٩ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَا مؤمنٌ! فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَفَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: أَرْجُو، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَفَلَا وكلتَ الْأُولَى كَمَا وَكَّلْتَ الْأُخْرَى؟ (^١)».
١٠ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذْ لقينا
_________________
(١) رجال إسناده ثقات رجال الستة، إلاّ أنّه منقطع بين الحسن، وابن مسعود. وأبو الأشهب اسمه جعفر بن حيان.
[ ٣٥ ]
رَكْبًا فَقُلْنَا: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا نَحْنُ الْمُؤْمِنُونَ! فَقَالَ: أَوَلَا قَالُوا: إِنَّا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟! (^١)».
١١ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سلَمة بْنِ كُهَيل، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَا مُؤْمِنٌ! فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «فَقُلْ: إِنِّي فِي الْجَنَّةِ! وَلَكِنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ».
١٢ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحلّ (^٢) بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ: قَالَ لي إبراهيم:
_________________
(١) إسناده على شرط الشيخين. وكذا إسناد الذي بعده. والأول أخرجه ابن أبي شيبة في كتابه ١٢٢ من طريق أخرى عن أبي وائل به نحوه.
(٢) هو بضمّ أوله، وكسر ثانيه، وتشديد اللام، وكان الأصل: «مجلي» فصحّحناه من كتب الرجال. وهو كوفي، ولا بأس به.
[ ٣٦ ]
«إِذَا قِيلَ لَكَ أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟؟ فَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ».
١٣ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «إِذَا قِيلَ لَكَ أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ فَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ».
١٤ - قال أبو عُبيد: حدثنا عبد الرحمن، عن حماد بن زيد، عن يحيي بن عتيق، عن محمد بن سيرين قال:
"إذا قيل لك أمؤمن أنت؟ فقل: ﴿آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ ..﴾. الآية (^١) [البقرة:١٣٦].
_________________
(١) وتمامها: ﴿… وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
[ ٣٧ ]
١٥ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «قَالَ رجلٌ لِعَلْقَمَةَ أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَرْجُو إِنْ شَاءَ اللَّهُ». قَالَ أَبُو عُبيد: وَلِهَذَا كَانَ يَأْخُذُ سُفْيَانُ وَمَنْ وَافَقَهُ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ، وَإِنَّمَا كَرَاهَتُهُمْ عِنْدَنَا أَنْ يبتُّوا الشهادةَ بِالْإِيمَانِ مَخَافَةَ مَا أعلمتُكم فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنَ التزكيةِ وَالِاسْتِكْمَالِ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَمَّا عَلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُمْ يُسَمُّونَ أَهْلَ الْمِلَّةِ جَمِيعًا مُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُمْ، وَذَبَائِحَهُمْ، وَشَهَادَاتِهِمْ، وُمُنَاكَحَتَهُمْ، وَجَمِيعَ سُنَّتِهِمْ: إِنَّمَا هِيَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَلِهَذَا كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَرَى الِاسْتِثْنَاءَ وَتَرْكَهُ جَمِيعًا وَاسِعَيْنِ.
١٦ - قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي قال: "من قال أنا مؤمن فحسن، ومن قال: أنا مؤمن إن شاء الله فحسن؛ لقول الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ
[ ٣٨ ]
﴿الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ دَاخِلُونَ».
وَهَذَا عِنْدِي وَجْهُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ (^١)، حين أتاه صاحب معاذ فقال: "ألم تعلم أن الناس كانوا على عهد رسول الله ﷺ ثلاثة أصناف: مؤمن ومنافق وكافر، فمن أيهم كنت؟ قال: من المؤمنين، إنما نراه أراد أني كنت من أهل هذا الدين لا من الآخرين.
فأما الشهادة بها عند الله، فإنه كان عندنا أعلم بالله وأتقى له من أن يريده، فكيف يكون ذلك، والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُو أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].
وَالشَّاهِدُ: - عَلَى مَا نَظُنُّ - أَنَّهُ كان قبل هذا لا يقول:
_________________
(١) هو ابن مسعود، وحديثه المشار إليه، أخرجه ابن أبي شيبة في كتابه ٧٣، وفي سنده رجل لم يُسم، وقد أنكره يحيى بن سعيد كما يأتي عند المصنف بعد قليل.
[ ٣٩ ]
أَنَا مُؤْمِنٌ عَلَى تَزْكِيَةٍ وَلَا عَلَى غَيْرِهَا، وَلَا نَرَاهُ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُهُ عَلَى قَائِلِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، إِنَّمَا كَانَ يَقُولُ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، لَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَهُو الَّذِي كَانَ أَخَذَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ وطاووس وَابْنُ سِيرِينَ. ثُمَّ أَجَابَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَنْ قَالَ: «أَنَا مُؤْمِنٌ» فَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ مَحْفُوظًا عَنْهُ (^١) فَهُو عِنْدِي عَلَى مَا أَعْلَمْتُكَ، وقد رأيت يحيى ين سَعِيدٍ يُنْكِرُهُ وَيَطْعَنُ فِي إِسْنَادِهِ لِأَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى خِلَافِهِ. وَكَذَلِكَ نَرَى مَذْهَبَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَسَمَّوْنَ بِهَذَا الِاسْمِ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ، فَيَقُولُونَ نَحْنُ مُؤْمِنُونَ، مِنْهُمْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، وَعَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، مِثْلُ: عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، وَالصَّلْتُ بن
_________________
(١) الأصل: «محفوظ».
[ ٤٠ ]
بَهْرَامَ، وَمِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ، ومَن نَحَا نَحْوَهُمْ، إِنَّمَا هُو عِنْدَنَا مِنْهُمْ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْإِيمَانِ لَا عَلَى الِاسْتِكْمَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ ابْنِ سِيرِينَ وَطَاوُسٍ إِنَّمَا كَانَ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا بِهِ (^١) أَصْلًا، وَكَانَ الْآخَرُونَ يَتَسَمَّونَ بِهِ. فَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ كَإِيمَانِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ! فَمَعَاذَ اللَّهِ، لَيْسَ هَذَا طَرِيقَ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ جَاءَتْ كراهيته مفسرة عن عِدَّةٍ مِنْهُمْ.
١٧ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ - أَوْ حُدثتُ عَنْهُ - عَنْ جُويبر عَنِ الضَّحَّاكِ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أَنَا عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ﵉.
١٨ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ
_________________
(١) كذا الأصل، وفيه سقط ظاهر، ولعله «كانوا لا يتسمّون به أصلًا».
[ ٤١ ]
الْمِصْرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عُمَرَ الْجُمَحِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَقَالَ لَهُ إِنْسَانٌ: إِنَّ رَجُلًا فِي مَجَالِسِكَ يَقُولُ: إِنَّ إِيمَانَهُ كَإِيمَانِ جَبْرَائِيلَ! فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ قَدْ فُضِّلَ جِبْرِيلُ ﵇ فِي الثَّنَاءِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَالَ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ، مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١].
١٩ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حُدثنا عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ: أَنَّهُ رَأَى جَارِيَةً تُغَنِّي فَقَالَ: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذِهِ عَلَى إِيمَانِ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ فَقَدْ كَذَبَ».
وَكَيْفَ يَسَعُ أَحَدًا أَنْ يُشَبِّهَ الْبَشَرَ بِالْمَلَائِكَةِ، وَقَدْ عَاتَبَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ أَشَدَّ الْعِتَابِ، وَأَوْعَدَهُمْ أَغْلَظَ الْوَعِيدِ، وَلَا يُعْلَمُ فَعَلَ بِالْمَلَائِكَةِ مِنْ ذَلِكَ
[ ٤٢ ]
شَيْئًا، فَقَالَ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠]. وَقَالَ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية (^١) [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]. وَقَالَ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]. ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ﴾
_________________
(١) وتمامها: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ.
[ ٤٣ ]
﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦]. فَأَوْعَدَهُمُ النَّارَ فِي آيَةٍ، وَآذَنَهُمْ بِالْحَرْبِ فِي أُخْرَى، وَخَوَّفَهُمْ بِالْمَقْتِ فِي ثَالِثَةٍ، وَاسْتَبْطَأَهُمْ فِي رَابِعَةٍ، وَهُوَ فِي هَذَا كُلِّهِ يُسَمِّيهِمْ مُؤْمِنِينَ، فَمَا تَشَبُّهُ هَؤُلَاءِ مِنْ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ مَعَ مَكَانِهِمَا مِنَ اللَّهِ!؟ إِنِّي لَخَائِفٌ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنَ الِاجْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ والجهل بكتابه.