الدليل الخامس:
أن هذه طريقة السلف؛ فالمخالفُ لطريقةِ السلف واقعٌ في البدعة؛ لأنَّ هذه الوسيلة - وهي المناصحة من وراء ولي الأمر - لم يفعلْها السلفُ مع وجودِ المقتضي وانتفاءِ المانع؛ وما كان كذلك فهو بدعة (^١).
_________________
(١) والضابط في التفريق بين الوسائل المشروعة والمحدثة أمران: الأول: أن ينظر في هذا الأمر المُراد إحداثه لكونه مصلحة هل الْمُقتضي لفعله كان موجودًا في عهد الرسول -ﷺ- والصحابة والمانعُ منتفيًا؟ ــــــ فإن كان كذلك ففعل هذه المصلحة - المزعومة - بدعة؛ إذ لو كانت خيرًا لسبقَ القومُ إليها؛ فإنَّهم بالله أعلَمُ وله أخشى وكلُّ خير فِي اتباعهم فعلًا وتركًا. ــــــ أما لو كان المُقتضي - أي: السبب المحوِجُ - غيرَ موجود في عهدهم أو كان موجودًا لكن هناك مانع يَمنع من اتِّخاذ هذه المصلحة فإنه لا يكون بدعة، بل يكون مصلحةً مرسلة؛ وذلك مثلُ جَمعِ القرآن فِي عهد رسول الله -ﷺ- فإن المُقتضي لفعلهِ غيرُ موجود؛ إذ هو بين أظهُرهم لا يُخشى ذهابه ونسيانه، أما بعد موته فخُشِيَ ذلك؛ لأجلِ هذا جَمعَ الصحابة الكرامُ القرآن. ومن الأمثلة أيضًا: الأذان فِي مكبرات الصوت، وتسجيل المحاضرات فِي الأشرطة السمعية، وصلاة القيام فِي رمضان جَماعة؛ فكلُّ هذه الأمور كان يوجد مانع فِي عهد رسول الله -ﷺ- من فِعلها، أما الأمران الأوَّلان: فعدمُ إمكانهِ؛ لعدم وجودِها في زمانه، أما الأمر الثالث: فإنه ترك الفعل خشيةَ فرضهِ؛ وبعد موته لَمْ يكن ليُفرَضَ شيءٌ لم يكن مفروضًا من قبل. الثانِي: إن كان الْمُقتضي غير موجود فِي عهد النَّبِي -ﷺ- فيُنظر فيه هل الداعي له عندنا بعض ذنوب العباد؟ فمثل هذا لا تُحدثُ له ما قد يسمِّيه صاحبه مصلحةً مرسلةً بل يؤمَرون بالرجوع إلى دين الله والتمسُّك به؛ إذ هذا المطلوب منهم فِعلُه، والمطلوب من غيرهم دعوتُهم إليه، ويُمثَّل لِهذا بتقديْم الخطبة على الصلاة في العيدين لأجلِ حبسِ الناسِ لسماعِ الذِّكرِ؛ فمثلُ هذا من البدَع المحدثة لا من المصالِح المرسلة. ودونكَ كلام الإمام الْمُحقق ابن تيمية فِي بيان هذا الضابط، قال في اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٧٨): والضابط فِي هذا - والله أعلم - أن يُقال: إنَّ الناس لا يُحدِثونَ شيئًا إلَّا لأنَّهم يرونه مصلحةً؛ إذ لو اعتقدوه مفسدةً لَمْ يُحدثوه، فإنه لا يدعو إليه عقلٌ ولا دينٌ فما رآهُ الناسُ مصلحةً نُظِرَ فِي السبب المُحوِج إليه؛ فإن كان السببُ الْمُحوجُ أمرًا حدثَ بعد النَّبِي -ﷺ- من غير تفريط منَّا فهنا قد يَجوز إحداثُ ما تدعو الْحَاجة إليه، وكذلك إن كان المُقتضي لفعلهِ قائمًا على عهد رسول الله -ﷺ- لكن تركه النَّبِي -ﷺ- لِمعارضٍ زالَ بِموته. وأمَّا ما لَمْ يَحدث سببٌ يُحوج إليه، أو كان السبب الْمُحوج إليه بعضُ ذنوب العباد فهنا لا يَجوز الإحداث؛ فكلُّ أمرٍ يكون الْمُقتضي لفعله على عهد رسول الله -ﷺ- موجودًا لو كان مصلحةً ولَمْ يُفعل = يُعلم أنه ليس بِمصلحةٍ، وأمَّا ما حدثَ المُقتضي له بعد موتهِ من غير معصية الخلق فقد يكون مصلحة. ثم قال: «فأما ما كان المُقتضي لفعله موجودًا لو كان مصلحةً وهو مع هذا لَمْ يشرعه = فوضعهُ تغييرٌ لدين الله، وإنَّما دخل فيه من نُسِبَ إلَى تغيير الدِّين من الْمُلوك والعلماء والعبَّاد، أو من زلَّ منهم باجتهادٍ كما روي عن النَّبِي -ﷺ- وغير واحدٍ من الصحابة: «إنَّ أخوفَ ما أخاف عليكم: زلَّة عالِم وجدالُ منافقٍ بالقرآن وأئمةٌ مضلُّون». فمثال هذا القسم: الأذان فِي العيدين فإن هذا لمَّا أحدثه بعضُ الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعةٌ؛ فلو لَمْ يكن كونه بدعةً دليلًا على كراهيته وإلَّا لقيل: هذا ذِكرٌ لله ودعاءٌ للخلق إلَى عبادة الله، فيدخل فِي العمومات كقوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾] الأحزاب: ٤١ [وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا _[فصلت: ٣٣]. ثُمَّ قال: ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدع بتفريطٍ من الناس: تقديمُ الخطبة على الصلاة فِي العيدين؛ فإنه لمَّا فعله بعضُ الأمراء أنكره المُسلمون؛ لأنه بدعةٌ واعتذر مَنْ أحدَثهُ بأنَّ الناس قد صاروا ينفَضُّون قبل سَماع الخطبة، وكانوا على عهد رسول الله -ﷺ- لا ينفضُّون حَتَّى يسمعوا أو أكثرهم فيُقال له: سببُ هذا تفريطُكَ؛ فإنَّ النَّبِي -ﷺ- كان يَخطبهم خطبةً يقصدُ بِها نفعَهُم وتبليغَهُم وهدايتهم، وأنت قصدُكَ إقامة رياستك، وإن قصدتَ صلاحَ دينهِم فلا تعلِّمهم ما ينفعهم؛ فهذه المعصية منك لا تُبيحُ لكَ إحداثَ معصيةٍ أخرى بل الطريقُ في ذلك أن تتوب إلَى الله وتتَّبعَ سنة نبيِّهِ، وقد استقامَ الأمر؛ وإنْ لَمْ يستقم فلا يسألكَ الله إلَّا عن عَملك لا عن عملهم؛ وهذان المعنيان من فَهِمَهُما انْحلَّ عنه كثيرٌ من شُبهِ البدَع الحادثة» اهـ.
[ ٥٢ ]
والذي يدل على أن السلف لم يفعلوا ذلك كلامُ ابن عباس وأسامة بن زيد المتقدم، وأيضًا قد حكاه عن السلف جمع من أهل العلم كالشيخ حمد بن عتيق، والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد الله العنقري، والشيخ عمر بن سليم، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين -﵏-.
وقال العلَّامتان محمد بن إبراهيم وسعد بن عتيق - رحمهما الله -: «وأما ما قد يقع من ولاة الأمور من المعاصي والمخالفات التي لا توجب الكفر، والخروج من الإسلام، فالواجبُ فيها مناصحتُهم على الوجهِ الشرعي برفق، واتِّباعُ ما كان عليه السلفُ الصالح من عدم التشنيع عليهم في المجالس ومجامع الناس، واعتقاد أنَّ ذلك من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد، وهذا غلطٌ فاحش، وجهلٌ ظاهر، لا يعلم صاحبهُ ما يترتَّبُ عليه من المفاسد العظام في الدين والدنيا، كما يعرف ذلك من نوَّرَ الله قلبه، وعرفَ طريقة السلف الصالح، وأئمة الدين» (^١).
وقال الإمام ابن باز -﵀-: «فالنصحُ يكون بالأسلوب الحسن، والكتابة المفيدة، والمشافهة المفيدة وليس من النصح التشهيرُ بعيوب الناس ولا بانتقاد الدولة على المنابر ونحوها، لكن النصح أن تسعى بكلِّ ما يُزيلُ الشرَّ ويثبت الخير بالطرق الحكيمة، وبالوسائل التي يرضاها الله -﷿-» (^٢).
وقال أيضًا: «ليس من منهج السلف التشهيرُ بعيوب الولاة وذِكرُ ذلك على المنابر؛ لأنَّ ذلك يُفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويُفضي إلى الخوض الذي يضرُّ ولا ينفع، ولكن الطريقة المتَّبعة عند السلف: النصيحة
_________________
(١) الدرر السنية (٩/ ١١٩).
(٢) مجموع فتاواه (٧/ ٣٠٦).
[ ٥٤ ]
فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتَّصلون به حتى يوجَّه إلى الخير» (^١).
تأمَّل أن الشيخ ابن باز ذكرَ أن التشهيرَ بعيوب السلطان باسم النصيحة ليست من طريقةِ السلف؛ إذن هي طريقة محدثة.
وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -﵀- في رسالة (حقوق الراعي والرعية): «فالله الله في فهم منهج السلف الصالح في التعامل مع السلطان، وأن لا يُتَّخذَ من أخطاء السلطان سبيلٌ لإثارة الناس، وإلى تنفير القلوب عن ولاة الأمور، فهذا عينُ المفسدة، وأحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس، كما أن ملء القلوب على ولاة الأمر يُحدث الشرَّ والفتنة والفوضى، وكذا ملء القلوب على العلماء يُحدث التقليل من شأن العلماء، وبالتالي التقليل من الشريعة التي يَحملونها، فإذا حاول أحدٌ أن يقلِّل من هيبة العلماء وهيبة ولاة الأمر ضاعَ الشرعُ والأمن؛ لأن الناس إنْ تكلَّم العلماء لم يثقوا بكلامهم، وإنْ تكلَّم الأمراء تمرَّدوا على كلامهم فحصل الشرُّ والفساد.
فالواجب أن ننظر ماذا سلكَ السلف تجاه ذوي السلطان، وأن يضبطَ الإنسانُ نفسه وأن يعرف العواقب، وليُعلَم أنَّ مَنْ يَثورُ إنما يخدم أعداء الإسلام، فليست العبرة بالثورة ولا بالانفعال، بل العبرة بالحكمة …».
_________________
(١) مجموع فتاواه (٨/ ٢١٠).
[ ٥٥ ]