أنه لا طاعة لمن عصى الله؛ واستدلوا بما أخرج أحمد أن معاوية كتب إلى عثمان: إنَّ عبادة ابن الصامت قد أفسد عليّ الشام وأهله، فلما جاء عبادة إلى عثمان قال له: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «إنَّه سَيَلي أمورَكُم بعدي رجالٌ يعرِّفونكم
_________________
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/ ٣٥).
[ ١٢٥ ]
ما تنكرون، وينكرونَ عليكم ما تعرفون، فلا طاعةَ لمن عصى الله ﵎، فلا تعتَلُّوا بربِّكُم» (^١).
وكشف شبهة الاستدلال بهذا الحديث من أوجه:
الوجه الأول: أنَّ الحديث ضعيف؛ لأنَّ في الإسناد إسماعيل بن عياش وهو ضعيف في روايته عن غير أهل الشام الذين هم أهل بلده، كما بين ذلك يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وهذا الحديث منها.
فإنه يرويه عن عبد الله بن عثمان بن خيثم وهو من أهل مكة، وأيضًا في الإسناد إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه.
وإسماعيل وأبوه مجهولان جهالة حال، فإسماعيل وثَّقه ابن حبان وأبوه وثَّقه العجلي؛ وهما متساهلان في توثيق التابعين. فبهذا يكون الحديث ضعيفًا، وقد ضعَّفه العلامة الألباني في السلسلة الضعيفة (^٢).
الوجه الثاني: أنه مخالف للأدلة المتواترة في الصبر على جَور الحاكم - وقد تقدم ذكرها - (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٢٥).
(٢) رقم (١٣٥٣)، أما حديث: «سيليكم أمراء بعدي يعرِّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فمَن أدركَ ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله» فقد صحَّحه الإمام الألباني في السلسلة الصحيحة (٥٩٠)، والمراد بالحديث لا طاعة في المعصية نفسها دون غيرها؛ للأدلة الأخرى، والشريعةُ يفسِّر بعضُها بعضًا، وأيضًا لأجل إجماع أهل السنة كما تقدم.
(٣) تقدم (ص: ٣٧).
[ ١٢٦ ]
الوجه الثالث: أنه مخالف لإجماع أهل السنة ومعتقدهم - كما تقدم نقله (^١) -.
تنبيه:
قد روى ابن أبي شيبة (^٢) حديث عبادة بلفظ آخر قريب:
«ستكون عليكم أمراء يأمرونكم بما تعرفون، ويعلمون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة» على أنه لا طاعة لمن عصى الله.
وهو حديث ضعيف فيه أكثر من علَّة؛ ففيه جهالة الأعشى بن عبد الرحمن ابن مكمل؛ لم يوثِّقه مُعتبرَ، قال الهيتمي: «لم أعرفه» (^٣).
وفيه أزهر بن عبد الله الراوي عن عبادة بن الصامت.
قال ابن حجر: «يروي عن عثمان وعبادة بن الصامت. روى عنه الأعشى ابن عبد الرحمن بن مكمل. قال أبو حاتم: لا أدري من هو. وذكره ابن حِبَّان في (الثقات)» (^٤)، فهو بهذا مجهول جهالة حال، فيكون الحديث ضعيفًا.
_________________
(١) تقدم (ص: ٣٩).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٢٦).
(٣) مجمع الزوائد (٥/ ٢٢٧).
(٤) لسان الميزان (١/ ٣٤٠).
[ ١٢٧ ]