أن السمع والطاعة والبيعة إنما تكون للحاكم العام على جميع بلاد المسلمين، أما إذا تعدَّدت الدويلات والحكام، فلا سمعَ ولا طاعة ولا بيعة. واستدلَّ بما أخرج الحاكم والطبراني عن حذيفة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «تسمَعُ للأميرِ الأعظَم وإنْ ضربَ ظهرك وأخذَ مالك» (^١).
وكشف هذه الشبهة من ثلاث جهات (^٢):
الجهة الأولى: أن النصوص العامة في السمع والطاعة للحاكم لم تفرِّق بين أن تكون دول المسلمين دولة واحدة أو أكثر، فبدلالة العموم يُسمع ويطاع للحكام في الولايات والدول المتعددة.
الجهة الثانية: أنَّ على هذا أهلَ العلم كما يدلُّ عليه هديُهم العمليُّ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما قال: «وأما أئمة الفقهاء فمذهبهم أنَّ كلًّا منهما ينفُذ حكمهُ في أهل ولايته كما ينفُذ حكمُ الإمام الواحد، وأما جوازُ العقد لهما ابتداءً، فهذا لا يُفعل مع اتفاق الأمة، وأما مع تفرقتها فلم يعقد كل من الطائفتين لإمامين» (^٣).
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٤/ ٥٤٧) والطبراني في الأوسط (٢٨٩٣).
(٢) قد كان العلامة الألباني يقرر أنه لا بيعة إلَّا للحاكم العام لكن يمنع الخروج .. الخ، وكلامهُ كاللفظي مع من يرى البيعة لعموم الحكام، ثم تراجع عن هذا تراجعًا واضحًا، وهنا توثيق تراجعه:http://www.islamancienttube.com/video/2330
(٣) نقد مراتب الإجماع (ص: ٢٩٨).
[ ٩٦ ]
وقال شيخنا محمد بن صالح ابن عثيمين: «وقوله: «الإمام» هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يشترط أن يكون إمامًا عامًّا للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت من أزمنة متطاولة، والنبي -ﷺ- قال: «اسمَعوا وأطيعوا ولو تأمَّر عليكم عبد حبشي» (^١)، فإذا تأمَّر إنسان على جهةٍ ما، صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذًا، وأمره مطاعًا، ومن عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -﵁- والأمةُ الإسلامية بدأت تتفرَّق، فابنُ الزبير في الحجاز، وبنو مروان في الشام، والمختار ابن عبيد وغيره في العراق، فتفرقت الأمة، وما زال أئمة الإسلام يدينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له الخلافة العامة؛ وبهذا نعرفُ ضلال ناشئةٍ نشأت تقول: إنه لا إمام للمسلمين اليوم، فلا بيعة لأحد! نسأل الله العافية، ولا أدري أيريد هؤلاء أن تكون الأمور فوضى ليس للناس قائد يقودهم؟! أم يريدون أن يقال: كلُّ إنسانٍ أميرُ نفسه؟!
هؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة فإنهم يموتون ميتة جاهلية - والعياذ بالله -؛ لأنَّ عمل المسلمين منذ أزمنة متطاولة على أنَّ من استولى على ناحيةٍ من النواحي، وصار له الكلمة العليا فيها، فهو إمامٌ فيها» (^٢).
الجهة الثالثة: ضَعفُ الحديث الذي فيه (للأمير الأعظم) لأمرين:
الأول: أنَّ في إسناده سلام بن أبي سلام؛ مجهول جهالة حال، قال ابن حجر: «مجهول» (^٣)، وقال الذهبي: «ليس بحجة» (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه (ص: ٩٥).
(٢) الشرح الممتع (٨/ ٩).
(٣) تقريب التهذيب (٢٧٠٦).
(٤) الكاشف (٢٢٠٨).
[ ٩٧ ]
الثاني: أنَّ أصل الحديث في صحيح مسلم من رواية الثقات بدون هذه الزيادة، مما يدلُّ على ضعف هذه الزيادة.
الجهة الرابعة: أنه لو صحَّ الحديث فهو محمولٌ على الأمير الأعظم في الدولة نفسها؛ لأن لكلِّ دولةٍ من الدول المتعددة أمراء وأميرًا عامًّا عليهم.