣٣).
(٢) شرح العقائد النسفية (ص: ٣٣٨).
[ ١٨٢ ]
الوجه الثاني: أن النووي مع سَعةِ اطِّلاعه ومعرفته بمذهب الشافعي والشافعية لم ينسِبْ هذا القول للشافعي، بل نسبَهُ لبعض المتأخرين من الشافعية، وبيَّن أنهم محجوجون بالإجماع السابق. وتقدَّم نقلُ كلامه (^١).
الوجه الثالث: لم أر أحدًا نسبَ هذا القول للإمام الشافعي - غير ما سبق - من ابن حزم (^٢) والتفتازاني (^٣)، ومن المعلوم أنَّ الشافعي إمامٌ اعتنى الناسُ بأقوالهِ، فلو كان قولًا له لتناقلوه وبيَّنوه.
الوجه الرابع: أن أئمة السُّنة حكوا إجماعَ السلف على السمع والطاعة للحاكم المسلم ولو فسقَ وجار، وممن حكى ذلك بعضُ الشافعية كما تقدَّم (^٤)، ولم يستثنوا الشافعي ولو في القديم.
فهذه الأوجه الأربعة تُبين عدمَ صحَّة نسبة هذا القول للإمام الشافعي.