أنه لا يصحُّ قتلُ الذين يباشرون الخروجَ على الحاكم من أهل عصرِنا، لأنهم ليسوا خوارج فهم لا يعتقدون عقيدة الخوارج في التكفير بكلِّ كبيرة.
وهذه شبهة يردِّدها بعضُ المعاصرين؛ وهي مبنيَّة على حصول خلْطٍ عند بعضِهم في مفهوم الخارجي.
وكشفُ هذه الشبهة: يكون بمعرفة ضابطِ الخارجيِّ، وأنه لا يُشترط فيه أن يكفِّر بكلِّ تكبيرة، بل لو كفَّر بغير مكفِّرٍ واحدٍ فهو خارجي.
وهذا يتوافقُ مع حال الخوارج الذي خرجوا على علي -﵁-، فلم يكفِّروا بكلِّ كبيرة، وإنما كفَّروا في أمرٍ واحد غيرِ مكفِّر؛ وهو زعمُهم أنَّ علي بن أبي طالب -﵁- تركَ تحكيمَ كتاب الله، وزعمُهم هذا كذبٌ؛ ثمَّ حكمُهم باطل لأنه مبني على كذبٍ؛ فصاروا خوارج لتكفيرهم بغير حق.
وإن كان بعد ذلك تفرَّق الخوارج فِرَقًا وتبنَّوا عقائد أخرى بحسب فرقهم؛ فمنهم مَنْ أنكرَ السُّنة، ومنهم من أنكر الحوض والصراط وهكذا … لكن بدعتُهم في الأصل التكفير بما ليس مكفرًا.
قال ابن قدامة: «الثالث: الخوارج الذين يكفِّرون بالذنب» (^١).
وقال أيضًا: «وإذا أظهرَ قومٌ رأيَ الخوارج، مثل تكفير من ارتكب كبيرة» (^٢).
وقال الزركشي: «الخوارج الذين يكفرون بالذنب» (^٣).
_________________
(١) المغني (٨/ ٥٢٤).
(٢) المغني (٨/ ٥٣٠).
(٣) شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٦/ ٢١٨).
[ ١٨٥ ]
وقال النووي: «الخوارج صنفٌ من المبتدعة يعتقدون أنَّ من فعل كبيرةً كفرَ وخلد في النار» (^١).
وقول ابن قدامة والزركشي بالذنب يدخلُ فيه ولو ذنبًا واحدًا، ومثله كلام النووي لما قال كبيرة.
ومثله ما سيأتي نقله عن ابن تيمية.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإذا عُرِفَ أصلُ البدع فأصلُ قول الخوارج أنهم يكفرونَ بالذنب، ويعتقدون ذنبًا ما ليس بذنب، ويرون اتِّباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب - وإن كانت متواترة - ويكفِّرون من خالفهم ويستحلُّون منه لارتدادهِ عندهم ما لا يستحلُّونه من الكافر الأصلي، كما قال النبي -ﷺ- فيهم: «يَقتلونَ أهلَ الإسلام ويدَعون أهل الأوثان» (^٢)، ولهذا كفَّروا عثمان وعليًّا وشيعتهما؛ وكفَّروا أهلَ صفين - الطائفتين - في نحو ذلك من المقالات الخبيثة» (^٣).
وقال أيضًا: «ولهم خاصَّتان مشهورتان فارقوا بهما جماعة المسلمين وأئمَّتهم: أحدُهما: خروجُهم عن السنة وجعلُهم ما ليس بسيئةٍ سيئةً أو ما ليسَ بحسنةٍ حسنةً، وهذا هو الذي أظهروه في وجه النبي -ﷺ- حيث قال له ذو الخويصرة التميمي: اعِدِلْ فإنك لم تعدل؛ حتى قال له النبي -ﷺ-: «ويلكَ؛ ومَن يعدل إذا لم أَعدل؟ لقد خِبْتُ وخسرتُ إن لم أعدل» (^٤).
فقوله: فإنك لم تعدل جعلَ منه لفعل النبي -ﷺ- سفهًا وتركَ عدلٍ، وقوله:
«اعدل» أمرٌ له بما اعتقده هو حسنة من القسمة التي لا تصلح.
_________________
(١) روضة الطالبين (١٠/ ٥١).
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٤) ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٥٥).
(٤) أخرجه البخاري (٦١٦٣) ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.
[ ١٨٦ ]
ثم قال: الفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع: أنهم يكفِّرون بالذنوب والسيئات؛ ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلالُ دماء المسلمين وأموالهم، وأنَّ دار الإسلام دارُ حرب، ودارهم هي دار الإيمان» (^١).
وقال: «فمن جعلهم بمنزلة البغاة المتأوِّلين جعلَ فيهم هذين القولين. والصوابُ أن هؤلاء ليسوا من البغاة المتأولين؛ فإنَّ هؤلاء ليس لهم تأويلٌ سائغٌ أصلًا، وإنما هم من جنس الخوارج المارقين، ومانعي الزكاة، وأهل الطائف والخرمية ونحوهم ممَّن قوتلوا على ما خرجوا عنه من شرائع الإسلام» (^٢).
وقال: «ومن اعتقد من المنتسبين إلى العلم أو غيره أنَّ قتال هؤلاء بمنزلة قتال البغاة الخارجين على الإمام بتأويل سائغ كقتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأهل الجمل وصفين = فهو غالطٌ جاهلٌ بحقيقة شريعة الإسلام وتخصيصه هؤلاء الخارجين عنها. فإنَّ هؤلاء لو ساسوا البلاد التي يغلبون عليها بشريعة الإسلام كانوا ملوكًا كسائر الملوك؛ وإنما هم خارجون عن نفس شريعة رسول الله -ﷺ- وسنَّتهِ شرًّا من خروجِ الخوارج الحرورية، وليس لهم تأويل سائغ؛ فإنَّ التأويل السائغ هو الجائزُ الذي يُقَرُّ صاحبه عليه إذا لم يكن فيه جواب، كتأويل العلماء المتنازعين في موارد الاجتهاد. وهؤلاء ليس لهم ذلك بالكتاب والسنة والإجماع ولكن لهم تأويلٌ من جنس تأويل مانعي الزكاة والخوارج واليهود والنصارى» (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٧٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٤٨).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٨٦).
[ ١٨٧ ]