وعن سيف المازني قال: «كان ابن عمر يقول: لا أقاتلُ في الفتنة، وأصليِّ وراءَ مَنْ غلَب» (^١).
وصلَّى ابن عمر خلف الحجاج، وكان متغلبًا نائبًا لعبد الملك بن مروان، بل إنه حجَّ معه، وقد خطبَ الحجاج بعرفة وصلى بالناس، فعن سالم بن عبد الله:
«إنَّ عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج أن يأتم بعبد الله بن عمر في الحج، فلما كان يوم عرفة جاء ابن عمر -﵄-، وأنا معه حين زاغَتِ الشمسُ أو زالت، فصاحَ عند فسطاطه أين هذا؟ فخرج إليه فقال ابن عمر: الرواح، فقال: الآن؟ قال: نعم، قال: أنظِرني أفيض عليَّ ماء، فنزل ابن عمر -﵄- حتى خرج، فسار بيني وبين أبي، فقلت: إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم، فاقصر الخطبة، وعجِّل الوقوف، فقال ابن عمر: صدق» (^٢).
تنبيه:
يلبّس كثير من أهل الباطل، فيزعم أنَّ الانتخابات التي تحصل في الدول المسمَّاة بالديمقراطية هي صورة من صور الولاية بالاختيار.
وهذا غير صحيح؛ لأن الاختيار الشرعي راجع إلى أهل الحل والعقد لا عامة المسلمين، وفي الدول الديمقراطية يرجع إلى عامة الشعب سُنِّيهم وبدعيِّهم
_________________
(١) أخرجه ابن سعد (٤/ ١١١)، الإسناد إلى سيف المازني صحيح كما قاله الألباني في الإرواء (٢/ ٣٠٤)، وأما سيف: فهو مجهولٌ جهالة حال لكن يُصحَّحُ الأثر لأنَّ معناه صحيح بالشاهد السابق واللاحق، وقد احتجَّ به الإمام أحمد كما في الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص: ٢٣) مما يدل على ثبوته عنده.
(٢) أخرجه البخاري (١٦٦٣).
[ ٦٦ ]
ومسلمِهم وكافرِهم، فهو رجوعٌ إلى الكثرة لا إلى الأعلم والأفهَم والأوجَه الذين هم أهلُ الحلِّ والعقد.
واستدلَّ هؤلاء بأن عمر لما جعل الأمر في الستة انحصر الأمر في اثنين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، فأخذ عبد الرحمن بن عوف يسأل الناس في المدينة، ثم قال: «ما رأيتهم يعدلونَ بعثمان أحدًا» فبايع عثمان.
قال المسور بن مخرمة وهو يحكي قصة بيعة عثمان بن عفان -﵁-: فلما اجتمعوا تشهَّد عبد الرحمن، ثم قال: أما بعد؛ يا عليُّ إني قد نظرت في أمر الناس، فلم أرَهُم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا، فقال: أبايعك على سنة الله ورسوله، والخليفتين من بعده، فبايعه عبدالرحمن، وبايعه الناس المهاجرون والأنصار، وأمراء الأجناد والمسلمون (^١).
وجه الشاهد عندهم أنه قدَّم عثمان على علي بأن رأى الناس لا يقدِّمون على عثمان أحدًا؛ فأرجع الأمر إلى الناس.
وهذا الأثر حجَّة عليهم لا لهم من أوجه:
الوجه الأول: أن عمرَ جعلَ الأمر في ستة، وهذا يخالف مبدأ الديمقراطية؛ لأنه يكون في الناس كلِّهم لا ستة.
الوجه الثاني: أن عبد الرحمن بن عوف -﵁- وأرضاه لم يسأل الشعب كلَّهم، بل سألَ أهل المدينة ومَن جاء فيها من الأجناد والجيش، وعلى مبدأ الديمقراطية يرجع إلى جميع الشعب - كما تقدم -.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٢٠٧).
[ ٦٧ ]