قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ذِكْرُ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ تَرَكْنَا صِفَاتَهُمْ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا هَذَا، مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ (!) فِي الْإِيمَانِ هُمُ: الْجَهْمِيَّةُ، وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَالْإِبَاضِيَّةُ، وَالصَّفْرِيَّةُ، وَالْفَضْلِيَّةُ (^١٢٢).
_________________
(١) الاصل "الصفيرية، والفضيلية، والتصحيح من "مقالات الإسلاميين" (١/ ١٦٩ و١٨٣). و"الصفرية" هم من أصحاب زياد بن الأصفر و(الإباضية) بكسر أوله منسوبة الى عبد الله بن إباض، الذي خرج في أيام الخليفة الأموي مروان بن محمد. و(الفضلية) لعله نسبة الى رجل من الخوارج اسمه الفضل. ولم أعرفه.
[ ٤٩ ]
فَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: الْإِيمَانُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِالْقَلْبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا شَهَادَةُ لِسَانٍ، وَلَا إِقْرَارٌ بِنُبُوَّةٍ، وَلَا شَيْءَ مِنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ! احْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِإِيمَانِ الْمَلَائِكَةِ، فَقَالُوا: قَدْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الرُّسُلَ!
وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: الْإِيمَانُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ مَعَ اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، فَمَنْ قَارَفَ شَيْئًا كَبِيرًا زَالَ عَنْهُ الْإِيمَانُ، وَلَمْ يَلْحَقْ بِالْكُفْرِ، فَسُمِّيَ: فَاسِقًا لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ، إِلَّا أَنَّ أَحْكَامَ الْإِيمَانِ جَارِيَةٌ عَلَيْهِ!
وَقَالَتِ الْإِبَاضِيَّةُ: الْإِيمَانُ جِمَاعُ الطَّاعَاتِ، فَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا كَانَ كَافِرَ نِعْمَةٍ، وَلَيْسَ بِكَافِرِ شِرْكٍ، وَاحْتَجُّوا بِالْآيَةِ الَّتِي فِي (إِبْرَاهِيمَ): ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨].
وَقَالَتِ الصَّفْرِيَّةُ: مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ: أَنَّهُ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْمَعَاصِي، صِغَارِهَا وَكِبَارِهَا: كُفْرٌ وَشِرْكٌ مَا فِيهِ إِلَّا الْمَغْفُورُ مِنْهَا خَاصَّةً.
وَقَالَتِ الْفَضْلِيَّةُ: مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ، أَنَّهُ أَيْضًا: جَمِيعُ الطَّاعَاتِ، إِلَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا، مَا غُفِرَ مِنْهَا وَمَا لَمْ يُغْفَرْ، كُفْرًا وَشِرْكًا، قَالُوا: لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَوْ عَذَّبَهُمْ عَلَيْهَا كَانَ غَيْرَ ظَالِمٍ لِقَوْلِهِ: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ [الليل: ١٥، ١٦].
وَهَذِهِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ مِنْ فِرَقِ الْخَوَارِجِ مَعًا، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْإِيمَانِ، وَقَدْ وَافَقَتِ الشِّيعَةُ فِرْقَتَيْنِ مِنْهُمْ، وَوَافَقَتِ الرَّافِضَةُ الْمُعْتَزِلَةَ، وَوَافَقَتِ الزَّيْدِيَّةُ الْإِبَاضِيَّةَ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَصْنَافِ يَكْسِرُ قَوْلَهُمْ مَا وَصَفْنَا بِهِ: "بَابُ الْخُرُوجِ مِنَ الْإِيمَانِ بِالذُّنُوبِ"، إِلَّا الْجَهْمِيَّةَ، فَإِنَّ الْكَاسِرَ لِقَوْلِهِمْ قَوْلُ أَهْلِ الْمِلَّةِ، وَتَكْذِيبُ الْقُرْآنِ
[ ٥٠ ]
إِيَّاهُمْ حِينَ قَالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، فَأَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِالْكُفْرِ؛ إِذْ أَنْكَرُوا بِالْأَلْسِنَةِ، وَقَدْ كَانَتْ قُلُوبُهُمْ بِهَا عَارِفَةً، ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ ﷿ عَنْ إِبْلِيسَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَهُوَ عَارِفٌ بِاللَّهِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ أَيْضًا، فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا كُلِّهَا، تَرُدُّ قَوْلَهُمْ أَشَدَّ الرَّدِّ، وَتُبْطِلُهُ أَقْبَحَ الْإِبْطَالِ.
تم الكتاب -أعني الرسالة- وكتب بخطه في شوال سنة ثمان وثمانين وأربع مائة من نسخة الشيخ العفيف أبي محمد عثمان بن أبي نصر بمصر.
قوبل به والحمد لله وحده.
[ ٥١ ]