طويلة من بعثةِ رسول الله إلى القرن السابق أنهم يحكمونَ بكتاب الله، فلم يُترك الحكم بكتاب الله من أكثر الحكَّام إلَّا هذين القرنين.
الحال الثانية:
أنه يكفِّر بالحكم بغير من أنزل الله. فهذا استدلالُه بالحديث اعتضادًا لا اعتمادًا؛ لأنه تقرَّر عنده أنَّ عدم تحكيم الشرع - بلا اعتقاد - كفرٌ أكبر بأدلة توهَّمها، فيُردُّ عليه ببيان عدم صحة هذا المذهب، وأنه مخالف لما أجمع عليه أهل السنة، كما حكاه غير واحد من أهل العلم كالشيخ عبد العزيز ابن باز والألباني رحمهما الله.
قال العلامة ابن باز -﵀-: «أمَّا مَنْ حكم بغير ما أنزل الله لهوًى أو لحظٍّ عاجل وهو يعلَمُ أنه عاصٍ لله ولرسوله وأنه فعلَ منكرًا عظيمًا وأن الواجب عليه الحكم بشرع الله = فإنه لا يكفر بذلك الكفرَ الأكبر لكنه قد أتى منكَرًا عظيمًا ومعصيةً كبيرةً وكفرًا أصغر كما قال ذلك ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أهل العلم، وقد ارتكبَ بذلك كفرًا دون كفر وظلمًا دون ظلم وفسقًا دون فسق؛ وليس هو الكفر الأكبر؛ وهذا قول أهل السنة والجماعة» (^١).
وسئل شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز: «هل الشيخ محمد بن إبراهيم -﵀- يرى تكفير الحكام على الإطلاق؟».
الجواب: «يرى تكفير من استحلَّ الحكم بغير ما أنزل الله؛ فإنه يكون بذلك كافرًا».
هذه أقوال أهل العلم جميعًا: «من استحلَّ الحكمَ بغير ما أنزل الله كفَر، أمَّا
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن باز (٥/ ٣٥٥).
[ ٨٤ ]
مَنْ فعلَهُ لشُبهةٍ أو لأسبابٍ أخرى لا يستحلُّه، يكونُ كفرًا دون كفر» (^١).
وقرر هذا الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز -﵀- في شريط الدمعة البازية فيمن يضع القوانين الوضعية بدل الحكم الشرعي.
ولسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز مقال قال فيه: «اطلعت على الجواب المفيد القيِّم الذي تفضَّل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني
- وفَّقه الله - المنشور في جريدة (الشرق الأوسط) وصحيفة (المسلمون) الذي أجاب به فضيلته من سأله عن تكفير مَنْ حكمَ بغير ما أنزل الله من غير تفصيل، فألفَيتُها كلمةً قيِّمة قد أصاب فيها الحق، وسلك فيها سبيلَ المؤمنين، وأوضحَ
- وفَّقه الله - أنه لا يجوزُ لأحدٍ من الناس أن يكفِّر مَنْ حكم بغير ما أنزل الله بمجرَّد الفعل من دون أن يعلم أنه استحلَّ ذلك بقلبه، واحتجَّ بما جاء في ذلك عن ابن عباس -﵄- وغيره من سلف الأمة، ولا شكَّ أنَّ ما ذكره في جوابه في تفسير قوله تعالى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] = هو الصواب.
وقد أوضحَ - وفَّقه الله - أنَّ الكفر كفران؛ أكبر وأصغر، كما أنَّ الظُّلمَ ظلمان، وهكذا الفسق فسقان أكبر وأصغر، فمن استَحلَّ الحكمَ بغير ما أنزل الله أو الزنى أو الربا أو غيرهما من المحرَّمات المجمَعِ على تحريمها فقد كفرَ كفرًا أكبر، ومن فعلها بدون استحلال كان كفره كفرًا أصغرَ وظُلمه ظلمًا أصغر،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٧١).
[ ٨٥ ]