وهكذا فِسقُه» (^١).
وقال العلامة ابن عثيمين: «أما فيما يتعلق بالحكم بغير ما أنزل الله: فهو كما في الكتاب العزيز ينقسم إلى ثلاثة أقسام: كفر، وظلم، وفسق؛ على حسب الأسباب التي بُنيَ عليها هذا الحكم، فإذا كان الرجل يحكم بغير ما أنزل الله تبعًا لهواه مع علمهِ بأنَّ الحق فيما قضى الله به: فهذا لا يكفر لكنه بين فاسقٍ وظالم، وأما إذا كان يَشْرَع حكمًا عامًّا تمشي عليه الأمة، يرى أنَّ ذلك من المصلحة، وقد لُبِّس عليه فيه: فلا يكفر أيضًا؛ لأن كثيرًا من الحكام عندهم جهلٌ في علم الشريعة، ويتَّصل بهم مَنْ لا يعرفُ الحكم الشرعي، وهم يرونه عالمًا كبيرًا فيحصلُ بذلك المخالفة، وإذا كان يعلم الشرعَ ولكنه حكَم بهذا، أو شَرَع هذا، وجعله دستورًا يمشي الناس عليه؛ يَعتقدُ أنه ظالم في ذلك، وأنَّ الحقَّ فيما جاء به الكتاب والسنة: فإننا لا نستطيع أن نكفِّر هذا، وإنما نكفِّر: من يرى أنَّ حكمَ غير الله أولى أن يكون الناسُ عليه، أو مثلُ حكم الله -﷿- = فإن هذا كافر» (^٢).
وأخيرًا على فرض القول بصحة تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله فإنه لا يصحُّ تكفير أعيانِ الحكَّام لأمرين:
الأمر الأول:
إنَّ التكفير بالحكم بغير ما أنزل الله تكفيرٌ بمسألة خلافية، ومن المتقرِّر شرعًا أنه لا يصحُّ تكفيرُ الأعيان بما اختلف وتنازع فيه أهلُ العلم؛ لأنه يُعتبر تأويلًا يمنعُ تكفيرَ المعين.
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن باز (٩/ ١٢٤).
(٢) انظر: الحكم بغير ما أنزل الله، للشيخ بندر المحياني العتيبي (ص: ١١٢).
[ ٨٦ ]
قال الإمام محمد بن عبدالوهاب: «أركانُ الإسلام خمسة، أوَّلها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة، فالأربعة إذا أقرَّ بها وتركَها تهاونًا، فنحن وإنْ قاتلناه على فعلها، فلا نكفِّره بتركها، والعلماء اختلفوا في كفرِ التاركِ لها كسلًا من غير جحود، ولا نكفِّر إلَّا ما أجمعَ عليه العلماء كلُّهم، وهو الشهادتان» (^١).
وقال النووي في كتابه (رياض الصالحين) في تفسير (بواحًا): «أي ظاهرًا لا يحتملُ تأويلًا».
وتنازُعُ أهل العلم تأويلٌ يمنع التكفير؛ لأنَّ للمكفِّر أن يأخذَ قولَ العلماء الآخرين بما أنَّ الخلاف سائغٌ بين أهل السُّنة؛ وهم من أهل السنة.
وقد نصَّ على أن الكفر لا يكون في المتنازَع فيه الشيخ محمد بن صالح العثيمين في مواضع من اللقاء المفتوح.
وقال الشيخ ابن عثيمين -﵀- في (شرح القواعد المثلى): «وكثيرٌ من الناس اليوم ممَّن ينتسبون إلى الدِّين وإلى الغيرة في دين الله -﷿- تجدهم يكفّرون من لم يكفّره الله -﷿- ورسوله، بل - مع الأسف - إنَّ بعض الناس صاروا يناقشون في ولاة أمورهم، ويحاولون أن يُطلقوا عليهم الكفر، لمجرَّد أنهم فعلوا شيئًا يعتقد هؤلاء أنه حرام، وقد يكون من المسائل الخلافية، وقد يكون هذا الحاكم معذورًا بجهله، لأنَّ الحاكم يجالسه صاحبُ الخير وصاحبُ الشَّر، ولكلِّ حاكمٍ بطانتان، إمَّا بطانة خير، وإمَّا بطانة شرّ، فبعض الحكَّام - مثلًا - يأتيه بعض أهل الخير ويقولون: هذا حرام، ولا يجوز أن تفعله، ويأتيه آخرون، ويقولون: هذا حلال ولك أن تفعله!
_________________
(١) الدرر السنية (١/ ١٠٢).
[ ٨٧ ]
ولنضرب مثلًا في البنوك، الآن نحن لا نشكُّ بأن البنوك واقعة في الربا الذي «لعنَ النبيُّ -ﷺ- آكلَهُ، ومُوكِلَه، وشاهدَيه، وكاتبه» (^١)، وأنه يجب إغلاقها واستبدالُ هذه المعاملات بالمعاملات الحلال، حتى يقوم أولًا دينُنا ثم اقتصادنا ثانيًا … فالتعجيلُ في تكفير الحكام المسلمين في مثل هذه الأمور خطأ عظيم، ولا بد أن نصبر، فقد يمكن أن يكون الحاكم معذورًا! فإذا قامت عليه الحجَّة وقال: نعم هذا هو الشرع، وأنَّ هذا الربا حرام، لكن أرى أنه لا يصلح هذه الأمة في الوقت الحاضر إلَّا هذا الربا! حينئذ يكون كافرًا لأنه اعتقد أنَّ دين الله في هذا الوقت غير صالح للعصر، أما أن يشبَّه عليه ويقال: هذا حلال، يعني: الفقهاء قالوا كذا! ولأن الله قال كذا! فهذا قد يكون معذورًا، لأنَّ كثيرًا من الحكَّام المسلمين الآن يجهلون الأحكام الشرعية، أو كثيرًا من الأحكام الشرعية، فأنا ضربتُ هذا المثل حتى يتبين أن الأمر خطير، وأن التكفير يجب أن يعرف الإنسان شروطه قبل كل شيء» (^٢).
ومثله التفسيق لا يكون فيما تنازعَ فيه علماء السنة، فمن رأى أن علَّة جريان الربا في الأصناف الأربعة الطعم والكيل أو الوزن، فليس له أن يفسِّق العامي المقلِّد لعالم معتبر في التعليل بالادِّخار زيادةً على الطعم والكيل أو الوزن إذا تبادل على وجهِ الزيادة فيما هو مطعومٌ غير مدَّخر.
ومما يؤكد هذا أن الحدود تُدرأ بالشبهات، فالتكفير من باب أولى يُدرأ عن المعين بشُبهة الخلاف.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٥٩٨) من حديث جابر بن عبد الله -﵁-.
(٢) (ص: ٣٥٦).
[ ٨٨ ]
الأمر الثاني:
قد يحكم الحاكم بغير ما أنزل الله مضطرًّا (^١)؛ لأنه لو حكم بما أنزل الله لقامَ عليه قومهُ بالتآمر مع دول الغرب الكافرة لا سيما إذا كانت هذه الدولة من الدول المستعمرة سابقًا.
قال الإمام ابن تيمية: «كذلك النجاشي هو وإن كان ملكَ النصارى فلم يُطِعهُ قومهُ في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه نفرٌ منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك من يصلي عليه، فصلَّى عليه النبي -ﷺ- بالمدينة، خرج بالمسلمين إلى المصلَّى فصفَّهم صفوفًا وصلَّى عليه، وأخبرهم بموته يوم مات، وقال: «إنَّ أخًا لكم صالحًا من أهل الحبشة مات» (^٢).
وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخلَ فيها لعجزهِ عن ذلك، فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حجَّ البيت، بل قد روي أنه لم يكن يصلي الصلوات الخمس، ولا يصوم شهر رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية؛ لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم. ونحن نعلم قطعًا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن.
والله قد فرضَ على نبيِّه بالمدينة أنه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم بينهم إلَّا بما أنزل الله إليه، وحذَّره أن يفتنوه عن بعض ما أنزلَ الله إليه، وهذا مثلُ الحكم في الزنى للمحصَن بحدِّ الرجم، وفي الدِّيات بالعدل والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع؛ النفس بالنفس، والعين بالعين، وغير ذلك.
_________________
(١) هذا ليس تبريرًا للحاكم، فإنَّ الواجب على الحاكم أن يتقي الله وأن يجتهد في الحكم بما أنزل الله، وإنَّما المراد الردُّ على غلاة التكفيرالذين لايراعون ما تراعيه الشريعة.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٧٢)، ومسلم (٩٥١) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٨٩ ]
والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرُّونه على ذلك، وكثيرًا ما يتولَّى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيًا؛ بل وإمامًا، وفي نفسه أمورٌ من العدل يريد أن يعمل بها، فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلِّف الله نفسًا إلَّا وسعها.
وعمر بن عبد العزيز عُودي وأُوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل: إنه سُمَّ على ذلك» (^١).