لا تُقر البيعة إلا لمن اجتمع عليه الناس كلُّهم، فإنه لما سئل الإمام أحمد عن حديث «مَنْ ماتَ وليس لهُ إمامٌ مات ميتةً جاهلية»، ما معناه؟ قال أبو عبدالله: «تدري ما الإمام؟ الإمامُ الذي يُجمع المسلمون عليه؛ كلُّهم يقول: هذا إمام،
_________________
(١) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص: ٥٣).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٤٠).
(٣) الجواب الصحيح (٥/ ٣١٧).
(٤) الصارم المسلول (١/ ٤٤٣).
[ ١٠٦ ]
فهذا معناه» (^١).
فعلى هذا لا بيعة لهؤلاء الحكام؛ لأنه لم يجتمع الناس كلهم عليهم.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: تقدم تقرير جواز البيعة للحكام إذا تعدَّدت الدول (^٢)، فلو قُدِّر أن كلام الإمام أحمد على خلاف هذا لرُدَّ كلامه، فإنَّ العبرة بالحجَّة والدليل. كيف وكلامه ليس كذلك قطعًا وحاشاه أن يتبنَّى ما يخالفُ معتقد أهل السنة وهو إمامٌ في السنة.
الوجه الثاني: تقدَّم كلامُ الإمام أحمد في صحَّة البيعة للحاكم حتى للمتغلب (^٣)، وأنَّ من خالفَ في ذلك فهو مبتدع، ويدخل في كلامه أهلُ زمانه، ومن المعلوم أنَّ ولايات المسلمين في زمانه متعدِّدة فلم يجتمعوا على حاكمٍ واحد.
قال -﵀-: «ومَن خرجَ على إمام من أئمة المسلمين، وقد كانوا اجتمعوا عليه، وأقرُّوا بالخلافة بأي وجهٍ كان بالرضا أو الغلبة = فقد شقَّ هذا الخارجُ عصا المسلمين وخالفَ الآثار عن رسول الله -ﷺ-، فإنْ ماتَ الخارجُ عليه مات ميتةً جاهلية، ولا يحلُّ قتالُ السلطان، ولا الخروجُ عليه لأحدٍ من الناس، فمَن فعلَ ذلك فهو مبتدع على غير السنة» (^٤).
_________________
(١) السنة لأبي بكر بن الخلال (١/ ٨٠).
(٢) تقدم (ص: ٩٤).
(٣) تقدم (ص: ٣٩).
(٤) أصول السنة (ص: ٤٥)، وأؤكد أنَّ الأصل فيما يُذكر في كتب العقائد أنها مسائل مجمَعٌ عليها، والعلماء المؤلفون في العقائد يشيرون لهذا لا سيما أنهم يبدِّعون المخالف.
[ ١٠٧ ]
ويؤيد ذلك أن الإمام أحمد تكلَّم في الحسن بن صالح بن حي - كما سيأتي (^١) - لأنه رأى السيف مع أنَّ الحكام ذاك الزمن متعدِّدون، فلم يجتمع المسلمون كلُّهم على حاكم واحد.
الوجه الثالث: أنه يريد بهذا - والله أعلم - الردَّ على البيعات السِّرية لتولِّي الحكم، فلو اجتمع قومٌ وجعلوا لهم حاكمًا فلا يعدُّ حاكمًا بهذه البيعة، ويدل لذلك أنَّ الإمام أحمد أثبتَ البيعة لمن غلَب، بل وحكى الإجماعَ عليها - كما تقدَّم - (^٢).
قال أبو يعلى: «وقد أومَأَ أحمد إلى إبطال الإمامة بذلك في رواية أبي الحارث: في الإمام يخرجُ عليه مَنْ يطلب الملك فيفتتن الناس، فيكون مع هذا قومٌ ومع هذا قومٌ؛ مع من تكون الجمعة؟ قال: مع من غلب.
وظاهرُ هذا أن الثاني إذا قهر الأول وغلَبهُ زالت إمامةُ الأول، لأنه قال: الجمعة مع مَنْ غلب. فاعتبر الغلبة» (^٣).
الوجه الرابع: أنه قد يُراد بكلام الإمام أحمد بيانُ بماذا تنعقد البيعة، وأنها لا ترجع إلى عددٍ معين من أهل الحلِّ والعقد، بل ترجعُ إلى جميعهم، قال الماوردي: «فأما انعقادُها باختيار أهل الحلِّ والعقد، فقد اختلف العلماء في عدد مَنْ تنعقدُ به الإمامة منهم على مذاهبَ شتَّى، فقالت طائفة: لا تنعقد إلَّا بجمهور أهل العقد والحلِّ من كلِّ بلد؛ ليكون الرِّضاءُ به عامًّا، والتسليمُ لإمامته إجماعًا، وهذا مذهبٌ مدفوعٌ ببيعة أبي بكر -﵁- على الخلافة باختيار مَنْ حضرها ولم ينتظر ببيعته
_________________
(١) ص: ١٧٧.
(٢) تقدم (ص: ٣٩، ٦٨).
(٣) الأحكام السلطانية (ص: ٢٢).
[ ١٠٨ ]