فإنَّ عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقًا كثيرًا، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور، وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم فهُزموا وهُزم أصحابهم فلا أقاموا دينًا ولا أبقوا دنيا؛ والله تعالى لا يأمر بأمرٍ لا يحصلُ به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا» (^١).
وهذا كمثل أن يقول قائل: قد حرَّمت الشريعة سفرَ المرأة بلا محرم؛ لسبب وهو أن لا يقع الزنى ومقدماته، وأنا متيقن أو يغلب على ظني أن لا يقع هذا في سفري مع هذه الأجنبية، فيقال: إنَّ هذا السفر محرَّم بالأدلة الواضحة، ثم إنَّ العبرة بالغالب والنادر لا حكم له.
قال الإمام ابن القيم: «الشرائع العامة لم تُبنَ على الصور النادرة» (^٢).
وبقراءة كتاب مختصر؛ ككتاب (تاريخ الخلفاء) للسيوطي تظهر أمثلة تدلُّ على مفاسد الخروج (الثورة)؛ وهذان مثالان:
المثال الأول: وقعة الحرة:
قال السيوطي: «وفي سنة ثلاث وستين بلغه أنَّ أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه، فأرسل إليهم جيشًا كثيفًا وأمرهم بقتالهم، ثم المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير، فجاءوا وكانت وقعة الحرة على باب طيبة، وما أدراك ما وقعة الحرة؟، ذكرَها الحسن مرة فقال: واللهِ ما كاد ينجو منهم أحد، قُتل فيها خلقٌ من الصحابة -﵃- ومن غيرهم، ونُهبت المدينة، وافتُضَّ فيها ألف عذراء، فإنا لله وإنا إليه
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٤/ ٥٢٧).
(٢) إعلام الموقعين (٣/ ٢١٧).
[ ١٧٩ ]
راجعون» (^١).
المثال الثاني: قتل المنصور جماعة كثيرة من آل البيت:
قال السيوطي: «وفي سنة خمس وأربعين كان خروجُ الأخوَين محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فظفر بهما المنصور فقتلهما وجماعة كثيرة من آل البيت، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكان المنصور أول من أوقعَ الفتنة بين العباسيين والعلويين، وكانوا قبلُ شيئًا واحدًا، وآذى المنصور خلقًا من العلماء ممن خرج معهما أو أمرَ بالخروج قتلًا وضربًا وغير ذلك» (^٢).
تنبيه:
تُطرح هذه الشبهة بأسلوب آخر؛ وهو أنَّ هناك ثورات نجحت؛ فإذن لا تحرم جميع الثورات!، وجلُّ هؤلاء يقيسون النجاح بأمورٍ دنيوية وبعضُها محرمة كالتوسُّع في الحريات والتحاكم للديمقراطية، غير ملتفتين إلى ما تخلفه الثورات من مصائب عظيمة، ثم يقال: إذا كان هناك من نجح فهناك الأكثر والأكثر فشل؛ فلا يصح أن نجعل أمن الناس وأعراضهم ودماءهم مجالًا للتجارب.