أن معاوية بن أبي سفيان -﵁- ومَن بعدَهُ أخطؤوا لمَّا جعلوا تولية الحكم بالتوريث، وقد يبالغ بعضُهم فلا يُثبت الولايةَ بمثل هذا.
_________________
(١) سبق تخريجه (ص: ٦٧).
(٢) تقدم (ص: ٦٦، ١٣٦).
[ ١٣٧ ]
وكشف هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: أن إثباتَ الولاية بالتوارث لأجل درءِ مفسدةٍ أعظمُ مطلوب شرعًا، فإنَّ خالَ المؤمنين معاوية بن أبي سفيان لو جعلها في غير بني أمية ما تحمَّلوا هذا، وجاءت منهم مفاسدُ عظيمة على المسلمين. ومما يؤكِّد ذلك أنهم استرجعوا حكمَ بلاد المسلمين كلِّها بعد انفلاتها منهم، فقد استردَّ ولايةَ بني أمية مروانُ بن الحكم وعلى إثر هذا سقطت ولاية عبد الله بن الزبير -﵁-.
قال ابن خلدون في تاريخه: «والكلّ كانوا في مقاصدهم على حقٍّ، ثمّ اقتضت طبيعةُ الملك الانفراد بالمجد واستئثار الواحد به، ولم يكن لمعاوية أن يدفعَ عن نفسه وقومه؛ فهو أمر طبيعيّ ساقتهُ العصبيّة بطبيعتها، واستشعرته بنو أميّة.
ومن لم يكن على طريقة معاوية في اقتفاء الحقّ من أتباعهم فاعْصَوصَبوا عليه واستماتوا دونه، ولو حملهم معاويّة على غير تلك الطّريقة وخالفهم في الانفراد بالأمر لوقَع في افتراق الكلمة الّتي كان جَمعُها وتأليفُها أهمَّ عليه من أمرٍ ليس وراءه كبيرُ مخالفة.
وقد كان عمر بن عبد العزيز -﵁- يقول إذا رأى القاسم بن محمّد بن أبي بكر: لو كان لي من الأمر شيء لولّيته الخلافة، ولو أراد أن يعهد إليه لفعل، ولكنّه كان يخشى من بني أميّة أهل الحلّ والعقد لما ذكرناه، فلا يقدر أن يحوِّل الأمر عنهم لئلَّا تقع الفرقة.
وهذا كلّه إنّما حمل عليه منازع الملك الّتي هي مقتضى العصبيّة، فالملكُ إذا حصل وفرضنا أنَّ الواحد انفرد به وصرَفهُ في مذاهب الحقِّ ووجوهه = لم يكن في ذلك نكيرٌ عليه، ولقد انفرد سليمان وأبوه داود صلوات الله عليهما بملك بني
[ ١٣٨ ]
إسرائيل لما اقتضته طبيعة الملك من الانفراد به، وكانوا ما علمتَ من النّبوة والحقّ، وكذلك عَهِدَ معاوية إلى يزيد خوفًا من افتراق الكلمة بما كانت بنو أميّة لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم. فلو قد عَهِدَ إلى غيره اختلفوا عليه مع أنّ ظنَّهم كان به صالحًا ولا يرتاب أحدٌ في ذلك ولا يُظَنُّ بمعاوية غيره، فلم يكن ليعهدَ إليه وهو يعتقد ما كان عليه من الفسقِ حاشا الله لمعاوية من ذلك» (^١).
وقال ابن خلدون أيضًا: «ولا يتّهم الإمام في هذا الأمر، وإن عَهِدَ إلى أبيه أو ابنه؛ لأنّه مأمونٌ على النّظر لهم في حياته؛ فأَولى أن لا يحتمل فيها تبعةً بعد مماته؛ خلافًا لمن قال باتهامه في الولد والوالد، أو لمن خصَّص التّهمة بالولد دون الوالد، فإنّه بعيد عن الظنّة في ذلك كلِّه لا سيّما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه من إيثار مصلحة، أو توقُّع مفسدة، فتنتفي الظنّة في ذلك رأسًا كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد، وإن كان فعلُ معاوية مع وِفاقِ النّاس له حجّةً في الباب، والّذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنّما هو مراعاةُ المصلحة في اجتماع النّاس واتّفاق أهوائهم باتّفاق أهل الحلِّ والعقد عليه حينئذٍ من بني أميّة؛ إذ بنو أميّة يومئذٍ لا يرضَونَ سواهم، وهم عصابة قريش وأهلُ الملّة أجمع، وأهلُ الغلب منهم؛ فآثَرهُ بذلك دون غيره ممّن يَظُنّ أنّه أولى بها، وعَدلَ عن الفاضل إلى المفضول حرصًا على الاتّفاق واجتماع الأهواء الّذي شأنه أهمُّ عند الشّارع.
وإن كان لا يُظَنُّ بمعاوية غير هذا فعدالتهُ وصُحبته مانعةٌ من سوى ذلك، وحضورُ أكابر الصّحابة لذلك وسكوتهم عنه دليلٌ على انتفاء الرَّيب فيه، فليسوا ممّن يأخذهُم في الحقّ هوادةٌ، وليس معاوية ممّن تأخذهُ العزّة في قبول الحقّ؛ فإنّهم
_________________
(١) تاريخ ابن خلدون (١/ ٢٥٧).
[ ١٣٩ ]
كلّهم أجلُّ من ذلك وعدالتُهم مانعةٌ منه، وفرار عبد الله بن عمر من ذلك إنّما هو محمول على تورّعه من الدّخول في شيء من الأمور مباحًا كان أو محظورًا كما هو معروف عنه، ولم يبقَ في المخالفة لهذا العهد الّذي اتّفق عليه الجمهور إلّا ابن الزّبير؛ وندور المخالف معروف.
ثمّ إنّه وقعَ مثلُ ذلك من بعد معاوية من الخلفاء الّذين كانوا يتحرّون الحقَّ ويعملون به؛ مثل عبد الملك وسليمان من بني أميّة، والسّفّاح والمنصور والمهديّ والرّشيد من بني العبّاس، وأمثالهم ممّن عرفت عدالتهم وحسنُ رأيهم للمسلمين والنّظر لهم، ولا يُعاب عليهم إيثارُ أبنائهم وإخوانهم وخروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة في ذلك، فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء؛ فإنّهم كانوا على حين لم تحدث طبيعة الملك وكان الوازع دينيّا، فعند كلّ أحد وازع من نفسه، فعهدوا إلى من يرتضيه الدّين فقط، وآثروه على غيره، ووكلوا كلَّ من يسمو إلى ذلك إلى وازعه.
وأمّا مَنْ بعدَهُم من لَدُنْ معاوية، فكانت العصبيّة قد أشرفَتْ على غايتها من الملك الوازع الدّينيّ قد ضعف، واحتيجَ إلى الوازع السّلطانيّ والعصبانيّ، فلو عهد إلى غير من ترتضيه العصبيّة لردَّتْ ذلك العهد وانتفض أمره سريعًا، وصارت الجماعة إلى الفرقة والاختلاف» (^١).
وهكذا يقال فيمن بعده، فلو ولَّاه بغير طريقة الإرث لصارت المفسدة أكبر، والشريعة تنهى عما كانت مفسدته أكبر.
_________________
(١) (١/ ٢٦٢).
[ ١٤٠ ]
الوجه الثاني: أمَّا مَنْ بالغَ ولم يعتبر الولاية صحيحة، فهو مخطئ قطعًا - لما تقدَّم ذكره، فإن لم يقبل ما سبق ذكرهُ فيقال - تنزُّلًا: إنَّ تولِّي الحكم بالتوريث ولاية تغلُّب، وإذا كان كذلك فهي ولايةٌ صحيحة شرعًا، فيجبُ السمع والطاعة للأدلة المتقدمة، ولإجماع أهل السُّنة على صحة ولاية المتغلِّب.