الله فيه برهان»، وفي رواية: «وأن نقولَ - أو نقوم - بالحقِّ حيث ما كنَّا لا نخافُ في الله لومةَ لائم» (^١).
فهذا أمرٌ بالطاعة مع استئثار ولي الأمر، وذلك ظُلمٌ منه ونهيٌ عن منازعة الأمر أهله، وذلك نهيٌ عن الخروج عليه؛ لأن أهله هم أولو الأمر الذين أمر بطاعتهم، وهم الذين لهم سلطانٌ يأمرون به، وليس المرادُ من يستحقُّ أن يولَّى ولا سلطانَ له، ولا المتولِّي العادل؛ لأنه قد ذكر أنهم يستأثرون، فدلَّ على أنه نهى عن منازعة وليِّ الأمر، وإن كان مستأثرا، وهذا بابٌ واسع» (^٢).
الدليل الرابع: الإجماع:
قرر كثيرٌ من أهل السنة في كتب العقائد الإجماع على وجوب السمع والطاعة للحاكم المسلم، وحرمةَ الخروجِ عليه ولو فسق وظلم، فدلَّ هذا على أنَّ المخالف في هذا هم أهلُ البدع والضلال، ودونك شيئًا من نصوصهم في ذلك:
١ - قال الإمام أحمد: «ومَن خرج على إمامٍ من أئمة المسلمين، وقد كانوا اجتمعوا عليه، وأقرُّوا بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان بالرضا أو الغلبة، فقد شقَّ هذا الخارجُ عصا المسلمين وخالفَ الآثار عن رسول الله -ﷺ-، فإنْ ماتَ الخارجُ عليه ماتَ ميتةً جاهلية، ولا يحلُّ قتالُ السلطان، ولا الخروجُ عليه لأحدٍ من الناس، فمَنْ فعلَ ذلك، فهو مبتدع على غير السُّنة» (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه (ص: ٣١).
(٢) منهاج السنة النبوية (٣/ ٣٩٤).
(٣) أصول السنة (ص: ٤٥).
[ ٣٩ ]
٢ - وقال الإمام علي بن المديني: «السُّنة اللازمة التي مَنْ تركَ منها خصلةً لم يقُلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها»، فذكر أشياء ثم قال: «ومَن خرجَ على إمام من أئمة المسلمين، وقد اجتمع عليه الناس، فأقرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجه كانت؛ برضا كانت أو بغلبة، فقد شقَّ هذا الخارجُ عليه العصا أو خالفَ الآثارَ عن رسول الله -ﷺ-؛ فإنْ ماتَ الخارجُ عليه ماتَ ميتةً جاهلية، ولا يحلُّ قتالُ السلطان ولا الخروجُ عليه لأحدٍ من الناس، فمَن عملَ ذلك فهو مبتدعٌ على غير السُّنة» (^١).
٣ - وقال الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان: «أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذهبهم»، فذكرا أشياء ثم قالا: «ولا نرى الخروجَ على الأئمة ولا القتالَ في الفتنة، ونسمعُ ونطيع لمن ولَّاه الله -﷿- أمرنا، ولا ننزع يدًا من طاعة، ونتَّبع السُّنة والجماعة ونجتنبُ الشُّذوذَ والخلافَ والفرقة» (^٢).
٤ - وقال حرب الكرماني في عقيدته التي تعلَّمها عن أهل السنة: «والانقياد لمن ولَّاه الله أمرك، لا تنزع يدكَ من طاعة، ولا تخرج عليه بسيفك حتى يجعل الله لكَ فرَجًا ومخرجًا، وأن لا تخرجَ على السلطان، وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعة، فمَن فعل ذلك فهو مبتدعٌ مخارق مفارق للجماعة، وإن أمركَ السلطان بأمرٍ هو لله معصية، فليس لك أن تطيعه البتة، وليس لك أن تخرج عليه، ولا تمنعه حقَّه» (^٣).
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٨٥).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٩٨).
(٣) كتاب السنة من مسائل الإمام حرب (ص: ٣٤).
[ ٤٠ ]
٥ - وقال أبو عثمان الصابوني: «يرى أصحاب الحديث: الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كلِّ إمامٍ برًّا كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفَرة معهم، وإن كانوا جَوَرةً فجَرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبسطِ العدل في الرَّعية، ولا يرون الخروجَ عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدولَ عن العدل إلى الجور والحيف» (^١).
٦ - وقال المزني: «والطاعة لأولي الأمر فيما كان عند الله -﷿- مُرضيًا، واجتناب ما كان عند الله مُسخطًا، وترك الخروج عند تعدِّيهم وجَورهم، والتوبة إلى الله -﷿- كيما يعطف بهم على رعيَّتهم» (^٢).
٧ - وقال ابن أبي زيد القيرواني: «والسمعُ والطاعة لأئمة المسلمين وكلِّ مَنْ وليَ أمرَ المسلمين عن رضا أو عن غلبة، واشتدَّتْ وطأته من بَرٍّ أو فاجر، فلا يخرج عليه، جارَ أو عدل»، ثم قال: «وكلُّ ما قدَّمنا ذِكرَه فهو قولُ أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيَّناه، وكلُّه قولُ مالك؛ فمنه منصوصٌ من قوله، ومنه معلوم من مذهبه» (^٣).
٨ - وقال ابن حجر: «قال ابن بطال: في الحديث حجَّة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلِّب والجهاد معه، وأن طاعته خيرٌ من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء. وحجَّتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلَّا إذا وقع
_________________
(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص: ٩٠).
(٢) شرح السنة (ص: ٨٤).
(٣) الجامع (ص: ١١٦).
[ ٤١ ]
من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها، كما في الحديث الذي بعده» (^١)، وأقرَّه الحافظ ابن حجر.
٩ - وقال ابن قدامة: «السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين - بَرِّهم وفاجرِهم - ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله، ومن وَليَ الخلافة واجتمعَ عليه الناس ورضوا به، أو غلَبَهُم بسيفهِ حتى صار الخليفة، وسُمِّي أمير المؤمنين = وجبتْ طاعته وحَرُمتْ مخالفته والخروجُ عليه وشقُّ عصا المسلمين» (^٢).
١٠ - وقال النووي تعليقًا على حديث عبادة بن الصامت -﵁-: «ومعنى الحديث: لا تُنازِعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلَّا أن تروا منهم منكرًا محقَّقًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحقِّ حيث ما كنتم، وأما الخروجُ عليهم وقتالهم، فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسَقةً ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته» (^٣).
١١ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «استقر أمرُ أهل السُّنة على ترك القتال في الفتنة؛ للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي -ﷺ-، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَور الأئمة، وترك قتالهم» (^٤).
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٧)، وانظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ٨).
(٢) لمعة الاعتقاد (ص: ٣٢).
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٢٩).
(٤) منهاج السنة النبوية (٤/ ٣١٥).
[ ٤٢ ]
وقال أيضًا: «ولهذا كان مذهبُ أهل الحديث تركَ الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصَّبر على ظُلمهم إلى أن يستريحَ بَرٌّ، أو يُستراحَ من فاجر» (^١).
وقال أيضًا: «ويقولون: إنه يُعاوَن على البر والتقوى دون الإثم والعدوان، ويُطاع في طاعة الله دون معصيته، ولا يُخرج عليه بالسيف، وأحاديثُ النبي -ﷺ- إنما تدلُّ على هذا، كما في الصحيحين عن ابن عباس -﵄-، عن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ رأى من أميره شيئًا يكرههُ فليصبرْ عليه، فإنه ليس أحدٌ من الناس يخرجُ عن السلطان شبرًا فمات عليه إلَّا مات ميتةً جاهلية»، وفي لفظ: «أنه مَنْ فارقَ الجماعة شبرًا فمات عليه إلَّا ماتَ ميتةً جاهلية»، فجعل المحذور هو الخروج عن السلطان ومفارقة الجماعة، وأمرَ بالصبر على ما يُكره من الأمير؛ لم يخصَّ بذلك سلطانًا معيَّنًا ولا أميرًا معيَّنًا ولا جماعةً معيَّنة …» (^٢).
١٢ - الحافظ ابن حجر؛ فقد نقل الإجماع الذي حكاه ابنُ بطَّالٍ، وأقرَّه عليه (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢٩).
(٢) منهاج السنة النبوية (١/ ٥٥٦).
(٣) انظر: (ص: ٤١).
[ ٤٣ ]