قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:
حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ: «لعنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» (^١).
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «حُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ» (^٢).
وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ: «شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ اللات والعزى» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم ٧٣/ ١ من حديث ثابت بن الضحاك الأنصاري ﵁.
(٢) حديث حسن، أخرجه الدارقطني وأبو نعيم عن ابن مسعود، والبزار وأبو يعلى عن أنس. وله شاهد في «صحيح مسلم «من حديث جابر. انظر الفقرة ١٠٣ من «حجة النبيّ ﷺ» من تأليفي.
(٣) حديث صحيح مرفوعًا إلى النبي ﷺ، ولم أره موقوفًا على عبد الله، وهو ابن مسعود عند الإطلاق، وقد رواه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» ص ١٢٣ من «زوائده» وأبو بكر الشيرازي في «سبعة مجالس من الأمالي» ق ٢/ ١٥ من طريقين عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا به، وأحمد ٢٧٢/ ١ وابن معين في «تاريخه» ق ٢/ ١٦ وابن حبان في «صحيحه» «١٣٧٩ موارد» وأبو بكر الملحمي في «مجلسين من الأمالي» «٢/ ١» وأبو الحسن الأبنوسي في «الفوائد» «٣/ ٢» والواحدي في «الوسيط» «٢٥٥/ ١» والضياء المقدسي في «المنتقى في المنتقى من الأحاديث الصحاح والحسان» ق ٢/ ٢٧٨ عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
[ ٩٦ ]
وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِمَّا يُشَبَّهُ فِيهِ الذنبُ بِآخَرَ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَقَدْ كَانَ فِي النَّاسِ مَنْ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى التَّسَاوِي (^١) بَيْنَهُمَا! وَلَا وَجْهَ لِهَذَا عِنْدِي؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ الذُّنُوبَ بَعْضَهَا أَعْظَمَ مِنْ بَعْضٍ فَقَالَ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَطُولُ ذكرها،
_________________
(١) الأصل: «يحمل على ذلك على التساوي».
[ ٩٧ ]
وَلَكِنَّ وُجُوهَهَا عِنْدِي: أَنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَى عَنْ هَذِهِ كُلِّهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا عِنْدَهُ أَجَلَّ مِنْ بَعْضٍ، يَقُولُ: مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَعَاصِي فَقَدْ لَحِقَ بِأَهْلِ الْمَعَاصِي، كَمَا لَحِقَ بِهَا الْآخَرُونُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، عَلَى قَدْرِ ذَنْبِهِ قَدْ لَزِمَهُ اسْمُ الْمَعْصِيَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَعْظَمَ جُرمًا مِنْ بَعْضٍ. وَفَسَّرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ، حِينَ قال: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله»، ثم قرأ:
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [لحج: ٣٠] (^١). فَقَدْ تَبَيَّنَ لَنَا الشِّرْكُ وَالزُّورُ وَإِنَّمَا تَسَاوَيَا فِي النَّهْيِ (^٢)؛ نَهَى اللَّهُ عَنْهُمَا مَعًا فِي مكانً واحدً، فهما في
_________________
(١) حديث ضعيف، أخرجه أصحاب السنن إلاّ النسائي وأحمد، واستغربه الترمذي، وعلته الجهالة والاضطراب، وقد بيّنت ذلك في «الأحاديث الضعيفة» (١١١٠).
(٢) كذا الأصل.
[ ٩٨ ]
النَّهْيِ مُتساويان وَفِي الْأَوْزَارِ وَالْمَأْثَمِ مُتَفَاوِتَانِ، وَمِنْ هُنَا وَجَدْنَا الْجَرَائِمَ كُلَّهَا أَلَا تَرَى السَّارِقَ يُقطع فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَطْعٌ؟ فَقَدْ يَجُوزُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: هَذَا سارقٌ كَهَذَا، فَيَجْمَعْهُمَا فِي الِاسْمِ، وَفِي رِكُوبِهِمَا الْمَعْصِيَةِ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي الْعُقُوبَةِ عَلَى قَدْرِ الزِّيَادَةِ فِي الذَّنْبِ، وكذلك البكرُ والثيبُ يذنبان فَيُقَالُ هُمَا لِلَّهِ عَاصِيَانِ مَعًا، وَأَحَدُهُمَا أَعْظَمُ ذَنْبًا وَأَجَلُّ عُقُوبَةً مِنَ الْآخَرِ، وَكَذَلِكَ
قَوْلُهُ: «لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» (^١). إِنَّمَا اشْتَرَكَا فِي الْمَعْصِيَةِ حِينَ رَكِبَاهَا، ثُمَّ يَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا بِقَدْرِ ذَنْبِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ
قَوْلُهُ: «حُرمةُ مالِه كحُرمة دَمِهِ» (^٢). وَعَلَى هذا وما أشبه أيضا.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٩٦.
(٢) حديث حسن، وقد مرّ تخريجه ص ٩٦.
[ ٩٩ ]
قال أبو عُبيد: كتبنا هذا الكتاب على مبلغ علمنا، وما انتهى إلينا من الكتاب وآثار النبي ﷺ، والعلماء بعده، وما عليه لغات العرب ومذاهبها، وعلى الله التوكل، وهو المستعان.
قال أبو عبيد: ذكر الأصناف الخمسة الذين تركنا صفاتهم في صدر كتابنا هذا، من تكلم به (!) في الإيمان هم: الجهمية، والمعتزلة، والإباضية، والصفرية، والفضلية (^١).
فقالت الجهمية: الإيمان معرفة الله بالقلب، وإن لم
_________________
(١) الأصل: الصفيرية، والفضيلية»، والتصحيح من المقالات «الإسلاميين» (١٦٩/ ١ / و٣٨١). و«الصفرية»، هم من أصحاب زياد بن الأصفر، والإباضية، بكسر أوله منسوبة إلى عبد الله بن إباض، الذي خرج في أيام الخليفة الأموي مروان بن محمد. والفضلية، لعله نسبة إلى رجل من الخوارج اسمه الفضل. ولم أعرفه.
[ ١٠٠ ]
يكن معها شهادة لسان، ولا إقرار بنبوة، ولا شيء من أداء الفرائض! احتجوا في ذلك بإيمان الملائكة، فقالوا: قد كانوا مؤمنين قبل أن يخلق الله الرسل؟
وقالت المعتزلة: الإيمان بالقلب واللسان مع اجتناب الكبائر، فمن قارف شيئا كبيرا زال عنه الإيمان، ولم يلحق بالكفر، فسمي: فاسقا، ليس بمؤمن ولا كافر، إلا أن أحكام الإيمان جارية عليه!
وقالت الإباضية: الإيمان جماع الطاعات، فمن ترك شيئا كان كافر نعمة، وليس بكافر شرك، واحتجوا بالآية التي في (إبراهيم): ﴿بَدَّلُوا نعمة اللهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٨٢]
وقالت الصفريه - مثل ذلك في الإيمان -: أنه جميع الطاعات، غير أنهم قالوا في المعاصي؛ صغارها وكبارها: كفر وشرك ما فيه إلا المغفور منها خاصة.
[ ١٠١ ]
وقالت الفضلية. - مثل ذلك في الإيمان، أنه أيضا -: جميع الطاعات، إلا أنهم جعلوا المعاصي كلها ما غفر منها وما لم يغفر كفرا وشركا، قالوا: لأن الله جل ثناؤه لو عذبهم عليها كان غير ظالم؛ لقوله: ﴿لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾» [الليل: ١٦].
وهذه الأصناف الثلاثة من فرق الخوارج معا، إلا أنهم اختلفوا في الإيمان، وقد وافقت الشيعة فرقتين منهم، ووافقت الرافضة المعتزلة، ووافقت الزيدية الإباضية.
وكل هذه الأصناف يكسر قولهم ما وصفنا به «باب الخروج من الإيمان بالذنوب»، إلا الجهمية، فإن الكاسر لقولهم قول أهل الملة، وتكذيب القرآن إياهم، حين قال: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
[ ١٠٢ ]
ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٨]، فأخبر الله عنهم بالكفر إذ أنكروا بالألسنة، وقد كانت قلوبهم بها عارفة، ثم أخبر الله ﷿ عن إبليس أنه كان من الكافرين، وهو عارف بالله بقلبه ولسانه أيضا، في أشياء كثيرة يطول ذكرها، كلها ترد قولهم أشد الرد، وتبطله أقبح الإبطال.
تم الكتاب - أعني: الرسالة - وكتب بخطه في شوال سنة ثمان وثمانين وأربع مائة من نسخة الشيخ العفيف أبي محمد عثمان بن أبي نصر بمصر. قوبل به، والحمد لله وحده
[ ١٠٣ ]