قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَمَّا هَذَا الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الذُّنُوبِ وَالْجَرَائِمِ، فَإِنَّ الْآثَارَ جَاءَتْ بِالتَّغْلِيظِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ:
فَاثْنَانِ مِنْهَا فِيهَا نَفْيُ الْإِيمَانِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ.
وَالْآخَرَانِ فِيهَا تَسْمِيَةُ الْكُفْرِ وَذِكْرُ الشِّرْكِ، وَكُلُّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ تَجْمَعُ أَحَادِيثَ ذَوَاتِ عِدَّةٍ.
فَمِنَ النَّوْعِ الَّذِي فِيهِ نَفْيُ الْإِيمَانُ: حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ: "لَا يَزْنِي الرَّجُلُ حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (^٦٣) وَقَوْلُهُ: "مَا هُوَ بِمُؤْمِنٍ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ غَوَائِلَهُ" (^٦٤) وَقَوْلُهُ: "الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ (^٦٥)، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ" وَقَوْلُهُ: "لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ" (^٦٦) وَمِنْهُ قَوْلُهُ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا" (^٦٦) وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁: "إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّهُ يُجَانِبُ الْإِيمَانَ" (^٦٧) وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁: "لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ" (^٦٨) وَقَوْلُ سَعْدٍ: "كُلُّ الْخِلَالِ
_________________
(١) أخرجه الشيخان وابن أبي شيبة في "الإيمان" رقم (٣٨ و٧٢).
(٢) أي المهالك، وهو جمع غائلة.
(٣) أي يمنع من الفتك الذي هو القتل بعد الأمان غدرا، أي كما يمنع القيد من التصرف الإيمان من الغدر. والحديث أخرجه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة. وأبو داود عن يمنع معاوية. وأحمد عن الزبير.
(٤) حديثان صحيحان، أخرجها مسلم من حديث أبي هريرة، وأخرج أيضًا الأول منهما من حديث أبي سعيد أيضًا.
(٥) أخرجه أحمد في "مسنده" (١/ ٥) موقوفًا عليه بسند صحيح.
(٦) هذا صح مرفوعًا من حديث أنس، انظر الحديث (٧) من "الإيمان" لابن أبي شيبة.
[ ٣٦ ]
يُطْبَعُ عَلَيْهَا الْمُؤْمِنُ إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ" (^٦٩) وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ (^٧٠): "لَا يَبْلُغُ أَحَدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَدَعَ الْمِرَاءَ، وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَيَدَعَ الْمُزَاحَةَ فِي الْكَذِبِ".
وَمِنَ النَّوْعِ الَّذِي فِيهِ الْبَرَاءَةُ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا" (^٧١) وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "لَيْسَ مِنَّا مِنْ حَمَلَ السِّلَاحَ عَلَيْنَا" (^٧١) وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا" (^٧٢)، فِي أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ (^٧٣).
وَمِنَ النَّوْعِ الَّذِي فِي تَسْمِيَةِ الْكُفْرِ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ مُطِرُوا، فَقَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ، فَأَمَّا الَّذِي يَقُولُ: مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ، وَالَّذِي يَقُولُ هَذَا رِزْقُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ" (^٧٤) وَقَوْلُهُ ﷺ: "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" (^٧٥) وَقَوْلُهُ: "مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا" (^٧٦) وَقَوْلُهُ: "مَنْ أَتَى سَاحِرًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، أَوْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِي
_________________
(١) إسناده صحيح موقوفا، وقد روي مرفوعًا ولا يصح. انظر الحديث (٧٢) من ابن أبي شيبة والتعليق على الذي قبله.
(٢) لم أره من قول ابن عمر، وقد رواه أبو يعلى من حديث أبيه عمر مرفوعًا بسند فيه نظر. انظر "الترغيب" (٤/ ٢٨)، ورواه أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا كما سبق في التعليق (٣١).
(٣) أخرجهما مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ "من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا". وأخرج الشطر الأول منه من حديث ابن عمر وأبي موسى أيضًا.
(٤) أخرجه أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
(٥) الأصل (القول).
(٦) متفق عليه من حديث زيد بن خالد الجهني.
(٧) متفق عليه من حديث جرير بن عبد الله، رواه البخاري من حديث ابن عمر، وابن عباس وأبي بكر ﵃ أجمعين.
(٨) متفق عليه من حديث ابن عمر.
[ ٣٧ ]
دُبُرِهَا فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا (^٧٧) أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، أَوْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ" وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ (^٧٨): سِبَابُ الْمُؤْمِنِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" وَبَعْضُهُمْ يَرْفَعُهُ (^٧٨).
وَمِنَ النَّوْعِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الشِّرْكِ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: "أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: "الرِّيَاءُ" (^٧٩)، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: "الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا إِلَّا (^٨٠) وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ" وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ: فِي التَّمَائِمِ وَالتِّوَلَةِ (^٨١): إِنَّهَا مِنَ الشِّرْكِ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: "إِنَّ الْقَوْمَ يُشْرِكُونَ بِكَلْبِهِمْ! يَقُولُونَ: كَلْبُنَا يَحْرُسُنَا، وَلَوْلَا كَلْبُنَا لَسُرِقْنَا" (^٨٢).
فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ الْحَدِيثِ، قَدْ كَانَ النَّاسُ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ مِنَ التَّأْوِيلِ:
_________________
(١) الأصل (بما) وهو خطأ ظاهر، والحديث صحيح الإسناد من حديث أبي هريرة، وقد خرجته في "آداب الزفاف" ص (٢٩) طبع المكتب الإسلامي لكن ليس فيه ذكر الساحر.
(٢) وهكذا مرفوعًا أخرجه مسلم في "صحيحه" (١/ ٥٨).
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٨ - ٤٢٩) عن محمد بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: فذكره وزاد "قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال الرياء يقول الله ﷿ لهم يوم القيامة إذا جازى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤن في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟ ". ورجاله ثقات لكن اختلفوا في صحبة محمد بن لبيد.
(٤) يعني - إلا ويعتريه شيء من الوهم - والحديث أخرجه الأربعة وغيرهم من حديث ابن مسعود بسند صحيح.
(٥) بكسر التاء وفتح الواو، ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره. قال ابن الأثير: "جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى". والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن حبان وأحمد من طريقين عن ابن مسعود مرفوعًا إلى النبي ﷺ بلفظ "إن الرقى والتمائم والتولة شرك"، وإسناد الحاكم صحيح كما بينته في "سلسلة الأحاديث الصحيحة".
(٦) رواه ابن أبي حاتم عن شبيب بن بشر حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قوله ﷿: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾ فذكره بنحوه. وهذا سند ضعيف، شبيب هذا أورده الذهبي في "الضعفاء" وقال: "قال أبو حاتم لين الحديث، ومن طريقه رواه ابن جرير عن عكرمة مرسلًا.
[ ٣٨ ]
فَطَائَفِةٌ: تَذْهَبُ إِلَى كُفْرِ النِّعْمَةِ.
وَثَانِيةٌ: تَحْمِلُهَا عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّرْهِيبِ.
وَثَالِثَةٌ: تَجْعَلَهَا كُفْرَ أَهْلِ الرِّدَّةِ.
وَرَابِعَةٌ: تُذْهِبُهَا كُلَّهَا، وَتَرُدُّهَا.
فَكُلُّ هَذِهِ الْوُجُوهِ عِنْدَنَا مَرْدُودَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، لِمَا يَدْخُلُهَا مِنَ الْخَلَلِ وَالْفَسَادِ، وَالَّذِي يَرُدُّ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ مَا نَعْرِفُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ وَلُغَاتِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ كُفْرَانَ النِّعَمِ إِلَّا بِالْجَحْدِ لِأَنْعَامِ اللَّهِ وَآلَائِهِ، وَهُوَ كَالْمُخْبِرِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعُدْمِ، وَقَدْ وَهَبَ اللَّهُ لَهُ الثَّرْوَةَ، أَوْ بِالْسَقَمِ وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالسَّلَامَةِ. وَكَذَلِكَ مَا يَكُونُ مِنْ كِتْمَانِ الْمَحَاسِنِ وَنَشْرِ الْمَصَائِبِ فَهَذَا الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ كُفْرَانًا إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، أَوْ كَانَ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إِذَا تَنَاكَرُوا اصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَهُمْ وَتَجَاحَدُوهُ. يُنَبِّئُكَ عَنْ ذَلِكَ مَقَالَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِلنِّسَاءِ: "إِنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ -يَعْنِي: الزَّوْجَ- وَذَلِكَ أَنْ تَغْضَبَ إِحْدَاكُنَّ، فَتَقُولُ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ" (^٨٣).
فَهَذَا مَا فِي كُفْرِ النِّعْمَةِ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي: الْمَحْمُولُ عَلَى التَّغْلِيظِ، فَمِنْ (^٨٤) أَفْظَعِ مَا تُأوِّلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ أَنْ جَعَلُوا الْخَبَرَ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ دِينِهِ وَعِيدًا، لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَهَذَا يَؤُولُ إِلَى إِبْطَالِ الْعِقَابِ، لِأَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا، كَانَ مُمْكِنًا فِي الْعُقُوبَاتِ كُلِّهَا.
وَأَمَّا الثَّالِثُ: الَّذِي بَلَغَ كُفْرَ الرِّدَّةِ نَفْسِهَا فَهُوَ شَرٌّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ مَذْهَبُ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ مَرَقُوا مِنَ الدِّينِ بِالتَّأْوِيلِ، فَكَفَّرُوا النَّاسَ بِصِغَارِ الذُّنُوبِ وَكِبَارِهَا، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا وَصَفَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمُرُوقِ، وَمَا أَذِنَ فِيهِمْ مِنْ سَفْكِ دِمَائِهِمْ (^٨٥). ثُمَّ قَدْ وَجَدْنَا اللَّهَ ﵎ يُكَذِّبُ مَقَالَتَهُمْ وَذَلِكَ أَنَّهُ
_________________
(١) أخرجه الشيخان عن ابن عباس ﵁.
(٢) الأصل "من".
(٣) يشير إلى حديث علي ﵁ مرفوعًا: "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث =
[ ٣٩ ]
حَكَمَ فِي السَّارِقِ بِقَطْعِ الْيَدِ، وَفِي الزَّانِي وَالْقَاذِفِ بِالْجَلْدِ، وَلَوْ كَانَ الذَّنْبُ يُكَفِّرُ صَاحِبَهُ مَا كَانَ الْحُكْمُ عَلَى هَؤُلَاءِ إِلَّا الْقَتْلُ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" (^٨٦) أَفَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا كُفَّارًا لَمَا كَانَتْ عُقُوبَاتُهُمُ الْقَطْعُ وَالْجَلْدُ؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ فِيمَنْ قَتَلَ مَظْلُومًا: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، فَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ كُفْرًا، مَا كَانَ لِلْوَلِيِّ عَفْوٌّ وَلَا أَخَذَ دِيَةً، وَلَزِمَهُ الْقَتْلُ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الرَّابِعُ: الَّذِي فِيهِ تَضْعِيفُ هَذِهِ الْآثَارِ فَلَيْسَ مَذْهَبَ مَنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، إِنَّمَا هُوَ احْتِجَاجُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ الَّذِينَ قَصُرَ عِلْمُهُمْ عَنِ الِاتِّسَاعِ، وَعَيِيَتْ أَذَهَانُهُمْ عَنْ وُجُوهِهَا، فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا أَهْوَنَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يَقُولُوا: مُتَنَاقِضَةً، فَأَبْطَلُوهَا كُلَّهَا!
وَإِنَّ الَّذِي عِنْدَنَا فِي هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ: أَنَّ الْمَعَاصِيَ وَالذُّنُوبَ لَا تُزِيلُ إِيمَانًا، وَلَا تُوجِبُ كُفْرًا، وَلَكِنَّهَا إِنَّمَا تَنْفِي مِنَ الْإِيمَانِ حَقِيقَتَهُ وَإِخْلَاصَهُ الَّذِي نَعَتَ اللَّهُ بِهِ أَهْلَهُ، وَاشْتَرَطَهُ عَلَيْهِمْ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ فَقَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢ و١١٣]، وَقَالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ *: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ. أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]، وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ
_________________
(١) = الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة". متفق عليه.
(٢) أخرجه البخاري وأصحاب السنن من حديث ابن عباس ﵁ مرفوعًا. وأحمد (٥/ ٢٣١) من حديث معاذ ﵁ وإسناده صحيح على شرط الشيخين. (*) وتمامها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾.
[ ٤٠ ]
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي شَرَحَتْ وَأَبَانَتْ شَرَائِعَهُ الْمَفْرُوضَةَ عَلَى أَهْلِهِ وَنَفَتْ عَنْهُ الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا، ثُمَّ فَسَّرَتْهُ السُّنَّةُ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا خِلَالُ الْإِيمَانِ فِي الْبَابِ الَّذِي فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ، فَلَمَّا خَالَطَتْ هَذِهِ الْمَعَاصِي هَذَا الْإِيمَانَ الْمَنْعُوتَ بِغَيْرِهَا، قِيلَ: لَيْسَ هَذَا مِنَ الشَّرَائِطِ الَّتِي أَخَذَهَا اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: وَلَا الْأَمَانَاتِ (^٨٧) الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا أَنَّهُ الْإِيمَانُ فَنَفَتْ عَنْهُمْ حِينَئِذٍ حَقِيقَتَهُ وَلَمْ يَزُلْ عَنْهُمُ اسْمُهُ.
فَإِنْ قَالَ [قَائِلٌ]: كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وَاسْمُ الْإِيمَانِ غَيْرُ زَائِلٍ عَنْهُ؟ قِيلَ: هَذَا كَلَامُ الْعَرَبِ الْمُسْتَفِيضُ عِنْدَنَا غَيْرُ الْمُسْتَنْكَرِ فِي إِزَالَةِ الْعَمَلِ عَنْ عَامِلِهِ، إِذَا كَانَ عَمَلُهُ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلصَّانِعِ إِذَا كَانَ لَيْسَ بِمُحْكِمٍ لِعَمَلِهِ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا وَلَا عَمِلْتَ عَمَلًا، وَإِنَّمَا وَقَعَ مَعْنَاهُمْ هَاهُنَا [عَلَى] نَفْيِ التَّجْوِيدِ، لَا عَلَى الصَّنْعَةِ نَفْسِهَا، فَهُوَ عِنْدَهُمْ عَامِلٌ بِالِاسْمِ، وَغَيْرُ عَامِلٍ فِي الْإِتْقَانِ، حَتَّى تَكَلَّمُوا بِهِ فِيمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا، وَذَلِكَ كَرَجُلٍ يَعُقُّ أَبَاهُ وَيَبْلُغُ مِنْهُ الْأَذَى، فَيُقَالُ: مَا هُوَ بِوَلَدٍ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ ابْنُ صُلْبِهِ. ثُمَّ يُقَالُ مِثْلُهُ فِي الْأَخِ وَالزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوكِ. وَإِنَّمَا مَذْهَبُهُمْ فِي هَذَا: الْمُزَايَلَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّاعَةِ وَالْبِرِّ.
وَأَمَّا النِّكَاحُ وَالرَّقُ وَالْأَنْسَابُ، فَعَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ أَمَاكِنُهَا وَأَسْمَاؤُهَا، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الذُّنُوبُ الَّتِي يُنْفَى بِهَا الْإِيمَانُ، إِنَّمَا أَحْبَطَتِ الْحَقَائِقُ مِنْهُ الشَّرَائِعَ الَّتِي هِيَ مِنْ صِفَاتِهِ، فَأَمَّا الْأَسْمَاءُ فَعَلَى مَا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا يُقَالُ لَهُمْ إِلَّا: مُؤْمِنُونَ، وَبِهِ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ وَجَدْنَا مَعَ هَذَا شَوَاهِدَ لِقَوْلِنَا مِنَ التَّنْزِيلِ وَالسُّنَّةِ.
فَأَمَّا التَّنْزِيلُ: فَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ حِينَ قَالَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ
_________________
(١) كذا الأصل، ولعله "الأمارات".
[ ٤١ ]
مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
[ ٤٢ ]
٢٥ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَلَكِنْ نَبَذُوا الْعَمَلَ بِهِ".
ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا ذَبَائِحَهُمْ، وَنِكَاحَ نِسَائِهِمْ، فَحَكَمَ لَهُمْ بِحُكْمِ الْكِتَابِ إِذَا كَانُوا [بِهِ] مُقِرِّينَ، وَلَهُ مُنْتَحِلِينَ، فَهُمْ بِالْأَحْكَامِ وَالْأَسْمَاءِ فِي الْكِتَابِ دَاخِلُونَ، وَهُمْ لَهَا بِالْحَقَائِقِ مُفَارِقُونَ، فَهَذَا مَا فِي الْقُرْآنِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ رِفَاعَةُ (^٨٨) فِي الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي صَلَّى صَلَاةً، فَخَفَّفَهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، حَتَّى فَعَلَهَا مِرَارًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "فَصَلِّ" (^٨٩)، وَهُوَ قَدْ رَآهُ يُصَلِّيهَا، أَفَلَسْتَ تَرَى أَنَّهُ مُصَلٍّ بِالِاسْمِ، وَغَيْرُ مُصَلٍّ بِالْحَقِيقَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْمَرْأَةِ الْعَاصِيَةِ لِزَوْجِهَا، وَالْعَبْدِ الْآبِقِ، وَالْمُصَلِّي بِالْقَوْمِ الْكَارِهِينَ (^٩٠) لَهُ إِنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَمِنْهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ أَنَّهُ: "لَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً" (^٩١) وَقَوْلُ عَلِيٍّ ﵇: "لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ" (^٩٢)
_________________
(١) هو رفاعة بن رافع الزرقي وحديثه المذكور أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وهو مخرج في كتابنا "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" رقم (٣٣٧)، وقد يسر الله إتمامه وطبعه في ثمانية مجلدات بالمكتب الإسلامي الزاهر لصاحبه الأخ زهير الشاويش. وأخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة بنحوه.
(٢) الأصل "تصلي".
(٣) الأصل "الكارهون". والحديث أخرجه ابن ماجه وابن حبان في "صحيحه" والضياء في "المختارة" عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ " ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة، إمام قوم وهم له كارهون. . ." الحديث، وله شاهد من حديث أبي أمامة حسنه الترمذي.
(٤) أخرجه أحمد (٢/ ٣٥) من حديث ابن عمر مرفوعًا بلفظ "من شرب الخمر، لم تقبل صلاته أربعين ليلة" ورجاله ثقات وحسنه الترمذي، وأحمد (٢/ ١٩٧) من حديث ابن عمر وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (١٣٧٨).
(٥) لا يصح هذا عن علي، رواه عنه الحارث الأعور، وهو متروك، أخرجه الدارقطني =
[ ٤٢ ]
وَحَدِيثُ عُمَرَ ﵁ فِي الْمُقَدِّمِ ثَقَلَهُ (^٩٣) لَيْلَةَ النَّفْرِ أَنَّهُ: "لَا حَجَّ لَهُ"، وَقَالَ حُذَيْفَةُ: "مَنْ تَأَمَّلَ خَلْقَ امْرَأَةٍ مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ وَهُوَ صَائِمٌ أَبْطَلَ صَوْمَهُ" (^٩٤).
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا وَمَا كَانَ مُضَاهِيًا لَهَا فَهُوَ عِنْدِي عَلَى مَا فَسَّرْتُهُ لَكَ، وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا الْبَرَاءَةُ، فَهِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ: "مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَلَيْسَ مِنَّا"، لَا نَرَى شَيْئًا مِنْهَا يَكُونُ مَعْنَاهُ التَّبَرُّؤُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا مِنْ مِلَّتِهِ، إِنَّمَا مَذْهَبُهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمُطِيعِينَ لَنَا، وَلَا مِنَ الْمُقْتَدِينَ بِنَا، وَلَا مِنَ الْمُحَافِظِينَ عَلَى شَرَائِعِنَا، وَهَذِهِ النُّعُوتُ وَمَا أَشْبَهَهَا (^٩٥) وَقَدْ كَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ: "لَيْسَ مِنَّا": لَيْسَ مِثْلَنَا، وَكَانَ يَرْوِيهِ عَنْ غَيْرِهِ أَيْضًا، فَهَذَا التَّأْوِيلُ وَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَهُ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ فَإِنِّي لَا أَرَاهُ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ إِذَا جَعَلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَيْسَ مِثْلَ النَّبِيِّ ﷺ لَزِمَهُ أَنْ يَصِيرَ مَنْ يَفْعَلُهُ مِثْلَ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَاعِلَ وَالتَّارِكِ، وَلَيْسَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَدِيلٌ وَلَا مَثَلٌ مِنْ فَاعِلٍ ذَلِكَ وَلَا تَارِكِهِ.
فَهَذَا مَا فِي نَفْيِ الْإِيمَانِ وَفِي الْبَرَاءَةِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، إِنَّمَا أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ، وَإِلَيْهِ يَؤُولُ.
وَأَمَّا الْآثَارُ الْمَرْوِيَّاتُ (^٩٦) بِذِكْرِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَوُجُوبِهِمَا بِالْمَعَاصِي، فَإِنَّ مَعْنَاهَا عِنْدَنَا لَيْسَتْ تُثْبِتُ عَلَى أَهْلِهَا كُفْرًا وَلَا شِرْكًا يُزِيلَانِ الْإِيمَانَ عَنْ صَاحِبِهِ، إِنَّمَا وُجُوهُهَا: أَنَّهَا مِنَ الْأَخْلَاقِ وَالسُّنَنِ الَّتِي عَلَيْهَا الْكُفَّارُ وَالْمُشْرِكُونَ، وَقَدْ وَجَدْنَا لِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الدَّلَائِلِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نَحْوًا مِمَّا وَجَدْنَا فِي النَّوْعَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
_________________
(١) = (ص ١٦١) بنحوه، وأخرجه من حديث جابر وأبي هريرة ﵄ مرفوعا بلفظ الكتاب ولا يصح أيضًا.
(٢) الثقل: متاع المسافر.
(٣) قلت: وقد روي مرفوعًا، ولكنه موضوع كما في "اللآلي المصنوعة" للسيوطي.
(٤) كذا الأصل.
(٥) الأصل "المرجيات" والآثار المشار إليها تقدمت (ص ٤٠ - ٤١).
[ ٤٣ ]
فَمِنَ الشَّاهِدِ عَلَى الشِّرْكِ فِي التَّنْزِيلِ: قَوْلُ اللَّهِ ﵎ فِي آدَمَ وَحَوَّاءَ عِنْدَ كَلَامِ إِبْلِيسَ إِيَّاهُمَا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ إِلَى ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩ و١٩٠].
وَإِنَّمَا هُوَ فِي التَّأْوِيلِ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ لَهُمَا: سَمِّيَا وَلَدَكُمَا عَبْدَ الْحَارِثِ (^٩٧)، فَهَلْ لِأَحَدٍ يَعْرِفُ اللَّهَ وَدِينَهُ أَنْ يُتَوَهَّمَ عَلَيْهِمَا الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ مَعَ النُّبُوَّةِ، وَالْمَكَانِ مِنَ اللَّهِ، فَقَدْ سَمَّى فِعْلَهُمَا شِرْكًا، وَلَيْسَ هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ.
وَأَمَّا الَّذِي فِي السُّنَّةِ: فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: "أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ" (^٩٨)، فَقَدْ فَسَّرَ لَكَ بِقَوْلِهِ: (الْأَصْغَرُ) أَنَّ هَاهُنَا شِرْكًا سِوَى الَّذِي يَكُونُ بِهِ صَاحِبُهُ مُشْرِكًا بِاللَّهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ: الرِّبَا بِضْعَةٌ وَسِتُّونَ بَابًا، وَالشِّرْكُ مِثْلُ ذَلِكَ" (^٩٩) فَقَدْ أَخْبَرَكَ أَنَّ فِي الذُّنُوبِ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً تُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ، وَهِيَ غَيْرُ الْإِشْرَاكِ الَّتِي يُتَّخَذُ لَهَا (^١٠٠) مَعَ اللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَلَيْسَ لِهَذِهِ الْأَبْوَابِ عِنْدَنَا وُجُوهٌ إِلَّا أَنَّهَا (^١٠١) أَخْلَاقُ
_________________
(١) يشير المصنف الى حديث "لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث فسمته عبد الحارث، فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره"، ولكنه حديث ضعيف كما كنت بينته في "الأحاديث الضعيفة" (٣٤٢). والضمير في قوله تعالى: (جعلا)، إنما يعود إلى اليهود والنصارى، بذلك فسره الحسن البصري كما رواه ابن جرير بسند صحيح عنه، وهو أولى ما حملت عليه الآية، كما قال الحافظ ابن كثير في تفسيره.
(٢) تقدم تخريجه، فراجعه إن شئت في التعليق رقم (٧٩).
(٣) أخرجه البزار من حديث ابن مسعود مرفوعًا بسند رجاله رجال الصحيح كما قال المنذري والهيثمي. وهو عند ابن ماجه دون ذكر الشرك، وسنده صحيح.
(٤) كذا الأصل ولعل الصواب (فيها).
(٥) الأصل (أنا) ولعل الصواب ما أثبتنا.
[ ٤٤ ]
الْمُشْرِكِينِ، وَتَسْمِيَتُهُمْ، وَسُنَنُهُمْ، وَأَلْفَاظُهُمْ، وَأَحْكَامُهُمْ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ.
وَأَمَّا الْفُرْقَانُ الشَّاهِدُ عَلَيْهِ فِي التَّنْزِيلِ، فَقَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ" (^١٠٢) وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: "كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ".
فَقَدْ تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّهُ (^١٠٣) كَانَ لَيْسَ بِنَاقِلٍ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الدِّينَ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ خَالَطَهُ ذُنُوبٌ، فَلَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا خِلَافُ الْكُفَّارِ وَسُنَّتِهِمْ، عَلَى مَا أَعْلَمْتُكَ مِنَ الشِّرْكِ سَوَاءً، لِأَنَّ مِنْ سُنَنِ الْكُفَّارِ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
تَأْوِيلُهُ عِنْدَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَهُوَ عَلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَانَ بِذَلِكَ الْحُكْمِ كَأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، إِنَّمَا هُوَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَذَلِكَ كَانُوا يَحْكُمُونَ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ: "ثَلَاثَةٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ: الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالنِّيَاحَةُ، وَالْأَنْوَاءُ" (^١٠٤) وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنْ جَرِيرٍ وَأَبِي الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ: "ثَلَاثَةٌ مِنْ سُنَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ: النِّيَاحَةُ، وَصَنْعَةُ الطَّعَامِ، وَأَنْ تَبِيتَ الْمَرْأَةُ فِي أَهْلِ الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِهِمْ" (^١٠٥) وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ [ثَلَاثٌ]: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ،
_________________
(١) الأصل (ملة) والتصويب من (مستدرك الحاكم)، وقد أخرجه (٢/ ٣١٣) من طريق طاوس عن ابن عباس وصححه هو والذهبي.
(٢) كذا الأصل، ولعل الصواب (إذ).
(٣) حديث صحيح، رواه البخاري في "التاريخ" والطبراني في "الكبير" (١/ ١٠٥/ ٢) عن جنادة بن مالك، والبزار عن عمرو بن عوف، وابن جرير عن أبي هريرة وعن أنس بن مالك، وعنه أبو يعلى أيضًا باختصار، بإسناد قوي كما في "الفتح" (٣٧/ ١٢) وهو في البخاري عن ابن عباس ﵁، موقوفًا عليه.
(٤) أما حديث جرير وهو ابن عبد الله البجلى، فقد أخرجه ابن ماجه (١٦١٢) عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير قال "كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام من النياحة" وإسناده صحيح. وأما حديث أبي البحتري - واسمه سعيد بن فيروز تابعي ثقة - فلم أره.
[ ٤٥ ]
وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ" (^١٠٦) وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ: "الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ" (^١٠٧).
لَيْسَ وُجُوهُ هَذِهِ الْآثَارِ كُلِّهَا مِنَ الذُّنُوبِ: أَنَّ رَاكِبَهَا يَكُونُ جَاهِلًا وَلَا كَافِرًا وَلَا مُنَافِقًا وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ، وَمُؤَدٍ لِفَرَائِضِهِ، وَلَكِنْ مَعْنَاهَا أَنَّهَا تَتَبَيَّنُ مِنْ أَفْعَالِ الْكُفَّارِ مُحَرَّمَةٌ مَنْهِيٌّ (^١٠٨) عَنْهَا فِي الْكِتَابِ وَفِي السُّنَّةِ، لِيَتَحَامَاهَا الْمُسْلِمُونَ وَيَتَجَنَّبُوهَا، فَلَا يَتَشَبَّهُوا بِشَيْءٍ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَلَا شَرَائِعِهِمْ وَلَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: "إِنَّ السَّوَادَ خِضَابُ الْكُفَّارِ" (^١٠٩) فَهَلْ يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ يَكْفُرُ مِنْ أَجْلِ الْخِضَابِ؟ وَكَذَلِكَ حَدِيثُهُ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ بِقَوْمٍ يُوجَدُ رِيحُهَا: "أَنَّهَا زَانِيَةٌ" (^١١٠) فَهَلْ يَكُونُ هَذَا عَلَى الزِّنَا الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الْحُدُودُ؟ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: "الْمُسْتَبَّانِ شَيْطَانَانِ يَتَهَاتَرَانِ، وَيَتَكَاذَبَانِ" (^١١١)، أَفَيُتَّهَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَرَادَ الشَّيْطَانَيْنِ اللَّذِينَ هُمْ أَوْلَادُ إِبْلِيسَ؟ إِنَّمَا هَذَا كُلُّهُ عَلَى مَا أَعْلَمْتُكَ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالْأَخْلَاقِ وَالسُّنَنِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ فِيهِ ذِكْرُ كُفْرٍ أَوْ شِرْكٍ لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ فَهُوَ عِنْدَنَا عَلَى هَذَا، وَلَا يَجِبُ اسْمُ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ الَّذِي تَزُولُ بِهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ وَيُلْحَقُ صَاحِبُهُ بِرِدَّةٍ إِلَّا كَلِمَةُ الْكُفْرِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهَا، وَبِذَلِكَ جَاءَتِ الْآثَارُ مُفَسَّرَةً.
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه أبو داود (٤٩٢٧) عن عبد الله وهو ابن مسعود مرفوعا، وإسناده ضعيف.
(٣) كذا الأصل، ولا يخلو من شيء.
(٤) حديث ضعيف أخرجه الطبراني والحاكم وقال الذهبي وغيره: "حديث منكر".
(٥) حديث صحيح، أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم في "صحاحهم" عن أبي موسى الأشعري مرفوعا بلفظ: "أيما امرأة استعطرت، فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية". وأخرجه بنحوه ابو داود والترمذي وصححه.
(٦) حديث صحيح، أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" وابن حبان في "صحيحه" وأحمد عن عياض بن حمار ﵁، وهو في "صحيح الجامع الصغير" رقم (٦٥٧٢) طبع المكتب الإسلامي.
[ ٤٦ ]
٢٧ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُشْبَةَ (^١١٢)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
"ثَلَاثٌ مِنْ أَصْلِ الْإِسْلَامِ: الْكَفُّ عَنْ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا نُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ، وَلَا نُخْرِجُهُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ مِنْ يَوْمِ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ، وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ، وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ كُلِّهَا".
_________________
(١) اسمه يزيد السلمي وهو مجهول كما في "التقريب" والحديث أخرجه ابو داود عن أبي معاوية به.
[ ٤٧ ]
٢٨ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ عَنِ الصَّلْتِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ فِي بَيْتِ مَالِ الْكُوفَةِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "لَا يَبْلُغُ بِعَبْدٍ (^١١٣) كُفْرًا وَلَا شِرْكًا حَتَّى يَذْبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَوْ يُصَلِّيَ لِغَيْرِهِ".
_________________
(١) كذا الاصل، ولعل الصواب "العبد". أو "عبد" والأثر ضعيف الإسناد جدًا، لأن الصلت بن دينار وهو ابو شعيب الهنائي البصري مشهور بكنيته متروك كما في "التقريب".
[ ٤٧ ]
٢٩ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: "جَاوَرْتُ مَعَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِمَكَّةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ: هَلْ كُنْتُمْ تُسَمُّونَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ كَافِرًا؟ فَقَالَ: "مَعَاذَ اللَّهِ"، قَالَ: فَهَلْ تُسَمُّونَهُ: مُشْرِكًا؟ قَالَ: "لَا" (^١١٤).
_________________
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٤٧ ]