وقال: «وأصحاب الرسول -ﷺ- علي بن أبي طالب وغيره لم يكفِّروا الخوارج الذين قاتلوهم، بل أول ما خرجوا عليه وتحيزوا بحروراء، وخرجوا عن الطاعة والجماعة، قال لهم علي بن أبي طالب -﵁-: «إنَّ لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ولا حقَّكم من الفيء» (^١)، ثم أرسل إليهم ابنَ عباس فناظَرَهُم فرجعَ نحو نصفهم، ثم قاتل الباقي وغلبهم، ومع هذا لم يسْبِ لهم ذرية، ولا غنمَ لهم مالًا، ولا سارَ فيهم سيرةَ الصحابة في المرتدين؛ كمسيلمة الكذاب وأمثاله، بل كانت سيرة علي والصحابة في الخوارج مخالفة لسيرة الصحابة في أهل الردة، ولم ينكرْ أحدٌ على على ذلك، فعُلم اتفاقُ الصحابة على أنهم لم يكونوا مرتدين عن دين الإسلام …» (^٢).
فائدة:
تنازعَ العلماء على قولين في قتلِ الواحد من الخوارج؛ فذهب ابنُ تيمية أنه بمجرَّد اعتقادِه يُقتل ولو لم يباشر الخروج؛ وهو أحد قولي العلماء وبه قال أحمد في رواية، وهو الصواب؛ لأن عمر أراد قتل صبيغ بن عسل لو كان محلوقًا أي خارجيًّا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج؛ كالحرورية والرافضة ونحوهم: فهذا فيه قولان للفقهاء هما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أنه يجوزُ قتلُ الواحد منهم؛ كالداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد. فإن النبي -ﷺ- قال: «أينَما لَقيتمُوهم فاقتلُوهم» (^٣)، وقال: «لئنْ أدركتهُم
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٦٢).
(٢) منهاج السنة النبوية (٥/ ٢٤١).
(٣) سبق تخريجه (ص: ١٩٠).
[ ١٩٤ ]
لأقتلنَّهم قتلَ عاد» (^١)، وقال عمر لصبيغ بن عسل: «لو وجدتكَ محلوقًا لضربتُ الذي فيه عيناك» (^٢).
ولأن علي بن أبي طالب طلبَ أن يقتل عبد الله بن سبأ أول الرافضة حتى هرب منه. ولأن هؤلاء من أعظم المفسدين في الأرض، فإذا لم يندفع فسادُهم إلَّا بالقتلِ قُتلوا، ولا يجبُ قتلُ كلِّ واحدٍ منهم إذا لم يظهر هذا القول أو كان في قتله مفسدةٌ راجحة.
ولهذا تركَ النبي -ﷺ- قتلَ ذلك الخارجي ابتداءً لئلَّا يتحدَّث الناس أن محمَّدًا يقتل أصحابه (^٣)، ولم يكن إذْ ذاك فيه فسادٌ عام؛ ولهذا ترك علي قتلَهم أولَ ما ظهروا؛ لأنهم كانوا خلقًا كثيرًا وكانوا داخلينَ في الطاعة والجماعة ظاهرًا لم يحاربوا أهل الجماعة، ولم يكن يتبين له أنهم هم» (^٤).