أنَّ الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب أئمة هدى وقد خرجا على الدولة العثمانية، ولو كان الخروج محرمًّا لما فعلاه.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: تقدم أنَّ الإمام محمد بن عبد الوهاب حكى الإجماعَ على حرمة الخروج، فالقول بالخروج يخالف الاعتقاد الذي كان يتبنَّاه ويدعو إليه.
قال في رسالة لأهل القصيم: «وأرى وجوبَ السمع والطاعة لأئمة المسلمين برِّهم وفاجرِهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة، واجتمعَ عليه الناس، ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفةً وجبتْ طاعته، وحَرُمَ الخروج عليه» (^٢).
وقال: «الأصل الثالث: أنَّ من تمام الاجتماع، السمعَ والطاعة لمن تأمَّر علينا، ولو كان عبدًا حبشيًّا.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١١/ ١٦٧، ١٦٨).
(٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١/ ٣٣).
[ ٢٠٥ ]
فبيَّن الله هذا بيانًا شافيًا كافيًا، بوجوهٍ من أنواع البيان شرعًا وقدرًا، ثم صار هذا الأصل لا يُعرف عند أكثر من يدَّعي العلم، فكيف العمل به؟!» (^١).
الوجه الثاني: أنه لا يقال خرج إلَّا لمن كان تحت حكمِ حاكم، ثم نزعَ يده من طاعته. وهذا خلافُ حال هذين الإمامين؛ فليسا تحت حكم الدولة العثمانية، فإنه ليس هناك ما يُثبت أنَّ دولة آل سعود في الدرعية يومذاك تحت حكم الدولة العثمانية أصلًا حتى يُقال إنهما خرجا عليها.
قال العلامة عبد العزيز بن باز -﵀-: «لم يخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب على دولة الخلافة العثمانية فيما أعلم وأعتقد، فلم يكن في نجد رئاسة ولا إمارة للأتراك، بل كانت نجد إمارات صغيرة وقرى متناثرة، وعلى كل بلدة أو قرية
- مهما صغرت - أمير مستقل .. وهي إمارات بينها قتال وحروب ومشاجرات، والشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يخرج على دولة الخلافة، وإنما خرجَ على أوضاعٍ فاسدة في بلده، فجاهدَ في الله حقَّ جهاده وصابرَ وثابرَ حتى امتدَّ نورُ هذه الدعوة إلى البلاد الأخرى» (^٢).
الوجه الثالث: ومما يؤكد أنَّ نجد اليمامة - بصفة عامة - ودولة آل سعود بالدرعية - بصفة خاصةٍ - ليست تحت إمارة الدولة العثمانية ما قاله الدكتور صالح العبود: «لم تشهد نجد على العموم نفوذًا للدولة العثمانية، فما امتد إليها سلطانها، ولا أتى إليها ولاة عثمانيون، ولا جابت خلال ديارها حامية تركية في
_________________
(١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١/ ١٧٣).
(٢) محاضرة صوتية، بواسطة: «دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب» (ص: ٢٣٧).
[ ٢٠٦ ]
الزمان الذي سبق ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -﵀-، ومما يدل على هذه الحقيقة التاريخية استقراء تقسيمات الدولة العثمانية الإدارية، فمن خلال رسالة تركية عنوانها (قوانين آل عثمان مضامين دفتر الديوان) - يعني قوانين آل عثمان في ما يتضمَّنه دفتر الديوان، ألَّفها يمين علي أفندي الذي كان أمينًا للدفتر الخاقاني سنة (١٠١٨ هـ) الموافقة لسنة (١٦٠٩ م).
من خلال هذه الرسالة يتبيَّن أنه منذ أوائل القرن الحادي عشر الهجري، كانت دولة آل عثمان تنقسم إلى اثنتين وثلاثين إيالة، منها أربع عشرة إيالة عربية، وبلاد نجد ليست منها ماعدا الإحساء، إن اعتبرناه من نجد» (^١).
قال أمين سعيد: «ولقد حاولنا كثيرًا في خلال دراستنا لتاريخ الدولتين الأموية والعباسية، وتاريخ الأيوبيين، والمماليك في مصر، ثم تاريخ العثمانيين الذين جاءوا بعدهم وورثوهم، أن نعثر على اسم والٍ، أو حاكمٍ أرسله هؤلاء، أو أولئك أو أحدهم إلى نجد أو إحدى مقاطعتها الوسطى، أو الشمالية، أو الغربية أو الجنوبية، فلم نقع على شيء، مما يدلُّ على مزيدِ من الإهمال تحمل تبعته هذه الدول … على أنَّ الذي استنتَجْناه في النهاية هو أنهم تركوا أمرَ مقاطعات نجد الوسطى والغربية إلى الأشراف الهاشميين حكَّام الحجاز الذين جَرَوا على أن يشرفوا على قبائلها إشرافا جزئيًّا» (^٢).
_________________
(١) عقيدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب (١/ ٢٧)، بواسطة دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص: ٢٣٥).
(٢) كتاب تاريخ الدولة السعودية (ص: ٢٣)، بواسطة: دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص: ٢٣٦).
[ ٢٠٧ ]