أنَّ بعضَ الأدلة جوَّزت الخروجَ عند وجود المعصية من الحاكم؛ لما أخرجَ ابنُ حبان (^١) عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اسمَعْ وأطِعْ في عُسرِكَ ويُسركَ ومنشطكَ ومكرهِكَ وأثَرةٍ عليك، وإنْ أكلوا مالك وضربوا ظهركَ إلَّا أن يكونَ معصية» بلفظ «إلَّا أن يكون معصية»، وفي موضع آخر (^٢) بلفظ: «إلَّا أن تكون معصية لله بواحًا»، وأخرجه أحمد بلفظ «ما لم يأمروك بإثمٍ بواحًا» (^٣)، فدلَّ هذا الحديث على أنه يخرج على الحاكم إذا كانت عنده معصية ظاهرة.
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إنه لا تعارضَ بين ألفاظ حديث عبادة؛ فإنَّ المراد بالكفر المعصية، فلفظُ حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين: «إلَّا أن تروا كفرًا بواحًا» (^٤)، يفسِّر المعصية المذكورة في رواية ابن حبان وأنها الكفر الأكبر، فبهذا تتفق الألفاظ.
فإن قيل: لماذا لا يُحمل حديث «كفرًا بواحًا» على المعصية فيكون الكفر بالمعنى العامِّ فيشمل جميع المعاصي، ومنها ما هو دون الكفر الأكبر؟
فيقال: هذا لا يصحُّ لسببين:
السبب الأول: دلت الأحاديث على السمع والطاعة للحاكم ولو كان ظالمًا، أي عنده معاصٍ ظاهرة، قال ابن مسعود: قال -ﷺ-: «إنكم سترونَ بعدي
_________________
(١) (١٠/ ٤٢٥).
(٢) (١٠/ ٤٢٨).
(٣) (٥/ ٣٢١).
(٤) سبق تخريجه (ص: ٣٥).
[ ٢١٤ ]
أثَرةً وأمورًا تنكرونها» قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدُّوا إليهم حقَّهم، وسَلُوا الله حقَّكم» (^١).
وقال عوف بن مالك: قال رسول الله -ﷺ-: «ألَا مَنْ وليَ عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصيةِ الله، فليكْرَهْ ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعَنَّ يدًا من طاعة» (^٢).
السبب الثاني: آثار الصحابة وإجماعات أهل السُّنة التي تقدَّم ذكرها في حُرمة الخروج على الحاكم المسلم ولو كان فاسقًا ظالمًا.
فبهذا يتعيَّن عدمُ حمله على المعصية الظاهرة لا سيما وفي الحديث ذكر «وأثرة علينا» وهو الظلم، ومع ذلك أمرَ بالصبر ولم يجعله مسوِّغًا ومجوِّزًا للخروج مع أنَّ الظلم معصية.