مراسيل الشاميين إلَّا اثنين، وأحدهما فيه ضعف، أما الآخر من أوساط التابعين لا من كبارهم.
وهذه المراسيل لا يقوِّي بعضُها بعضًا؛ لأن أكثرها من مرسل الشاميين؛ فمخرجُها واحد، فيحتمل أخذ كلِّهم عن رجل واحدٍ ضعيف، ثم هذا المرسل مخالفٌ لما هو أقوى منه، وهي الأحاديث المتقدِّمة مع الإجماع، والإجماعُ قطعيُّ الدلالة؛ لذلك من ضوابط المرسل حتى يقوِّي بعضُه بعضًا أن لا يخالفَ ما هو أقوى. وهذا يقال في الأحاديث المتصلة فكيف في المرسل فهو من باب أولى، ولما شرح ابنُ رجب كلامَ الشافعي في تقوية المرسل ذكرَ هذا، ومن ذلك أنه قال: «وظاهرُ كلام أحمد أنَّ المرسل عنده من نوع الضعيف، لكنه يأخذ بالحديث إذا كان فيه ضعف، ما لم يجاء عن النبي -ﷺ- أو عن أصحابه خلافُه».
قال الأثرم: «كان أبو عبد الله ربما كان الحديث عن النبي -ﷺ-، وفي إسناده شيء، فيأخذ به إذا لم يجاء خلافُه أثبتَ منه، مثل حديث عمرو بن شعيب، وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالحديث المرسل إذا لم يجاء خلافه» (^١).
الاعتراض الثاني: ذكر أن عائشة قالت: «لو كان زيدٌ حيًّا لاستخلفهُ رسول الله -ﷺ-».
والأثر أخرجه ابن أبي شيبة في موضعين (^٢)، وكلاهما من طريق البهي عن عائشة، وقد تنازعَ العلماء في ثقة البهي وسماعه من عائشة، وأنكرَ سماعه من عائشة عبدُ الرحمن بن مهدي وأحمدُ بن حنبل، وأثبته البخاري (^٣).
_________________
(١) شرح علل الترمذي (١/ ٥٥٣).
(٢) (٦/ ٣٩٢)، (٧/ ٤١٥).
(٣) انظر: تهذيب التهذيب (٦/ ٩٠)، والتاريخ الكبير (٥/ ٥٦).
[ ١١٩ ]
أما ثقته فقد ذكر أبو حاتم أنه لا يُحتجُّ به وأنه مضطرب، ووثَّقه ابن سعد.
وما كان كذلك من الآثار فإنه لا يقوى على مخالفة الأحاديث الأصحِّ وحدَها؛ كيف وقد انضمَّ لها الإجماعات؟!. فبهذا يتبين ضعفُه وشذوذُه.
الاعتراض الثالث: استشكال ابن كثير:
استشكل ابن كثير فعلهم وعدَّه زلَّة؛ مما يدل على أنه مقرٌّ بشرط القرشية فقال: «والعجبُ كل العجب من هؤلاء الذين بايعوه بالإمارة، وليس من قريش وإنَّما هو كندي من اليمن، وقد اجتمعَ الصحابة يوم السقيفة على أن الإمارة لا تكون إلَّا في قريش، واحتجَّ عليهم الصديق بالحديث في ذلك، حتى إن الأنصار سألوا أن يكون منهم أمير مع أمير المهاجرين، فأبى الصديق عليهم ذلك، ثم مع هذا كلِّه ضربَ سعد بن عبادة - الذي دعا إلى ذلك أولًا، ثم رجع عنه - كما قررنا ذلك فيما تقدم، فكيف يعمدون إلى خليفة قد بويع له بالإمارة على المسلمين من سنين، فيعزلونه وهو من صليبة قريش، ويبايعون لرجلٍ كندي بيعةً لم يتفق عليها أهلُ الحلِّ والعقد؟ ولهذا لما كانت هذه زلَّة وفلتةً نشأ بسببها شرٌّ كثير هلكَ فيه خلقٌ كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون» (^١).
وقد يقال: إنَّ مبايعتهم له على إمارة القتال لا على الإمارة مطلقًا، ليتفق فعلهم مع الإجماع، ولا يخطَّأُ هؤلاء الفقهاء في هذه المسألة.
الاعتراض الرابع:
القول بأنه لم يكن معروفًا اشتراطُ الإمامة في قريش؛ بدلالة أنهم في سقيفة
_________________
(١) البداية والنهاية (١٢/ ٣٥٥).
[ ١٢٠ ]
بني ساعدة، وعند اختلافهم في تولي الأنصار أو المهاجرين، لم يذكروا هذه الأحاديث، فدلَّ على أنها غير معروفة عندهم.
والجواب على هذا من وجهين:
الوجه الأول: إن أبا بكر استدلَّ بأنهم الأمراء، وهذا استدلالٌ بالأحاديث الدالة على ذلك، وليس شرطًا أن يذكر أبو بكر نصَّ نسبته لرسول الله -ﷺ-، فبمجرَّد ذكرِ ذلك على وجه الاستدلال وفي محلِّ النزاع دليلٌ على أنه يستدلُّ بحديث عن رسول الله -ﷺ-.
وهذا ما فهمهُ القاضي عياض لما قال: «هذه الأحاديث - وما في معناها فى هذا الباب - حجة أن الخلافة لقريش، وهو مذهب كافة المسلمين وجماعتهم. وبهذا احتجَّ أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة، فلم يدفعه أحد عنه» (^١).
وقال ابن الجوزي: «ربما ظنَّ ظانٌّ بالأنصار أنهم شكُّوا في تفضيل أبي بكر؛ وليس كذلك، إنما جرَوا في هذا على عادة العرب: وهي أن لا يسود القبيلة إلَّا رجلٌ منها، ولم يعلموا أنَّ حكم الإسلام على خلاف ذلك، فلما ثبت عندهم أن النبي -ﷺ- قال: «الخلافة في قريش» (^٢) أذعَنوا له وبايعوه» (^٣).
الوجه الثاني: أنه لو كان ما ذكرهُ من اعتراض محتملًا، فإنَّ الأحاديث الصريحة والإجماعات لا تردُّ بهذه الأفهام المحتملة، فإنَّ المنطوق الصريح يقدَّم على المنطوق المحتمل، فكيف إذا كان مفهومًا محتملًا فهو أولى أن يقدَّم عليه المنطوق الصريح.
_________________
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢١٤).
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٨٥).
(٣) كشف المشكل من حديث الصحيحين (١/ ٧١).
[ ١٢١ ]
الاعتراض الخامس:
أن النصوص المذكورة في أنَّ الولاية لقريش أشبَهُ بالأخبار منها بالأحكام، وأنَّ هذا ما فهمه الأنصار.
هذا الاعتراض من العجائب لأوجه:
الوجه الأول: أن ألفاظ الحديث لا تحتمل إلَّا الأحكام والطلب كقوله -ﷺ-:
«إنَّ هذا الأمر في قريش، لا يُعاديهم أحدٌ إلَّا كبَّه الله على وجههِ ما أقاموا الدين» (^١).
الوجه الثاني: أنَّ الجزم بأن هذا فهمُ الأنصار ليس أولَى من الجزم بأنه قد خفيَ عليهم أو لهم تأويلٌ لا نعلمه - هذا تنزُّلًا - وإلَّا فالتأويل الذي ذُكِرَ باطلٌ بالمرة لما تقدَّم في الوجه الأول.
الوجه الثالث: أنهم جهلوه أو تأوَّلوه بتأويلٍ خطأ، ثم رجعوا بدلالة إجماع أهل السنة بعد.
تنبيه:
بعد هذا قد يظن أن أحاديثَ السَّمع والطاعة للحاكم، ولو كان عبدًا حبشيًّا تعارضُ ما تقدَّم ذكرهُ من أنه لا تصحَّ الإمامة إلا لقريش، وقد أجابَ على هذا ابن رجب فقال: «وولاية العبيد عليهم، وفي صحيح البخاري (^٢) عن أنس عن النَّبيِّ -ﷺ-، قال: «اسمَعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبدٌ حبشيٌّ، كأنّ رأسه زبيبةٌ».
_________________
(١) سبق تخريجه (ص: ١١٠).
(٢) تقدم تخريجه (ص: ٩٥).
[ ١٢٢ ]
وفي صحيح مسلم (^١) عن أبي ذرٍّ -﵁- قال: «إنَّ خليلي -ﷺ- أوصاني أنْ أسمعَ وأُطيع، ولو كان عبدًا حبشيًّا مجدَّعَ الأطراف». والأحاديث في المعنى كثيرة جدًّا.
ولا يُنافي هذا قوله -ﷺ-: «لا يزالُ هذا الأمرُ في قريش ما بقيَ في النَّاس اثنان» (^٢)، وقوله: «النّاسُ تبعٌ لقريش» (^٣).
وقوله: «الأئمة من قريش» (^٤)؛ لأنَّ ولاية العبيد قد تكون من جهة إمامٍ قرشي، ويشهدُ لذلك ما خَرَّجَه الحاكم (^٥) من حديث عليٍّ -﵁- عن النَّبيِّ -ﷺ- قال: «الأئمة من قريش أبرارُها أمراءُ أبرارِها، وفجَّارُها أمراء فجَّارِها، ولكلٍّ حقّ، فآتوا كلَّ ذي حقّ حقّه، وإنْ أمَّرت عليكم قريشٌ عبدًا حبشيًّا مجدعًا، فاسمعَوا له وأطيعوا» وإسناده جيد، ولكنَّه روي عن عليٍّ موقوفًا، وقال الدارقطني: هو أشبه.
وقد قيل: «إنّ العبد الحبشيَّ إنَّما ذكر على وجهِ ضربِ المثل وإنْ لم يصحَّ وقوعُه، كما قال: «مَنْ بنى مسجدًا ولو كمفحَصِ قَطاة» (^٦)» (^٧).
_________________
(١) رقم (٦٤٨).
(٢) سبق تخريجه (ص: ١١٠).
(٣) سبق تخريجه (ص: ١١٠).
(٤) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٩) من حديث أنس بن مالك -﵁-.
(٥) (٤/ ٨٥).
(٦) أخرجه ابن ماجه (٧٣٨) من حديث جابر بن عبدالله -﵁-.
(٧) جامع العلوم والحكم (٢/ ١١٩).
[ ١٢٣ ]
وقد يقال إن هذا في حال التغلُّب؛ فإذا تغلَّب الحاكم المسلم ثبتَ الحكم له بما أنه مسلم، ولا يُنظَر لبقية الشروط - كما تقدم - (^١).
وقال الكرماني: «فإن قلت: كيف يكون العبدُ واليًا وشرطُ الولاية الحرية؟ قلت: بأن يولِّيه بعضُ الأئمة أو يغلب على البلاد بشوكته» (^٢).