قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ: "لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ" (^١١٤)، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "حُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ" (^١١٥) وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ: "شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى" (^١١٦) وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِمَّا يُشَبَّهُ فِيهِ الذَّنْبُ بِآخَرَ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَقَدْ كَانَ فِي النَّاسِ مَنْ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى التَّسَاوِي (^١١٧) بَيْنَهُمَا، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا عِنْدِي؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ الذُّنُوبَ بَعْضَهَا أَعْظَمَ مِنْ بَعْضٍ فَقَالَ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَلَكِنَّ وُجُوهَهَا عِنْدِي أَنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَى عَنْ هَذِهِ كُلِّهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا عِنْدَهُ أَجَلَّ مِنْ بَعْضٍ، يَقُولُ: مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَعَاصِي فَقَدْ لَحِقَ بِأَهْلِ الْمَعَاصِي، كَمَا لَحِقَ بِهَا الْآخَرُونُ؛ لِأَنَّ كُلَّ
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٧٣) من حديث ثابت بن الضحاك الأنصاري ﵁.
(٢) حديث حسن، أخرجه الدارقطني وأبو نعيم عن ابن مسعود، والبزار وأبو يعلى عن أنس. وله شاهد في صحيح مسلم من حديث جابر. انظر الفقرة (١٠٣) من "حجة النبي ﷺ" من تأليفي وطبع المكتب الإسلامي.
(٣) حديث صحيح مرفوعًا إلى النبي ﷺ، ولم أره موقوفًا على عبد الله وهو ابن مسعود عند الإطلاق، وقد رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (ص ١٢٣ من "زوائده")، وأبو بكر الشيرازي في "سبعة مجالس من الأمالي" (ق ١٥/ ٢) من طريقين عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا به، وأحمد (١/ ٢٧٢) وابن معين في "تاريخه" (ق ١٦/ ٢) وابن حبان في "صحيحه" (١٣٧٩ - موارد) وأبو بكر الملحمي في "مجلسين من الأمالي" (١/ ٢) وأبو الحسن الابَّنوسى في "الفوائد" (٢/ ٣) والواحدي في "الوسيط" (١/ ٢٥٥) والضياء المقدسي في "المنتقى من الأحاديث الصحاح والحسان" (ق ٢٧٨/ ٢) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
(٤) الأصل (يحمل على ذلك على التساوي).
[ ٤٨ ]
وَاحِدٍ مِنْهُمْ، عَلَى قَدْرِ ذَنْبِهِ قَدْ لَزِمَهُ اسْمُ الْمَعْصِيَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَعْظَمَ جُرْمًا مِنْ بَعْضٍ، وَفَسَّرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ، حِينَ قَالَ: "عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] " (^١١٨) فَقَدْ تَبَيَّنَ لَنَا الشِّرْكُ وَالزُّورُ، وَإِنَّمَا تَسَاوَيَا فِي النَّهْيِ (^١١٩)، نَهَى اللَّهُ عَنْهُمَا مَعًا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، فَهُمَا فِي النَّهْيِ مُتَسَاوِيَانِ، وَفِي الْأَوْزَارِ وَالْمَأْثَمِ مُتَفَاوِتَانِ، وَمِنْ هُنَا وَجَدْنَا الْجَرَائِمَ كُلَّهَا، أَلَا تَرَى السَّارِقَ يُقْطَعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَطْعٌ؟ فَقَدْ يَجُوزُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: هَذَا سَارِقٌ كَهَذَا، فَيَجْمَعْهُمَا فِي الِاسْمِ، وَفِي رِكُوبِهِمَا الْمَعْصِيَةِ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي الْعُقُوبَةِ عَلَى قَدْرِ الزِّيَادَةِ فِي الذَّنْبِ، وَكَذَلِكَ الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ يَزْنِيَانِ، فَيُقَالُ: هُمَا لِلَّهِ عَاصِيَانِ مَعًا، وَأَحَدُهُمَا أَعْظَمُ ذَنْبًا وَأَجَلُّ عُقُوبَةً مِنَ الْآخَرِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ" (^١٢٠)، إِنَّمَا اشْتَرَكَا فِي الْمَعْصِيَةِ حِينَ رَكِبَاهَا، ثُمَّ يَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا بِقَدْرِ ذَنْبِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: "حُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ" (^١٢١) وَعَلَى هَذَا وَمَا أَشْبَهَ أَيْضًا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كَتَبْنَا هَذَا الْكِتَابَ عَلَى مَبْلَغِ عِلْمِنَا، وَمَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنَ الْكِتَابِ، وَآثَارِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالْعُلَمَاءِ بَعْدَهُ، وَمَا عَلَيْهِ لُغَاتُ الْعَرَبِ وَمَذَاهِبُهَا، وَعَلَى اللَّهِ التَّوَكُّلُ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ.
_________________
(١) حديث ضعيف، أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي وأحمد، واستغربه الترمذي، وعلته الجهالة والاضطراب، وقد بينت ذلك في "الأحاديث الضعيفة " بعد الألف ومائة.
(٢) كذا الأصل.
(٣) تقدم تخريجه (تعليق ١١٤).
(٤) حديث حسن، وقد مر تخريجه (تعليق ١١٥).
[ ٤٩ ]