أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ؛ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَعْرُوفٍ - أعْني: ابْنَ أَبِي نَصْرٍ - فِي دَارِهِ بِدِمِشْقَ، فِي صَفَرٍ سَنَةَ عِشْرِينَ وَأَرْبَعْ مَائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْعَسْكَرِيُّ «صَاحِبُ [أَبِي] عُبَيْدٍ؛ القاسم ابن سَلَامٍ» هَذِهِ الرِّسَالَةَ وَأَنَا أَسْمَعُ:
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّكَ كُنْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْإِيمَانِ، وَاخْتِلَافِ الْأُمَّةِ فِي اسْتِكْمَالِهِ وَزِيَادَتِهِ وَنَقْصِهِ، وَتَذْكُرُ أَنَّكَ أحببتَ مَعْرِفَةَ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ فارقهم فيه؟
[ ٩ ]
فَإِنَّ هَذَا رَحِمَكَ اللَّهُ خَطْبٌ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ السَّلَفُ فِي صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَتَابِعِيهَا ومَن بَعْدَهُمْ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَقَدْ كَتَبْتُ إِلَيْكَ بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ عِلمُه مِنْ ذَلِكَ مَشْرُوحًا مُخَلَّصًا.
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
اعْلَمْ - رَحِمَكَ اللَّهُ - أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْعِنَايَةِ بِالدِّينِ افْتَرَقُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ فِرْقَتَيْنِ:
فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا: الْإِيمَانُ بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ بِالْقُلُوبِ، وَشَهَادَةِ الْأَلْسِنَةِ وَعَمَلِ الْجَوَارِحِ.
وَقَالَتِ الفرقةُ الْأُخْرَى بَلِ الْإِيمَانُ بِالْقُلُوبِ وَالْأَلْسِنَةِ، فَأَمَّا الأعمالُ فَإِنَّمَا هِيَ تَقْوَى وَبِرٌّ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ.
وَإِنَّا نَظَرْنَا فِي اخْتِلَافِ الطَّائِفَتَيْنِ، فَوَجَدْنَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ يُصَدِّقَانِ الطَّائِفَةَ الَّتِي جَعَلَتِ الْإِيمَانَ بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ والعملِ جَمِيعًا وَيَنْفِيَانِ مَا قَالَتِ الأخرى.
[ ١٠ ]
وَالْأَصْلُ الَّذِي هُوَ حجّتُنا فِي ذَلِكَ اتِّبَاعُ مَا نَطَقَ بِهِ القرآنُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عُلُوًّا كَبِيرًا، قَالَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ:
﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
وَإِنَّا رَدَدْنَا الأمرَ إِلَى مَا ابْتَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ رَسُولَهُ ﷺ (^١) وَأَنْزَلَ بِهِ كِتَابَهُ، فوجدناه قد جعلَ بدأ الْإِيمَانِ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ عَشْرَ سِنِينَ، أَوْ بِضْعَ عَشَرَ سَنَةً يَدْعُو إِلَى هَذِهِ الشَّهَادَةِ خَاصَّةً، وَلَيْسَ الْإِيمَانُ الْمُفْتَرَضُ عَلَى الْعِبَادِ يَوْمَئِذٍ سِوَاهَا، فَمَنْ أَجَابَ إِلَيْهَا كَانَ مُؤْمِنًا، لَا يَلْزَمُهُ اسمٌ
_________________
(١) الكتاب ليس فيه ذلك، فعرفنا أنّ المؤلّف التزم ذلك فيه غالبًا فلم نستجز الزيادة عليه. الأصل ليس فيه (وسلم)، وكذلك في جل ما يأتي من الصلاة عليه الله (تعليق الشاملة): حاصل ذلك أن المخطوط فيه «ما ابتعث الله عليه رسوله (صلى الله عليه) وأنزل به كتابه» وعلق الشيخ الألباني (هامش ط دمشق) على قوله: «صلى الله عليه»، بقوله: «كذا الأصل، ليس فيه «وسلم»، وكذلك هو في جُلّ ما يأتي من الصلاة عليه ﷺ في الكتاب، فعرفنا أن المؤلف التزم ذلك فيه غالبا فلم نستجز الزيادة عليه». انتهى بلفظه من ط المطبعة العمومية بدمشق لكن عندما طُبع الكتاب في «المكتب الإسلامي»، طبعوه بالرمز المعروف الذي يشمل ضمنه لفظة «وسلم»، وعلق زهير الشاويش ﵀ بقوله: غير إننا في هذه الطبعة تعذر علينا ذلك فوضعنا الزيادة غالبًا (زهير). ثم في ط المعارف، اعتمدوا على ط المكتب الإسلامي كما هي بإضافة «وسلم»، وحذفوا تعليق «زهير»، فبقي تعليق الشيخ الألباني فقط، مخالفا لحال الكتاب، فاقتضى التنبيه
[ ١١ ]
فِي الدِّينِ غَيْرُهُ، وَلَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ زكاةٌ، وَلَا صيامٌ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الدِّينِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا التَّخْفِيفُ عَنِ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ - فِيمَا يَرْوِيهِ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ، ورِفقًا بِهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا حَدِيثَ عهدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَجَفَائِهَا، وَلَوْ حَمَّلَهُمُ الْفَرَائِضَ كُلَّهَا مَعًا نَفَرَتْ مِنْهُ قُلُوبُهُمْ، وَثَقُلَتْ عَلَى أَبْدَانِهِمْ، فَجَعَلَ ذَلِكَ الإقرارَ بِالْأَلْسُنِ وَحْدَهَا هُوَ الْإِيمَانَ الْمُفْتَرَضَ عَلَى النَّاسِ يومئذٍ، فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ إِقَامَتَهُمْ بِمَكَّةَ كُلِّهَا، وَبِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا بِالْمَدِينَةِ وَبَعْدَ الْهِجْرَةِ. فَلَمَّا أَثَابَ الناسُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَحَسُنَتْ (^١) فِيهِ رَغْبَتُهُمْ، زَادَهُمُ اللَّهُ فِي إِيمَانِهِمْ أَنْ صرفَ الصلاةَ إلى
_________________
(١) الأصل: «حسنت» بدون واو.
[ ١٢ ]
الْكَعْبَةِ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ:
﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
ثُمَّ خَاطَبَهُمْ - وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ - بِاسْمِ الْإِيمَانِ الْمُتَقَدِّمِ لَهُمْ، فِي كُلِّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ أَوْ نَهَاهُمْ عَنْهُ، فَقَالَ فِي الْأَمْرِ:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، وَ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
وَقَالَ فِي النَّهْيِ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ٣٠]، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. وَعَلَى هَذَا كُلُّ مخاطبةٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهَا أمرٌ أَوْ نهيٌ
[ ١٣ ]
بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُمْ بِهَذَا الِاسْمِ بِالْإِقْرَارِ وحدَه؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فرضٌ غَيْرُهُ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الشرائعُ بَعْدَ هَذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ وُجُوبُ الْأَوَّلِ سَوَاءً، لَا فَرْقَ بَيْنَهَا؛ لِأَنَّهَا جَمِيعًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَبِأَمْرِهِ، وَبِإِيجَابِهِ. فَلَوْ أَنَّهُمْ عِنْدَ تحويلِ الْقِبْلَةِ إِلَى الْكَعْبَةِ أَبَوْا أَنْ يُصلُّوا إِلَيْهَا، وَتَمَسَّكُوا بِذَلِكَ الإيمانِ الَّذِي لَزِمَهُمُ اسمُه، وَالْقِبْلَةُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنْهُمْ شَيْئًا، وَلَكَانَ فِيهِ نقضٌ لِإِقْرَارِهِمْ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ الْأُولَى لَيْسَتْ بِأَحَقَّ بِاسْمِ الْإِيمَانِ مِنَ الطَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَلَمَّا أَجَابُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِلَى قَبُولِ الصَّلَاةِ كَإِجَابَتِهِمْ إِلَى الْإِقْرَارِ، صَارَا جَمِيعًا مَعًا هُمَا يَوْمَئِذٍ الْإِيمَانُ، إِذْ أُضِيفَتِ الصلاةُ إِلَى الإقرارِ. وَالشَّهِيدُ (^١) عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مِنَ الْإِيمَانِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ
_________________
(١) كذا الأصل، وفي المواطن الآتية: «والشاهد» ولعلّه الصواب هنا بدليل قوله بعد سطور: «فأيّ شاهد …».
[ ١٤ ]
وَجَلَّ: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تُوُفُّوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فسُئل رسولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (^١).
فَأَيُّ شاهدٍ يُلتمس عَلَى أَنَّ الصلاةَ مِنَ الْإِيمَانِ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ؟ فَلَبِثُوا بِذَلِكَ بُرهةً مِنْ دَهْرِهِمْ، فَلَمَّا أَنْ دَارُوا إِلَى الصَّلَاةِ مُسَارَعَةً، وَانْشَرَحَتْ لَهَا صدُورهم، أَنْزَلَ اللَّهُ فَرْضَ الزَّكَاةِ فِي أَيْمَانِهِمْ إِلَى مَا قَبْلَهَا، فقال: ﴿أَقِيمُوا﴾
_________________
(١) أخرجه البخاري من حديث البراء، والترمذي من حديث ابن عباس وصححه.
[ ١٥ ]
﴿الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ٨٣ و١١٠] (^١). وَقَالَ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣]، فَلَوْ أَنَّهُمْ مُمْتَنِعُونَ (^٢) مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْإِقْرَارِ، وَأَعْطُوهُ ذَلِكَ بِالْأَلْسِنَةِ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ غيرَ أَنَّهُمْ مُمْتَنِعُونَ مِنَ الزَّكَاةِ كَانَ ذَلِكَ مُزيلًا لِمَا قَبْلَهُ، وَنَاقِضًا لِلْإِقْرَارِ وَالصَّلَاةِ، كَمَا كان
_________________
(١) قلت: قد جاءت آيات مكية. ورد فيها ذكر الزكاة، تارة أمرًا بها، وأخرى مدحًا لفاعليها، ومرة ذمًا لتاركيها، ففي سورة «المزمل: ٢٠» ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزمل: ٢٠]، و«في النمل: ٣» و«لقمان: ٤» ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. وفي «فصلت: ٧/ ٦»: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. فالظاهر أنّ المراد بهذه الزكاة، الصدقات المفروضة من غير تعيين الأنصبة والمقادير، وإنّما فرض تعيينها في المدينة. والله أعلم.
(٢) كذا الأصل.
[ ١٦ ]
إيتا (^١) الصَّلَاةِ قَبْلَ ذَلِكَ نَاقِضًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْإِقْرَارِ. وَالْمُصَدِّقُ لِهَذَا جِهَادُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ عَلَى مَنْعِ الْعَرَبِ الزَّكَاةَ، كَجِهَادِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ الشِّرْكِ سَوَاءً، لَا فَرْقَ بَيْنَهَا فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ، وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ، وَاغْتِنَامِ الْمَالِ، فَإِنَّمَا كَانُوا مَانِعِينَ لَهَا غَيْرَ جَاحِدِينَ بِهَا. ثُمَّ كَذَلِكَ كَانَتْ شرائعُ الْإِسْلَامِ كُلُّهَا، كُلَّمَا نَزَلَتْ شَرِيعَةٌ صَارَتْ مُضَافَةً إِلَى مَا قَبْلَهَا لَاحِقَةً بِهِ، وَيَشْمَلُهَا جَمِيعًا اسْمُ الْإِيمَانِ فَيُقَالُ لِأَهْلِهِ مُؤْمِنُونَ. وَهَذَا هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي غَلِط فِيهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَوْلِ، لَمَّا سَمِعُوا تَسْمِيَةَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ، أوجبوا لهم الإيمان كله بكماله.
_________________
(١) كذا الأصل، ولعلّ الصواب «إباء».
[ ١٧ ]
كَمَا غَلَطُوا فِي تَأْوِيلِ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَكَذَا وَكَذَا (^١)». وَحِينَ سَأَلَهُ الَّذِي عَلَيْهِ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ عَنْ عِتْقِ الْعَجَمِيَّةِ؟ فَأَمَرَ بِعِتْقِهَا، وَسَمَّاهَا مُؤْمِنَةً (^٢). وَإِنَّمَا هَذَا عَلَى مَا أَعْلَمْتُكَ مِنْ دُخُولِهِمْ فِي الْإِيمَانِ وَمِنْ قَبُولِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ بِمَا نَزَلَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَنْزِلُ مُتَفَرِّقًا كَنُزِولِ الْقُرْآنِ. وَالشَّاهِدُ لِمَا نَقُولُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ ﵎، وسنةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فمن الكتاب قوله:
_________________
(١) يشير إلى حديث جبريل المخرج في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة، وعند مسلم من حديث ابن عمر عن عمر، وانظر الحديث ١١٩. من «كتاب الإيمان» لابن أبي شيبة.
(٢) يشير إلى حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي فيه أنّه ﷺ سأل الجارية: «أين الله». رواه مسلم، وانظر «ابن أبي شيبة» رقم: ٨٤.
[ ١٨ ]
﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هَذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].
فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ مِثْلِ هَذَا. أَفَلَسْتَ تَرَى أَنَّ اللَّهَ ﵎ لم ينزّل عليهم الإيمان جملة، كمالم يُنَزِّلِ الْقُرْآنَ جُمْلَةً؟ فَهَذِهِ الْحُجَّةُ مِنَ الْكِتَابِ، فَلَوْ كَانَ الْإِيمَانُ مُكَمَّلًا بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ مَا كَانَ لِلزِّيَادَةِ إِذًا مَعْنًى، وَلَا لِذِكْرِهَا مَوْضِعٌ. وَأَمَّا الْحُجَّةُ مِنَ السُّنَّةِ وَالْآثَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنْ زِيَادَاتِ قَوَاعِدِ الْإِيمَانِ بَعْضُهَا بَعْدَ بَعْضٍ، فَفِي حَدِيثٍ مِنْهَا أَرْبَعٌ، وَفِي آخَرَ خَمْسٌ، وَفِي الثَّالِثِ تِسْعٌ، وَفِي
[ ١٩ ]
الرَّابِعِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. فَمِنَ الْأَرْبَعِ،
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَيْهِ فقالوا يا رسول الله إنّا (^١) هَذَا الْحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَقَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضر، فَلَسْنَا نخلُص (^٢) إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَعْمَلُ بِهِ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا، فَقَالَ: «آمُرُكُمْ بأربعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أربعٍ، الْإِيمَانُ» ثُمَّ فَسَّرَهُ لَهُمْ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمس مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ والحنتم والنَّقير والمُقَيَّر» (^٣).
_________________
(١) الأصل، «إن» والتصويب من «صحيح مسلم». لفظه غير مطابق لما هنا بخلاف لفظه في مسلم.
(٢) أي: نصل. زاد مسلم: «إليك».
(٣) هو: الوعاء المزفت، وهو المطلي بالقار، وهو الزفت. و«النقير» جذع ينقر وسطه. و«الحنتم»: جرار خضر. و«الدباء»: القرع اليابس، أي: الوعاء منه.
[ ٢٠ ]
١ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ (^١)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: بِذَلِكَ.
وَمِنَ الْخَمْسِ، حَدِيثُ
ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ سمعَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بُنِيَ الإسلامُ عَلَى خمسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ».
٢ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: بذلك (^٢).
_________________
(١) الأصل: «أبوحمزة»، والتصحيح من «مسلم» فقد أخرجه من طريق أخرى عن عباد بن عباد به. واسم أبي جمرة: نصر بن عمران.
(٢) قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجاه.
[ ٢١ ]
وَمِنَ التِّسْعِ،
حَدِيثُ أَبِي هُريرة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّهُ قَالَ: «[إِنَّ] لِلْإِسْلَامِ صُوًى وَمَنَارًا كَمَنَارِ الطَّرِيقِ»
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: «صُوًى»: هِيَ مَا غلُظَ وَارْتَفَعَ مِنَ الأرضِ، وَاحِدَتُهَا صوَّة (^١) مِنْهَا: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ولا تشرك به
_________________
(١) كان الأصل كما يأتي «الإسلام صوى ومنار كمنار الطريق منها. قال أبو عبيد: «صوى» ارتفع من الأرض، واحد من «صوة» كمنار منها» فصححت نص الحديث من «الأمالي» لابن بشران «ق ٢/ ٩٨» والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للحافظ عبد الغني المقدسي ١/ ٨٢ وقد أخرجا الحديث من طريق المؤلف، ولكنهما لم يذكرا تفسيره ل «الصوى» وصححت التفسير من «القاموس» و«لسان العرب» وحكاه هذا عن الأصمعي. وذكر عن أبي عمرو أنّه قال: «الصوى أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي، والمفازة المجهولة يستدلّ بها على الطريق وعلى طرفيها. أراد «يعني: الحديث» أنّ الإسلام طرائق وأعلامًا يهتدي بها». ثمّ قال صاحب «اللسان»: «قال أبو عبيد: وقول أبي عمرو أعجب إليّ وهو أشبه بمعنى الحديث».
[ ٢٢ ]
شَيْئًا، وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تُسَلِّمَ عَلَى أَهْلِكَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ تُسَلِّمَ عَلَى الْقَوْمِ إِذَا مَرَرْتَ بِهِمْ، فَمَنْ تَرَكَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا [فَقَدْ تَرَكَ سَهْمًا مِنَ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَرَكَهُنَّ] فَقَدْ وَلَّى الْإِسْلَامَ ظَهْرَهُ».
٣ - قَالَ أَبُو عُبيد: حَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْعَطَّارُ (^١) عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عن خالد بن معدان عن
_________________
(١) الأصل: «القطان» والتصحيح من «الأمر بالمعروف» للحافظ المقدسي، ويحيى بن سعيد العطار هذا حمصي ضعيف. وقد خولف في إسناده، فرواه جماعة عن ثور بن يزيد عن خالد عن أبي هريرة، لم يذكروا الرجل. أخرجه جمعٌ، منهم: الحاكم ٢١/ ١، وصححه على شرط البخاري ووافقه الذهبي. وهو كما قالا على ما حققته في «سلسلة الأحاديث الصحيحة».
[ ٢٣ ]
رَجُلٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:.
فَظَنَّ الْجَاهِلُونَ بِوُجُوهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا مُتَنَاقِضَةٌ؛ لِاخْتِلَافِ الْعَدَدِ مِنْهَا، وَهِيَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بَعِيدَةٌ عَلَى التَّنَاقُضِ، وَإِنَّمَا وُجُوهُهَا مَا أعلمتُك مِنْ نُزُولِ الْفَرَائِضِ بِالْإِيمَانِ مُتَفَرِّقًا، فَكُلَّمَا نَزَلَتْ وَاحِدَةٌ، أَلْحَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَدَدَهَا بِالْإِيمَانِ، ثُمَّ كُلَّمَا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ مِنْهَا أُخْرَى زَادَهَا فِي الْعَدَدِ حَتَّى جَاوَزَ ذَلِكَ السَّبْعِينَ كَلِمَةً. كَذَلِكَ [فِي] الْحَدِيثِ الْمُثْبَتِ عَنْهُ
أَنَّهُ قَالَ: «الْإِيمَانُ بِضْعَةٌ وَسَبْعُونَ جُزْءًا، أَفْضَلُهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ».
٤ - قَالَ أَبُو عُبيد: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ان دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: بهذا الحديث (^١).
_________________
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه في «صحيحه» عن جرير عن سهيل به. وتابعه عن ابن دينار به، انظر ابن أبي شيبة ٦٦.
[ ٢٤ ]
وَإِنْ كَانَ زَائِدًا فِي الْعَدَدِ فَلَيْسَ هُوَ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا تِلْكَ دَعَائِمُ وَأُصُولٌ، وَهَذِهِ فُرُوعُهَا زَائِدَاتٌ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ غير تلك الدعائم. فنرى - الله أَعْلَمُ - أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ آخِرُ مَا وَصَفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الإيمان؛ لأن العدد إنما تناها بِهِ، وَبِهِ كَمُلَتْ خِصَالُهُ. وَالْمُصَدِّقُ لَهُ قَوْلُ اللَّهِ ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
٥ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ: «أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَحْمَةُ اللَّهِ عليه: إنكم تقرأون آيَةً، لَوْ نَزَلَتْ فِينَا لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عيدًا،
[ ٢٥ ]
فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ عمرُ: إِنِّي لأعلمُ حَيْثُ أُنزلت، وَأَيَّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ، [أُنْزِلَتْ] بِعَرَفَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ».
قَالَ سفيانٌ: وَأَشُكُّ أَقَالَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا (^١).
٦ - قَالَ (أَبُو) عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ عن حماد بن (^٢) سلمة، عن عمار ابن أبي عمار قال: تلى ابنُ عباسٍ هَذِهِ الْآيَةَ، وَعِنْدَهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: لَوْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا لَاتَّخَذْنَا يَوْمَهَا عِيدًا! قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدٍ؛ يَوْمِ جُمُعَةٍ وَيَوْمِ عَرَفَةَ».
_________________
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجاه، وفي رواية لمسلم من طريق أبي عميس، عن قيس: نزلت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بعرفات يوم جمعة.
(٢) الأصل: عن.
[ ٢٦ ]
٧ - قَالَ أَبُو عُبيد: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «نزلتْ عَلَيْهِ وَهُوَ واقفٌ بعرفةَ حِينَ اضْمَحَلَّ الشِّرْكُ، وَهُدِمَ مَنَارُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» (^١). فَذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِكْمَالَ الدِّينِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِيمَا يُرْوَى قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِإِحْدَى وَثَمَانِينَ لَيْلَةً.
٨ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ كَذَلِكَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ:.
فَلَوْ كَانَ الإيمانُ كَامِلًا بِالْإِقْرَارِ، ورسولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فِي أَوَّلِ النُّبُوَّةِ كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ مَا كَانَ لِلْكَمَالِ مَعْنًى، وَكَيْفَ يُكَمِّلُ شَيْئًا قَدِ اسْتَوْعَبَهُ وَأَتَى عَلَى آخِرِهِ؟! قَالَ [أَبُو] عُبَيْدٍ: فَإِنْ قَالَ لَكَ قائل: فما هذه الأجزاء الثلاثة وسبعون؟
_________________
(١) إسناده مرسل صحيح.
[ ٢٧ ]
قِيلَ لَهُ: لَمْ تُسَمَّ لَنَا مَجْمُوعَةً فَنُسَمِّيَهَا، غَيْرَ أَنَّ الْعِلْمَ يُحِيطُ أَنَّهَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَتَقْوَاهُ، وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ لَنَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ تَفَقَّدْتَ الْآثَارَ لوجِدت مُتَفَرِّقَةً فِيهَا، أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ فِي إِمَاطَةِ الْأَذَى وَقَدْ جَعَلَهُ جُزْءًا مِنَ الْإِيمَانِ؟ وَكَذَلِكَ (^١)
قَوْلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ (^٢)».
وَفِي الثَّالِثِ: «الْغَيْرَةُ مِنَ الْإِيمَانِ» (^٣).
وَفِي الرَّابِعِ: «الْبَذَاذَةُ مِنَ الْإِيمَانِ» (^٤).
وَفِي الْخَامِسِ: «حُسْنُ الْعَهْدِ من الإيمان» (^٥).
_________________
(١) الأصل: «وذلك».
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة. وانظر ابن أبي شيبة ٦٦.
(٣) رواه البزار وابن بطة في «الإبانة» عن أبي سعيد مرفوعًا بسندٍ فيه مجهول الحال.
(٤) يعني التقشف. والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهم عن أبي أمامة الحارثي مرفوعًا، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(٥) حديث حسن، وصححه الحاكم، وقد خرجته في «سلسلة الأحاديث الصحيحة».
[ ٢٨ ]
فَكُلُّ هَذَا مِنْ فُروع الْإِيمَانِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمَّارٍ: «ثلاثٌ مِنَ الْإِيمَانِ: الْإِنْفَاقُ مِنَ الإقتارِ، والإنصافُ مِنْ نفسِك، وبذلُ السَّلَامِ عَلَى العالَم (^١)». ثُمَّ الْأَحَادِيثُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ ذِكْرِ كَمَالِ الْإِيمَانِ حِينَ
قَالَ: «أَيُّ الْخَلْقِ أَعْظَمُ إِيمَانًا؟ فَقِيلَ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ قِيلَ نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فقال بل قوم يأتون بعدكم (^٢)».
_________________
(١) روي مرفوعًا وموقوفًا، والراجح الموقوف على أنّ في سنده من كان اختلط، انظر الكلام عليه مع تخريجه فيما علّقته على «الكلم الطيّب» لابن تيمية رقم الحديث ١٩٥، والحديث ١٢٥، من «الإيمان» لابن أبي شيبة وهما طبع مكتبة المعارف بالرياض.
(٢) أخرجه الحسن بن عرفة في «جزئه» ق ٢/ ٩٠ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا وسنده ضعيف. وأخرجه الحاكم من حديث عمر، وصحّحه، وردّه الذهبي عليه، وبيان ذلك في المائة السابعة من «سلسلة الأحاديث الضعيفة».
[ ٢٩ ]
فَذَكَرَ صِفَتَهُمْ.
وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُهُ: «إِنَّ أَكْمَلَ، أَوْ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» (^١).
وَكَذَلِكَ (^٢) قَوْلُهُ: «لَا يُؤْمِنُ الرَّجُلُ الْإِيمَانَ كُلَّهُ حَتَّى يَدَعَ الْكَذِبَ فِي الْمِزَاحِ، وَالْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا» (^٣). وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عُمَرَ. ثُمَّ مِنْ أَوْضَحِ ذَلِكَ وَأَبْيَنِهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ في
_________________
(١) حديث صحيح، وصحّحه جماعة، وقد أخرجه ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة وعائشة والحسن البصري، فراجع تعليقنا عليه رقم: ١٧ و٢٠ و١٢٠.
(٢) الأصل: «وذلك».
(٣) أخرجه أحمد ٣٥٢/ ٢، ٣٥٣، ٣٥٤. من حديث مكحول عن أبي هريرة مرفوعًا به، ومكحول لم يسمع من أبي هريرة ﵁.
[ ٣٠ ]
الشَّفَاعَةِ، حِينَ
قَالَ: «فَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، وبُرة مِنْ إِيمَانٍ، وَمِثْقَالُ ذَرَّةٍ» (^١). وَإِلَّا صُولِبَ (^٢). وَمِنْهُ حَدِيثُهُ فِي الْوَسْوَسَةِ حِينَ
سُئِلَ عَنْهَا؟ فَقَالَ: «ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» (^٣). وَكَذَلِكَ حَدِيثُ
عَلِيٍّ ﵇: «إِنَّ الْإِيمَانَ يَبْدَأُ لُمْظَة (^٤) فِي الْقَلْبِ، فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْإِيمَانُ عِظَمًا ازْدَادَ ذَلِكَ الْبَيَاضُ عِظَمًا» (^٥). فِي أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ كثيرة يطول
_________________
(١) متفق عليه من حديث أنس ﵁، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣٥.
(٢) كذا الأصل مهمل الحروف.
(٣) أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة، وهو مخرج في «الأحاديث الصحيحة».
(٤) بضم اللام مثل النكتة من البياض.
(٥) هذا موقوف على عليّ ﵁، كذلك أخرجه ابن أبي شيبة في كتابه رقم ٨، وإسناده منقطع كما بيّنته هناك.
[ ٣١ ]
ذِكْرُهَا (^١) تَبَيَّنَ لَكَ التَّفَاضُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْقُلُوبِ والأعمال، وكلها يشد أَوْ أَكْثَرُهَا أَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ مِنَ الْإِيمَانِ، فَكَيْفَ تُعَانَدُ هَذِهِ الْآثَارُ بِالْإِبْطَالِ وَالتَّكْذِيبِ؟! وَمِمَّا يُصَدِّقُ تَفَاضُلَهُ بِالْأَعْمَالِ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ..﴾. إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٣] (^٢). فَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِلْإِيمَانِ حَقِيقَةً إِلَّا بِالْعَمَلِ على هذه الشروط، والذي يزعم أَنَّهُ بِالْقَوْلِ خَاصَّةً يَجْعَلُهُ مُؤْمِنًا حَقًّا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَمَلٌ فَهُوَ مُعَانِدٌ لِكِتَابِ الله والسنة.
_________________
(١) قلت: يراجع الكثير الطيب منها في كتاب ابن أبي شيبة.
(٢) وتمامها: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
[ ٣٢ ]
وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ تَفَاضُلَهُ فِي الْقَلْبِ قَوْلُهُ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. أَلَسْتَ تَرَى أَنَّ هَاهُنَا مَنْزِلًا دُونَ مَنْزِلٍ: ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]. كَذَلِكَ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]. فلولا أن هناك موضع مزيدًا، مَا كَانَ لَأَمْرِهِ بِالْإِيمَانِ مَعْنًى، ثُمَّ قَالَ أَيْضًا: ﴿الم، أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]. وَقَالَ: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ﴾ [العنكبوت: ١٠].
[ ٣٣ ]
وَقَالَ: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]. أَفَلَسْتَ تَرَاهُ ﵎، قَدِ امْتَحَنَهُمْ بِتَصْدِيقِ الْقَوْلِ بِالْفِعْلِ، وَلَمْ يَرْضَ مِنْهُمْ بِالْإِقْرَارِ دُونَ الْعَمَلِ، حَتَّى جَعَلَ أَحَدَهُمَا مِنَ الْآخَرِ؟ فَأَيُّ شَيْءٍ يُتَّبَعُ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَمِنْهَاجِ السَّلَفِ بَعْدَهُ الَّذِينَ هُمْ مَوْضِعُ الْقُدْوَةِ وَالْإِمَامَةِ؟! فَالْأَمْرُ الَّذِي عَلَيْهِ السُّنَّةُ عِنْدَنَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا؟ مِمَّا اقْتَصَصْنَا فِي كِتَابِنَا (^١) هَذَا: أَنَّ الْإِيمَانَ بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا، وَأَنَّهُ دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، إِلَّا أَنَّ أَوَّلَهَا وأعلاها الشَّهَادَةُ بِاللِّسَانِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي جَعَلَهُ فِيهِ بِضْعَةً وَسَبْعِينَ جُزْءًا، فَإِذَا نَطَقَ بِهَا
_________________
(١) الأصل: «عندنا ماضي عليه عملماءنا وما اقتصصنا في كتابنا هذا.
[ ٣٤ ]
الْقَائِلُ، وَأَقَرَّ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَزِمَهُ اسْمُ الْإِيمَانِ بِالدُّخُولِ فِيهِ بِالِاسْتِكْمَالِ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا عَلَى تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ لِلَّهِ طَاعَةً وَتَقْوَى، ازْدَادَ بِهِ إِيمَانًا.