حاول ابن حزم في كتابه (الفصل) أن يرد أحاديثَ الصبر على جور الحاكم الفاسق وعدمِ الخروج عليه فقال:
«كلُّ هذا لا حجَّة لهم فيه لما قد تقصَّيناه غاية التقصِّي خبرًا خبرًا بأسانيدها ومعانيها في كتابنا الموسوم بـ (الاتصال إلى فهم معرفة الخصال)، ونذكر منه - إن شاء الله - هاهنا جملًا كافية وبالله تعالى نتأيَّد؛ أمَّا أمرهُ -ﷺ- بالصبر على أخذ المال وضرب الظهر، فإنما ذلك بلا شك إذا تولَّى الإمام ذلك بحقٍّ، وهذا ما لا شكَّ فيه أنه فرض علينا الصبر له، وإن امتنع من ذلك، بل من ضرب رقبته إن وجب عليه، فهو فاسق عاص لله تعالى، وإمَّا إن كان ذلك بباطلٍ فمعاذ الله أن يأمر رسول الله -ﷺ- بالصبر على ذلك؛ برهانُ هذا قول الله -﷿-:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
وقد علمنا أن كلام رسول الله -ﷺ- لا يخالفُ كلام ربِّه تعالى، قال الله -﷿-:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، فصحَّ أن كلَّ ما قاله رسول الله -ﷺ- فهو وحيٌ من عند الله -﷿-، ولا اختلافَ فيه ولا تعارض ولا تناقض، فإذا كان هذا كذلك فيقينٌ لا شك فيه يدري كلُّ مسلم
[ ٩٨ ]
أنَّ أخذَ مال مسلم أو ذميٍّ بغير حقٍّ، وضربَ ظهرهِ بغير حقٍّ إثمٌ وعدوانٌ وحرام، قال رسول الله -ﷺ-: «إنَّ دماءكم وأموالَكُم وأعراضَكم حرامٌ عليكم» (^١)، فإذْ لا شكَّ في هذا، ولا اختلافَ من أحد من المسلمين، فالمسلم مالُه للأخذ ظلمًا وظهرهُ للضَّرب ظلمًا، وهو يقدر على الامتناع من ذلك بأيِّ وجهٍ أمكَنه معاونٌ لظالمه على الإثم والعدوان، وهذا حرامٌ بنصِّ القرآن، ثم قال: وأما الأحاديث فقد صحَّ عن رسول الله -ﷺ-: «مَنْ رأى منكم منكرا فليغيِّرهُ بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلكَ أضعفُ الإيمان، ليس وراء ذلك من الإيمان شيء» (^٢).
وصح عن رسول الله -ﷺ-: «لا طاعةَ في معصيةٍ؛ إنَّما الطاعة في المعروف» (^٣)، «وعلى أحدكم السَّمع والطاعة ما لم يُؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعة» (^٤)، وإنه -﵇- قال: «مَنْ قُتل دون مالهِ فهو شهيد، والمقتول دون دينه شهيد، والمقتول دون مظلمة شهيد»، وقال -﵇-: «لتأمرُنَّ بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن المنكر، أو ليعُمنَّكُم الله بعذاب من عنده».
فكان ظاهر هذه الأخبار معارضًا للآخر، فصحَّ أنَّ إحدى هاتين الجملتين ناسخة للأخرى لا يمكن غير ذلك، فوجبَ النظر في أيِّهما هو الناسخ، فوجدنا تلك الأحاديث التي منها النهيُ عن القتال موافقةً لمعهود الأصل، ولما كانت الحال فيه في أول الإسلام بلا شك، وكانت هذه الأحاديث الأُخر واردةً بشريعة
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٧)، ومسلم (١٦٧٩) من حديث أبي بكرة -﵁-.
(٢) سبق تخريجه (ص: ٥٧).
(٣) سبق تخريجه (ص: ٧٥).
(٤) سبق تخريجه (ص: ٧٥).
[ ٩٩ ]
زائدةٍ وهي القتال هذا ما لا شكَّ فيه = فقد صحَّ نسخُ معنى تلك الحاديث ورفعُ حكمها حين نطقهِ -﵇- بهذه الأُخَر بلا شك، فمن المحال المحرَّم أن يؤخذَ بالمنسوخ ويتركَ الناسخ، وأن يؤخذَ الشكُّ ويُترك اليقين.
ومَن ادَّعى أن هذه الأخبار بعد أن كانت هي الناسخة فعادت منسوخة، فقد ادَّعى الباطل وقَفا ما لا علمَ له به، فقال على الله ما لم يعلم. وهذا لا يحلُّ ولو كان هذا لما أخلا الله -﷿- هذا الحكمَ عن دليلٍ وبرهان يبيِّن به رجوعَ المنسوخ ناسخًا؛ لقوله تعالى في القرآن: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
وبرهانٌ آخر وهو أنَّ الله -﷿- قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ﴾ [الحجرات: ٩]، لم يختلف مسلمان في أن هذه الآية التي فيها فرضُ قتالِ الفئة الباغية مُحكَمةٌ غير منسوخة، فصحَّ أنها الحاكمة في تلك الأحاديث، فما كان موافقًا لهذه الآية فهو الناسخ الثابت، وما كان مخالفًا لها فهو المنسوخ المرفوع، وقد ادَّعى قومٌ أن هذه الآية وهذه الأحاديث في اللصوص دون السلطان.
قال أبو محمد: «وهذا باطلٌ متيقَّن لأنه قولٌ بلا برهان، وما يعجز مدَّعٍ أن يدَّعي في تلك الأحاديث أنها في قومٍ دون قوم، وفي زمانٍ دون زمان، والدَّعوى دون برهان لا تصحُّ، وتخصيصُ النصوص بالدعوى لا يجوز؛ لأنه قولٌ على الله تعالى بلا علم، وقد جاء عن رسول الله -ﷺ- أنَّ سائلًا سأله عَنْ مَنْ طلبَ ماله بغير حقٍّ فقال -﵇-: «لا تُعطِه»، قال: فإنْ قاتلَني؟ قال: «قاتِلْه»، فإنْ قتلتُه؟ قال: «إلى النار»، قال: فإنْ قتَلنَي؟ قال: «فأنت في الجنة» (^١)، أو كلامًا هذا معناه،
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٤٠) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ١٠٠ ]
وصحَّ عنه -﵇- أنه قال: «المسلمُ أخو المسلم لا يسلبهُ ولا يظلمه» (^١).
وقد صحَّ أنه -﵇- قال في الزكاة: «مَنْ سألهَا على وجهها فلْيُعطَها، ومَن سألَها على غير وجهها فلا يُعطَها» (^٢)، وهذا خبر ثابت رويناه من طريق الثقات عن أنس بن مالك عن أبي بكر الصديق عن رسول الله -ﷺ-، وهذا يُبطلُ تأويلَ من تأوَّل أحاديثَ القتال عن المال على اللصوص لا يطلبون الزكاة، وإنما يطلبه السلطان، فاقتصر -﵇- معها إذا سألَها على غير ما أمرَ به -﵇-، ولو اجتمع أهلُ الحقِّ ما قاومهم أهلُ الباطل؛ نسأل الله المعونة والتوفيق» (^٣).
إنَّ ملخص كلامه وحُجَجه ما يلي:
الأول: أن الله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، قال: «والسماحُ له بأخذ المال وضَربِ الظهر تعاونٌ على الإثم والعدوان».
الثاني: استدلَّ بعموم الأدلة في أمورٍ؛ منها وجوبُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: يجبُ أن يُنكَر على الحاكم ظُلمه.
الثالث: استدلَّ بأنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق وقال: إنَّ عدم إنكار المنكر طاعةٌ له في ترك واجب، وهو إنكار المنكر، وإنَّ عدمَ منعهِ من الضرب بغير حقٍّ، وأخذَ المال بغير حقٍّ = من طاعته في معصية الله؛ لأن الواجب منعه.
الرابع: تمسَّك بالنسخ فقال إنَّ الأدلة الناهية عن قتاله والخروج عليه منسوخة بمثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠) من حديث عبد الله بن عمر -﵄-.
(٢) أخرجه البخاري (١٤٥٤) من حديث أنس -﵁-.
(٣) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ١٣٣).
[ ١٠١ ]