قال أبو عبيد: أما هذا الذي فيه ذكر الذنوب والجرائم؛ فإن الآثار جاءت بالتَّغليظ على أربعة (^١) أنواعٍ: فاثنان منها فيها نفيُ الإيمان والبراءةُ من النَّبي ﷺ، والآخران فيها تسميةُ الكفر وذكرُ الشِّرك.
وكل نوع من هذه الأربعة تجمع أحاديثَ ذوات عدد (^٢):
فمن النوع الذي فيه نفي الإيمان: حديث النَّبي ﷺ: "لا يزني الرجل حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن" (^٣).
وقوله: "ما هو بمؤمن من لا يأمن جاره غَوائله" (^٤).
وقوله: "الإيمان قَيد الفَتك (^٥)، لا يفتك مؤمنٌ" (^٦).
_________________
(١) في الأصل: "أربع".
(٢) في المطبوع: "عدة".
(٣) أخرجه البخاري (٨/ ١٥٩) (٦٧٨٢) من حديث ابن عباس ﵄، وأخرجه من حديث أبي هريرة ﵁ البخاري (٣/ ١٣٦) (٢٤٧٥)، ومسلم (١/ ٧٦) (٥٧).
(٤) أخرجه البخاري (٨/ ١٠) (٦٠١٦) من حديث أبي شريح ﵁. وبوائقه: شره، كذلك فسره النبي ﷺ، كما في رواية أحمد (١٣/ ٢٦١) (٧٨٧٨) والحاكم (١/ ١٠) له من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) في الأصل: "قيد ليفتك".
(٦) أخرجه من حديث أبي هريرة ﵁: أبو داود (٣/ ١٤٥) (٢٧٦٩)، وابن أبي شيبة (١٤/ ١١٥) (٣٨٤٣١)، والحاكم (١/ ٣٥٣)، عن إسحاق بن منصور عن أسباط بن نصر عن السدي عن أبيه عن أبي هريرة به، وهذا إسناد ضعيف؛ أسباط بن نصر: صدوق كثير الخطأ، والسدي، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة: صدوق يهم، وأبوه: مجهول الحال. =
[ ٨٥ ]
وقوله: "لا يبغض الأنصارَ أحدٌ يؤمن بالله ورسوله" (^١).
ومنه قوله: "والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى تحابُّوا" (^٢).
وكذلك قول أبي بكرٍ الصديق ﵁: "إياكم والكذب؛ فإنه يجانب الإيمان" (^٣).
وقول عمر ﵁: "لا إيمان لمن لا أمانة له" (^٤).
_________________
(١) = وأخرجه من حديث الزبير ﵁: أحمد (٣/ ٤١) (١٤٢٦) و(٣/ ٤٥) (١٤٣٣)، وابن أبي شيبة (١٤/ ١١٥) (٣٨٤٣٢) من طرق عن الحسن عن الزبير به، وهو منقطع؛ الحسن لم يسمع من الزبير، لأن الزبير بدري، والحسن لم يحدث عن بدري مشافهة كما قال قتادة. انظر: الكامل (٧/ ٦٠). وأخرجه من حديث معاوية ﵁: أحمد (٢٨/ ٤٣) (١٦٨٣٢)، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن معاوية ﵁، وخالف عفانًا كل من: سعيد بن سليمان النشيطي كما عند الطبراني (١٩/ ٣١٩)، وعمرو بن عاصم الكلابي كما عند الحاكم (١/ ٣٥٣)، فروياه عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن مروان بن الحكم، عن معاوية به. وهذا أشبه بالصواب كما قال الدارقطني في العلل (٧/ ٦٥). وهو على أية حال ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان. وبمجموع هذه الطرق يصح الحديث. وانظر: صحيح أبي داود (٢٤٧٤).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٨٦) (٧٦) من حديث أبي هريرة ﵁، و(١/ ٨٦) (٧٧) من حديث أبي سعيد ﵁.
(٣) أخرجه مسلم (١/ ٧٤) (٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه أحمد (١/ ١٩٧) (١٦)، وابن أبي شيبة (٨/ ٤٢٥) (٢٥٩٩٤)، والعدني في الإيمان (١٢٢ - ١٢٣) (٥٤ - ٥٦) من طرق عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر. وهذا إسناد صحيح.
(٥) لم أقف عليه من قول عمر ﵁، وقد صح مرفوعًا من حديث أنس كما قال الشيخ، أخرجه =
[ ٨٦ ]
وقول سعد (^١): "كل الخلال يُطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب" (^٢).
وقول ابن عمر: "لا يبلغ أحدٌ حقيقةَ الإيمان حتى يدع المراء، وإن كان محقًّا، ويدَع المزاحة في الكذب" (^٣).
ومن النوع الذي فيه البراءة: قول النَّبي ﷺ: "من غشَّنا فليس منَّا" (^٤).
وكذلك قوله: "ليس منَّا من حمل السلاح علينا" (^٥).
وكذلك قوله: "ليس منَّا من لم يرحم صغيرنا" (^٦).
_________________
(١) = أحمد (٢٠/ ٣٢)، (١٢٥٦٧)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٨٩) (٣٠٨٣٤)، وابن حبان (١/ ٤٢٢ إحسان) (١٩٤).
(٢) في الأصل: "سعيد"، والتصويب من المطبوع.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ٤٢٥) (٢٥٩٩٦)، وابن المبارك في الزهد (٢٨٥) (٨٢٨)، وابن بطة (٢/ ٦٨٩ - ٦٩٠) (٩٠٦ و٩٠٩)، والخلال (٥/ ٢٨) (١٥٢٤ و١٥٢٥)، من طريق سلمة بن كهيل عن مصعب بن سعد عن سعد، وهذا إسناد صحيح.
(٤) لم أقف عليه من قول ابن عمر ﵄، وقد صح مرفوعًا من حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه أحمد (١٤/ ٢٧٨) (٨٦٣٠) و(١٤/ ٣٧١) (٨٧٦٦). انظر: صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٣٩).
(٥) أخرجه مسلم (١/ ٩٨) (١٠١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) أخرجه البخاري (٩/ ٤) (٦٨٧٤)، ومسلم (١/ ٩٨) (٩٨) من حديث ابن عمر ﵁، وأخرجه كذلك: البخاري (٩/ ٤٨) (٧٠٧١)، ومسلم (١/ ٩٨) (١٠٠) من حديث أبي موسى ﵁.
(٧) رواه أحمد (١١/ ٣٤٥) (٦٧٣٣)، والترمذي (٣/ ٤٨٠) (١٩٢٠)، من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وله شواهد من حديث أنس بن مالك، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي أمامة ﵃. وانظر: الصحيحة (٢١٩٦).
[ ٨٧ ]
في أشياء من هذا القبيل (^١).
ومن النوع الذي فيه تسمية الكفر: قول النَّبي ﷺ حين مُطِروا، فقال: "أتدرون ما قال ربكم؟ قال: أصبح من عبادي مؤمنٌ وكافرٌ، فأما الذي يقول: مُطرنا بنجم كذا وكذا؛ كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب، والذي يقول هذا رزق الله ورحمته؛ مؤمنٌ بي كافرٌ (^٢) بالكوكب" (^٣).
وقوله ﷺ: "لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضُكم رقابَ بعض" (^٤).
وقوله: "من قال لصاحبه يا (^٥) كافر فقد باء به أحدهما" (^٦).
وقوله: "من أتى ساحرًا أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول، أو أتى حائضًا أو امرأةً
_________________
(١) في الأصل: "القول"، والتصويب من المطبوع.
(٢) في المطبوع: "وكافر".
(٣) أخرجه البخاري (١/ ١٦٩) (٨٤٦)، ومسلم (١/ ٨٣) (٧١) من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁.
(٤) روي هذا الحديث عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ؛ من حديث جرير بن عبد الله ﵁: أخرجه البخاري (١/ ٣٥) (١٢١)، ومسلم (١/ ٨١) (٦٥). ومن حديث ابن عمر ﵁: أخرجه البخاري (٥/ ١٧٦) (٤٤٠٢)، ومسلم (١/ ٨٢) (٦٦). ومن حديث أبي بكرة ﵁: أخرجه البخاري (٢/ ١٧٦) (١٧٤١)، ومسلم (٣/ ١٣٠٥) (١٦٧٩). ومن حديث ابن عباس ﵄: أخرجه البخاري (٩/ ٥٠) (٧٠٧٩).
(٥) "يا" ساقطة من المطبوع.
(٦) أخرجه البخاري (٨/ ٢٦) (٦١٠٤)، ومسلم (١/ ٧٩) (٦٠) من حديث ابن عمر ﵄. وأخرجه البخاري (٨/ ٢٦) (٦١٠٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٨٨ ]
في دبرها؛ فقد برئ مما (^١) أنزل على محمدٍ ﷺ، أو كفر بما أنزل على محمدٍ ﷺ" (^٢).
وقول عبد الله: "سِبَاب المؤمن فسوقٌ، وقتاله كفرٌ" وبعضهم يرفعه (^٣).
ومن النوع الذي فيه ذكر الشِّرك: قول النَّبي ﷺ: "إن (^٤) أخوف ما أخاف على أمتي الشِّرك الأصغر"، قيل: يا رسول الله، وما الشِّرك الأصغر؟ قال: "الرِّياء" (^٥).
_________________
(١) في الأصل: "بما".
(٢) أخرجه أحمد (١٦/ ١٤٢) (١٠١٦٧)، وأبو داود (٤/ ١٤٥) (٣٩٠٤)، والترمذي (١/ ١٧٨) (١٣٥)، وابن ماجه (١/ ٥٠٦) (٦٣٩)، من طرق عن حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. قال الترمذي: "سألت محمدًا [يعني البخاري] عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من هذا الوجه، وضعف هذا الحديث جدًّا". العلل الكبير (٥٩). وقال البخاري: "هذا حديث لا يتابع عليه ولا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة في البصريين". التاريخ الكبير (٣/ ١٧)، ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٤٠) (٤٤١٥)، من طريق إسماعيل بن عياش، عن سهيل، عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة به. وهذا إسناد ضعيف لجهالة الحارث، ولضعف ابن عياش في الحجازيين؛ فإن سهيلًا وهو ابن أبي صالح: مدني. والحديث صححه الألباني في الإرواء (٢٠٠٦).
(٣) أخرجه النسائي (٧/ ١٣٧) (٤١١٦ - ٤١١٨) و(٤١٢٣ - ٤١٢٤)، من طرق عن ابن مسعود، وصححه الألباني في صحيح النسائي (٤١١٦ - ٤١١٨). وأما المرفوع فأخرجه البخاري (١/ ١٩) (٤٨)، ومسلم (١/ ٨١) (٦٤).
(٤) "إن" ساقطة من المطبوع.
(٥) أخرجه أحمد (٣٩/ ٤٠) (٢٣٦٣١)، والبيهقي في الشعب (٩/ ١٥٤) (٦٤١١)، من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عاصم بن عمر، عن محمود =
[ ٨٩ ]
ومنه قوله: "الطِّيَرة شركٌ وما منَّا إلا … ولكن الله يُذهبه بالتوكل" (^١).
وقول عبد الله في التَّمائم والتِّوَلة: "إنها من الشِّرك" (^٢).
وقول ابن عباس: "إن القوم يشركون بكلبهم يقولون: كلبُنا يحرسنا، ولولا كلبنا لسُرِقنا" (^٣).
فهذه أربعة أنواع من الحديث، قد كان الناس فيها على أربعة أصنافٍ من التأويل: فطائفةٌ تذهب إلى كفر النعمة، وثانيةٌ تحملها على التَّغليظ والتَّرهيب، وثالثةٌ تجعلها كفرَ أهل الرِّدة، ورابعةٌ تُذهبها كلُّها وتَرُدُّها.
فكل هذه الوجوه عندنا مردودةٌ غيرُ مقبولةٍ، لِمَا يدخلها من الخلل والفساد.
فالذي يُرَدُّ به المذهب (^٤) الأول: ما نعرفه من كلام العرب ولغاتها، وذلك
_________________
(١) = ابن لبيد به. وهذا إسناد جيد؛ انظر: الصحيحة (٩٥١).
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٢١٣) (٣٦٨٧) و(٧/ ٢٥٠) (٤١٩٤)، وأبو داود (٤/ ١٤٨) (٣٩١٠)، والترمذي (٣/ ٢٥٨) (١٦١٤)، وابن ماجه (٥/ ١٧٩) (٣٥٣٨)، من طريق سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عيسى بن عاصم، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود ﵁ به. وهذا إسناد صحيح؛ انظر: الصحيحة (٤٢٩).
(٣) أخرجه عبد الله في السنة (١/ ٣٦٥) (٧٩٠)، وقد صح عنه مرفوعًا؛ أخرجه الحاكم (٤/ ٢٤١) (٧٥٠٥)، وأحمد (٦/ ١١٠) (٣٦١٥)، وأبو داود (٤/ ١٣٧) (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٥/ ١٧٣) (٣٥٣٠)، انظر: الصحيحة (٢٩٧٢ و٣٣١).
(٤) أخرج نحوه ابن أبي حاتم (١/ ٦٢) (٢٢٩)، وفيه شبيب بن بشر؛ وثقه ابن معين، وليّنه أبو حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ كثيرًا. التهذيب (٤/ ٣٠٦).
(٥) في المطبوع: "والذي يرد المذهب".
[ ٩٠ ]
أنهم لا يعرفون كفران النعم إلا بالجحد لأنعام الله وآلائه، وهو كالمخبر على نفسه بالعُدْم وقد وهب الله له الثروة، أو بالسُّقْم وقد منَّ الله عليه بالسلامة، وكذلك ما يكون من كتمان المحاسن ونشر المصائب، فهذا الذي تسميه العرب كفرانًا، إن كان ذلك (^١) فيما بينهم وبين الله، أو كان من بعضهم لبعض؛ إذا تَنَاكَروا اصطناعَ المعروف عندهم وتَجَاحَدوه.
ينبئك عن ذلك مقالة النَّبي ﷺ للنساء: "إنكن تُكْثرن اللَّعن، وتَكْفُرن العشير - يعني: الزوج - وذلك أن تغضب إحداكن، فتقول: ما رأيت منك خيرًا قط" (^٢)، فهذا ما في كفر النعمة.
وأما القول الثاني: المحمول على التَّغليظ؛ فمن (^٣) أفظع ما تُؤُوِّل على رسول الله ﷺ وأصحابه؛ أن جعلوا الخبر (^٤) عن الله وعن دينه وعيدًا لا حقيقةَ له، وهذا يؤول إلى إبطال العقاب، لأنه إن أمكن ذلك في واحدٍ منها، كان ممكنًا في العقوبات كلها.
_________________
(١) كذا في الأصل، والأشبه: "سواء كان".
(٢) روي هذا الحديث عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ؛ من حديث أبي سعيد: أخرجه البخاري (١/ ٦٨) (٣٠٤)، ومن حديث ابن عباس ﵄: أخرجه البخاري (١/ ١٥) (٢٩)، ومن حديث ابن عمر ﵄: أخرجه مسلم (١/ ٨٦) (٧٩)، من حديث جابر: مسلم (٢/ ٦٠٣) (٨٨٥)، ومن حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم (١/ ٨٦) (٧٩). وقد ورد أصل الحديث في مواضع أخرى في الصحيحين بدون موضع الشاهد.
(٣) في الأصل: "من".
(٤) في الأصل: "خبر".
[ ٩١ ]
وأما الثالث الذي بلغ به (^١) كفرَ الرِّدة نفسِها؛ فهو شرٌّ من الذي قبله، لأنه مذهب الخوارج الذين مَرَقوا من الدين بالتأويل، فأكفروا (^٢) الناسَ بصغار الذنوب وكبارها (^٣)، وقد علمت ما وصفهم [به] (^٤) رسول الله ﷺ من المروق، وما أذن فيهم من سفك دمائهم (^٥).
ثم قد وجدنا الله ﵎ يكذب مقالتهم؛ وذلك أنه حكم في السارق بقطع اليد وفي الزاني والقاذف بالجلد، ولو كان الذنب يكفر صاحبه ما كان الحكم على هؤلاء إلا القتل، لأن رسول الله ﷺ قال: "من بدَّل دينه فاقتلوه" (^٦)، أفلا ترى أنهم لو كانوا كفَّارًا لما كانت عقوباتهم القطعَ والجلدَ؟
وكذلك قول الله فيمن قُتل مظلومًا: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، فلو كان القتل كفرًا، ما كان للولي عفوٌ (^٧) ولا أخذُ دِيَة، ولزِمَه القتل.
وأما القول الرابع: الذي فيه تضعيف هذه الآثار، فليس مذهبَ من يُعتدُّ بقوله، ولا (^٨) يُلتفت إليه، إنما هو احتجاج أهل الأهواء والبدع؛ الذين قَصُر
_________________
(١) "به" ساقطة من المطبوع.
(٢) في المطبوع: "فكفروا".
(٣) انظر: الفتاوى (١٢/ ٤٧٠).
(٤) زيادة يقتضيها السياق.
(٥) كما في حديث علي ﵁ عند البخاري (٩/ ١٦) (٦٩٣٠)، ومسلم (٢/ ٧٤٦) (١٠٦٦).
(٦) أخرجه البخاري (٤/ ٦١) (٣٠١٧) من حديث ابن عباس ﵄.
(٧) في الأصل: "عفوًا".
(٨) في المطبوع: "فلا".
[ ٩٢ ]
علمهم (^١) عن الاتساع في الآثار (^٢)، وعيِيَت أذهانهم عن وجوهها، فلم يجدوا شيئًا أهونَ عليهم من أن يقولوا: متناقضةٌ، فأبطلوها كلها.
وإن الذي عندنا في هذا الباب كله: أن المعاصي والذنوب لا تزيل إيمانًا، ولا توجب كفرًا، ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقتَه وإخلاصَه الذي نعت الله به أهلَه، واشترطه عليهم في مواضع من كتابه؛ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١ - ١١٢].
وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١].
وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
قال أبو عبيد: فهذه الآيات التي شرحت وأبانت شرائعه المفروضة على أهله ونفت عنه المعاصي كلها، ثم فسَّرته السُّنة بالأحاديث التي فيها خِلال الإيمان في الباب الذي في صدر هذا الكتاب.
_________________
(١) في الأصل: "عملهم"، والتصويب من المطبوع.
(٢) "في الآثار" ساقطة من المطبوع.
[ ٩٣ ]
فلما خالطت هذه المعاصي هذا الإيمان المنعوتَ بغيرها، قيل: ليس هذا من الشرائط التي أخذها الله على المؤمنين، ولا الأمانات (^١) التي يعرف بها أنه الإيمان، فنفت عنهم حينئذ حقيقتَه (^٢) ولم يزُل عنهم اسمُه (^٣).
فإن قال [قائل] (^٤): كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمنٍ، واسم الإيمان غير زائلٍ عنه؟
قيل: هذا كلام العرب المستفيضُ عندنا غير المستنكر في إزالتهم العمل (^٥) عن عامله إذا كان عمله على غير حقيقته، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمُحكم لعمله: ما صنعت شيئًا ولا عملت عملًا، وإنما وقع معناهم هاهنا [على] (^٦) نفي التجويد، لا على الصَّنعة نفسها، فهو عندهم عاملٌ بالاسم، وغير عامل في الإتقان (^٧)، حتى تكلَّموا به فيما هو أكثر من هذا، وذلك كالرجل (^٨) يعق أباه ويبلغ منه الأذى، فيقال: ما هو بولد، وهم يعلمون أنه ابن صُلبه ثم يقال مثله في الأخ، والزوجة، والمملوك.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعله "الأمارات" كما قاله الشيخ ﵀.
(٢) أي الكاملة الكمال الواجب.
(٣) انظر: أصول السنة لابن أبي زمنين (٢٣٢).
(٤) زيادة من المطبوع.
(٥) في المطبوع: "إزالة العمل".
(٦) زيادة من المطبوع.
(٧) انظر: التوحيد لابن خزيمة (١/ ٤٦٦)، منهاج السنة (٥/ ٢٠٦).
(٨) في المطبوع: "كرجل".
[ ٩٤ ]
وإنما مذهبهم في هذا كله (^١): المزايلةُ (^٢) في (^٣) الأعمال الواجبة عليهم من الطاعة والبِرِّ، وأما النكاح والرِّق والأنساب، فعلى ما كانت عليه؛ في أماكنها وأسمائها (^٤).
فكذلك هذه الذنوب التي يُنفى بها الإيمان، إنما أحبطت الحقائقَ منه والشرائعَ (^٥) التي هي من صفاته، فأما الأسماء فعلى ما كانت قبل ذلك، ولا يقال لهم إلا: مؤمنون، وبه الحكم عليهم.
وقد وجدنا مع هذا شواهد (^٦) لقولنا من التَّنزيل والسنة.
فأما التَّنزيل: فقول الله جلَّ ثناؤه في أهل الكتاب، حين قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
٢٧ - قال أبو عبيد: حدثنا الأشجعي، عن مالك بن مغول، عن الشعبي، في هذه الآية قال: "أما إنه كان بين أيديهم، ولكن نبَذوا العمل به" (^٧).
_________________
(١) "كله" ساقطة من المطبوع.
(٢) أي المفارقة، انظر: لسان العرب (١٣/ ٣٣٧).
(٣) في المطبوع: "من".
(٤) في المطبوع: "أماكنها وأسماؤها" بالرفع وإسقاط "في".
(٥) في المطبوع: "الشرائع" بإسقاط الواو، وهو خطأ.
(٦) في الأصل: "شواهدًا".
(٧) إسناد المصنف صحيح، ومن طريقه أخرجه ابن المنذر (٢/ ٥٢٨) (١٢٥١)، وأخرجه ابن أبي حاتم (٣/ ٨٣٧) (٤٦٣٤)، والطبري (٦/ ٢٩٩) من طريقين عن ابن إدريس عن يحيى بن أيوب البجلي، عن الشعبي.
[ ٩٥ ]
ثم أحلَّ الله لنا ذبائحهم، ونكاح نسائهم، فحكم لهم بحكم الكتاب إذ (^١) كانوا [به] (^٢) مقرين، وله منتحلين، فهم بالأحكام والأسماء في الكتاب داخلون، وهم له (^٣) بالحقائق مفارقون، فهذا ما في القرآن.
وأما السنة: فحديث النَّبي ﷺ الذي يحدث به رفاعة في الأعرابي الذي صلَّى صلاة فخفَّفها، فقال له رسول الله ﷺ: "ارجع فصلِّ، فإنك لم تُصلِّ"، حتى فعلها مرارًا كل ذلك يقول: " [لم] (^٤) تصلِّ" (^٥)، وهو قد رآه يصليها، أفلست ترى أنه مصلٍّ بالاسم، وغير مصلٍّ بالحقيقة.
وكذلك في [صلاة] (^٦) المرأة العاصية لزوجها، والعبد الآبق، والمصلي بالقوم الكارهين (^٧) له أنها غير مقبولة (^٨).
_________________
(١) في المطبوع: "إذا".
(٢) زيادة من المطبوع.
(٣) في الأصل: "لها" وهو خطأ، لأن الضمير يرجع إلى الكتاب.
(٤) زيادة يقتضيها السياق، وكان الأصل: "تصلي"، وصوب الشيخ الكلمة إلى "فصلِّ"، والسياق يرجح ما أثبته.
(٥) أخرجه أحمد (٣١/ ٣٢٨) (١٨٩٩٥)، وأبو داود (١/ ٣٧٦) (٨٥٨)، والترمذي (١/ ٣٣٢) (٣٠٢)، والنسائي (٢/ ٥٣٨) (١٠٥٢) و(٢/ ٥٧٤) (١١٣٥). وقد أخرجه البخاري (١/ ١٥٢) (٧٥٧)، ومسلم (١/ ٢٩٨) (٣٩٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) زيادة يقتضيها السياق.
(٧) في الأصل: "الكارهون".
(٨) أخرجه الترمذي (١/ ٣٨٧) (٣٦٠) من حديث أبي أمامة ﵁، بلفظ: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم =
[ ٩٦ ]
ومنه حديث عبد الله بن عمرو (^١) في شارب الخمر أنه: "لا تقبل له صلاة أربعين ليلةً" (^٢).
وقول عليٍّ ﵇: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (^٣).
وحديث عمر ﵁: في المقدِّم ثِقْله ليلة النَّفر أنه: لا حج له (^٤).
_________________
(١) = وهم له كارهون". وإسناده حسن؛ انظر: صحيح الجامع (٣٠٥٧).
(٢) في المطبوع: "عمر".
(٣) أخرجه أحمد (١١/ ٢١٩) (٦٦٤٤) و(١١/ ٤٤١) (٦٨٥٤)، والنسائي (٨/ ٧١٧) (٥٦٨٠)، وابن ماجه (٥/ ٨٠) (٣٣٧٧) من طرق عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا. وصححه الألباني في الصحيحة (٧٠٩).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٤٩٧) (١٩١٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٥) (٣٤٨٥)، من طرق عن أبي حيان، عن أبيه سعيد بن حيان، عن علي ﵁. وسعيد بن حيان مختلف فيه؛ وثقه العجلي (١/ ٣٩٧)، وذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٢٨٠)، ووثقه الذهبي في الكاشف (١٨٧١)، إلا أنه قال في الميزان (٢/ ١٣٢): "لا يكاد يعرف"، وقال ابن القطان في بيان الوهم (٤/ ٤٩٠): "لا تعرف له حال، ولا يعرف من روى عنه غير ابنه". وله طريق أخرى عند الدارقطني (٢/ ٢٩٣) (١٥٥٤) وفيها الحارث الأعور. وقد روي مرفوعًا من حديث أبي هريرة وجابر بن عبد الله وعائشة ﵃، ولا يصح. انظر: التلخيص الحبير (٢/ ٩١٩)، إرواء الغليل (٤٩١).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٦٠٤) (١٥٦١٣)، وابن الجعد في مسنده (١/ ٣٢٢) (١٨٩)، من طريق شعبة عن الحكم، عن إبراهيم، عن عمرو بن شرحبيل، عن عمر. وعمرو لم يسمع من عمر كما قاله أبو زرعة. المراسيل لابن أبي حاتم (١٤٣)، وكذا إبراهيم - وهو النخعي - لم يسمع من عمرو بن شرحبيل التهذيب (١/ ١٧٨). =
[ ٩٧ ]
ومقالة (^١) حذيفة: "من تأمل خَلْق امرأة من وراء الثياب وهو صائمٌ؛ أبطل صومه" (^٢).
قال أبو عبيد: فهذه الآثار كلُّها، وما كان مضاهيًا لها، فهو عندي على ما فسَّرت (^٣) لك (^٤).
وكذلك الأحاديث التي فيها البراءة، فهي مثل قوله: من فعل كذا وكذا
_________________
(١) = وله طريق أخرى عند ابن أبي شيبة (٥/ ٦٠٤) (١٥٦١٠) عن ابن إدريس عن الأعمش عن عمارة عن عمر ﵁، وعمارة في شيوخ الأعمش اثنان: عمارة بن عمير، وعمارة بن القعقاع بن شبرمة، وعلى أية حال فهو منقطع أيضًا، والله أعلم. والثقل: هو متاع المسافر وحشمه، انظر: تهذيب اللغة (٩/ ٨٠).
(٢) في المطبوع: "وقال".
(٣) أخرجه هناد في الزهد (٢/ ٦٥٠) (١٤٢٣)، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٥٦٠) (١١٣٠)، عن عبد الرحمن المحاربي، عن ليث، عن طلحة اليامي، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن حذيفة ﵁. وليث: صدوق اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه فترك. وقد روي مرفوعًا من حديث أنس ﵁ وهو موضوع؛ أخرجه ابن عدي (٢/ ٣٤٢)، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٥٥٩) (١١٢٩).
(٤) في المطبوع: "فسرته".
(٥) من قوله: "وإن الذي عندنا في هذا الباب كله" ص (٩٣) إلى هنا نقله المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٧٧ - ٥٨٢) تنصيصًا، إلا أنه مختلف عما هاهنا بعض الشيء، وفي مطبوعة الكتاب: "قال أبو عبد الله" بدل "قال أبو عبيد" وهو خطأ، لأن المنقول هو من كلام أبي عبيد، وقد سبقه بقوله: "وهكذا فسر أبو عبد الله [كذا]﵀ هذه الأخبار في كتابه المنسوب إليه في الإيمان"، وختمه بقوله: "إلى ههنا كلام أبي عبيد".
[ ٩٨ ]
فليس منَّا (^١)؛ لا نرى شيئًا منها يكون معناه التَّبرُّؤ من رسول الله ﷺ ولا من ملَّته، إنما مذهبه عندنا: أنه ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا، ولا من المحافظين على شرائعنا، فهذه النعوت وما أشبهها (^٢).
وقد كان سفيان بن عيينة يتأول قوله: "ليس منَّا": ليس مثلنا، وكان يرويه عن غيره أيضًا.
فهذا التأويل وإن كان الذي قاله إمامٌ من أئمة العلم، فإني لا أراه، من أجل أنه إذا جعل من فعل ذلك ليس مثل النَّبي ﷺ؛ لزمه أن يصير من يفعله مثل النَّبي ﷺ، وإلا فلا فرْق بين الفاعل والتَّارك، وليس للنبي ﷺ عديلٌ ولا مثلٌ من فاعل ذلك ولا تاركه (^٣).
فهذا ما في نفي الإيمان وفي البراءة من النَّبي ﷺ، إنما أحدهما من الآخر، وإليه يؤُول.
وأما الآثار المرويات (^٤) بذكر الكفر والشِّرك ووجوبهما (^٥) بالمعاصي، فإن معناها عندنا ليست تُثبت على أهلها كفرًا (^٦) ولا شركًا يزيلان الإيمان عن
_________________
(١) مثل ما تقدم ص (٨٧).
(٢) كذا الأصل، ولعل الصواب: "ونحو هذه النعوت وما أشبهها"، وفي المطبوع: "وهذه".
(٣) وممن أنكر هذا التأويل أيضًا: الإمام أحمد، وابن مهدي. انظر: السنة للخلال (٣/ ٥٧٦ - ٥٧٩)، وانظر: الفتاوى (٧/ ٥٢٥).
(٤) في الأصل: "المرجيات".
(٥) في الأصل: "ووجوبها"، والتصويب من المطبوع.
(٦) في الأصل: "الكفر".
[ ٩٩ ]
صاحبه، إنها وجوهها: أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون.
وقد وجدنا لهذين النوعين من الدلائل في الكتاب والسُّنة نحوًا ممَّا وجدنا في النوعين الأولين.
فمن الشاهد على الشِّرك في التَّنزيل: قول الله ﵎ في آدم وحواء عند كلام إبليس إياهما: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ إلى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩ - ١٩٠]، وإنما هو في التأويل أن الشيطان قال لهما: سمِّيا ولدكما عبد الحارث (^١)، فهل لأحد يعرف الله ودينه أن يتوهَّم عليهما الإشراك بالله مع النبوة، والمكانِ من الله، فقد سمَّى فعلهما شركًا، وليس هو الشِّرك بالله.
وأما الذي في السنة: فقول النَّبي ﷺ: "أخوف ما أخاف على أمتي الشِّرك الأصغر" (^٢)، فقد فَسَّر لك بقوله: "الأصغر" أن هاهنا شركًا سوى الذي يكون به صاحبه مشركًا بالله.
ومنه قول عبد الله: "الرِّبا بضعة وستون بابًا، والشِّرك مثل ذلك" (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٣/ ٣٠٥) (٢٠١١٧)، والترمذي (٥/ ١٦٠) (٣٠٧٧)، من طريق عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁ مرفوعًا، ولا يصح انظر: الضعيفة (٣٤٢).
(٢) تقدم تخريجه ص (٨٩)، وهو صحيح.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨/ ٣١٥) (١٥٣٤٧)، وابن أبي شيبة (٧/ ٥٢٠) (٢٢٣٢٢)، وعبد الله في السنة (١/ ٣٦٦) (٧٩١) من طرق عن ابن مسعود. وقد روي مرفوعًا من حديثه، ومن حديث البراء بن عازب، وأبي هريرة ﵃، وصححه الألباني في الصحيحة (١٨٧١).
[ ١٠٠ ]
فقد أخبرك أن في الذنوب أنواعًا كثيرة تسمى بهذا الاسم، وهي غير الإشراك التي يتخذ لها مع الله إلها غيره (^١)، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
فليس لهذه الأبواب عندنا وجوه إلا أنها (^٢) أخلاق المشركين، وتسميتهم، وسننهم، وألفاظهم، وأحكامهم، ونحو ذلك من أمورهم.
وأما الفرقان الشاهد عليه في التَّنزيل: قول الله - جلَّ وعزَّ -: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال (^٣) ابن عباس: "ليس بكفرٍ ينقل عن ملَّة" (^٤).
وقال عطاء بن أبي رباح: "كفرٌ دون كفرٍ" (^٥).
فقد تبيَّن لنا أنه (^٦) كان ليس بناقلٍ عن ملَّة الإسلام أن الدين باق على حاله، وإن خالطه ذنوب، فلا معنى له إلا أخلاق (^٧) الكفار وسنَّتهم، على ما أعلمتك من الشِّرك سواء، لأن من سنن الكفار الحكمَ بغير ما أنزل الله.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: "وهي غير الإشراك الذي يتخذ فيه مع الله إلهٌ غيره".
(٢) في الأصل: "أنا"، والتصويب من المطبوع.
(٣) كذا في الأصل، والمناسب حذف الواو.
(٤) أخرجه الحاكم (٢/ ٣١٣)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٢٢) (٥٧٣)، وهو صحيح، انظر: الصحيحة تحت (٢٥٥٢).
(٥) أخرجه ابن جرير (٨/ ٤٦٤ - ٤٦٥)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٢٢) (٥٧٥)، وإسناده صحيح؛ انظر: الصحيحة تحت (٢٥٥٢).
(٦) كذا في الأصل، ولعل الصواب: "إذ" كما قال الشيخ ﵀.
(٧) في المطبوع: "خلاف" وهو خطأ.
[ ١٠١ ]
ألا تسمع قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، تأويله عند أهل التفسير: أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملَّة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية؛ إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون.
وهكذا قوله: "ثلاثٌ (^١) من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة، والأنواء" (^٢).
ومثله الحديث الذي يروى عن جرير وأبي البختري الطائي: "ثلاثٌ (^٣) من سنَّة الجاهلية: النِّياحة، وصَنعة الطعام، وأن تبيت المرأة في أهل الميت من غيرهم" (^٤).
_________________
(١) في المطبوع: "ثلاثة".
(٢) أخرجه الطبراني (١٧/ ١٩)، والبزار (٨/ ٣٢١) (٣٣٩٤) من طريق كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده عمرو بن عوف ﵁. وكثير وأبوه ضعيفان، وقد رواه مسلم (٢/ ٦٤٤) (٩٣٤) من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ مرفوعًا بلفظ: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية"؛ بزيادة: "الفخر في الأحساب".
(٣) في المطبوع: "ثلاثة".
(٤) أما حديث جرير فأخرجه: أحمد (١١/ ٥٠٥) (٦٩٠٥)، وابن ماجه (٣/ ١٢٤) (١٦١٢)، والطبراني (٢/ ٣٠٧) (٢٢٧٩)، من طريق هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير مرفوعًا بلفظ: "كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة". وصححه النووي (٥/ ٢٩٠)، والبوصيري في الزوائد (١/ ٥٣٥)، والألباني في أحكام الجنائز (٢١٠). وأما حديث أبي البختري الطائي: فأخرجه: عبد الرزاق (٣/ ٥٥٩) (٦٦٨٩)، وابن أبي شيبة (٤/ ٤٧٨) (١١٤٥٤)، عن الثوري عن هلال بن خباب عن أبي البختري موقوفًا عليه، وهو من ثقات التابعين.
[ ١٠٢ ]
وكذلك الحديث في آية المنافق (^١): "إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" (^٢).
وقول عبد الله: "الغناء ينْبت النِّفاق في القلب" (^٣).
ليس وجوه هذه الآثار كلِّها في الذنوب (^٤): أن راكبها يكون جاهلًا ولا كافرًا ولا منافقًا وهو مؤمن بالله وما جاء من عنده، ومؤد لفرائضه، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار (^٥)، محرمةٌ منهيٌّ عنها في الكتاب وفي السنة، ليتحاماها المسلمون ويتجنَّبوها، فلا يتشبهوا بشيءٍ من أخلاقهم ولا شرائعهم.
ولقد رُوي في بعض الحديث: "إن السَّواد خِضاب الكفار" (^٦)، فهل يكون لأحدٍ أن يقول: إنه يكفر من أجل الخِضاب؟
_________________
(١) في المطبوع: "وكذلك الحديث: آية المنافق ثلاث".
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٦) (٣٣)، ومسلم (١/ ٧٨) (٥٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٢٩) (٦٨٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٢٢٣) (٢١٥٣٥)، من طريق الحكم، عن حماد، عن إبراهيم قال: قال ابن مسعود، وإبراهيم لم يدرك ابن مسعود ﵁. وله طرق أخرى لا تخلو من كلام، وانظر الكلام على تصحيحه في تحريم آلات الطرب (١٤٥). وقد روي مرفوعًا ولا يصح. وانظر: الضعيفة (٢٤٣٠).
(٤) في المطبوع: "من الذنوب".
(٥) كذا في الأصل، والسياق يقتضي حذف كلمة: "تتبين".
(٦) أخرجه الحاكم (٣/ ٥٢٦) من طريق داود بن رشيد، عن إسماعيل بن عياش، عن سالم بن عبد الله الكلاعي، عن أبي عبد الله القرشي، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا. قال الذهبي: "حديث منكر، والقرشي نكِرَهُ ابن عيينة". وقال ابن أبي حاتم: "حديث =
[ ١٠٣ ]
وكذلك حديثه في المرأة إذا استعطرت، ثم مرَّت بقومٍ يوجد ريحُها: "أنها زانية" (^١)، فهل يكون هذا على الزِّنا الذي تجب فيه الحدود؟
ومثله قوله: "المستبَّان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان" (^٢)، أفيُتَّهم عليه (^٣) أنه أراد الشياطين (^٤) الذين هم أولاد إبليس؟
إنما هذا كلُّه على ما أعلمتك من الأفعال والأخلاق والسُّنن، وكذلك كل ما كان فيه ذكر كفرٍ (^٥) أو شركٍ لأهل القبلة فهو عندنا على هذا.
_________________
(١) = منكر شبه الموضوع، وأحسبه من أبي عبد الله القرشي الذي لم يُسم". الجرح والتعديل (٤/ ١٨٥).
(٢) أخرجه أحمد (٣٢/ ٤٨٣) (١٩٧١١) و(٣٢/ ٥٢٣) (١٩٧٤٧)، وأبو داود (٤/ ٢٥٨) (٤١٧٣)، والترمذي (٤/ ٤٨٧) (٢٧٨٦)، والنسائي (٨/ ٥٣٢) (٥١٤١)، من طرق عن ثابت بن عمارة، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى الأشعري ﵁ مرفوعًا. وهذا إسناد حسن لحال غنيم؛ فإنه صدوق فيه لين. وحسنه الألباني صحيح الجامع (٢٧٠١).
(٣) أخرجه أحمد (٢٩/ ٣١) (١٧٤٨٣)، وابن حبان (١٣/ ٣٤) (٥٧٢٦)، من طرق عن قتادة، عن مطرف، عن عياض بن حمار ﵁ مرفوعًا. وأخرجه أحمد كذلك (٣٠/ ٢٨٥) (١٨٣٤٢)، والبخاري في الأدب المفرد (١/ ٢١٨) (٤٢٧)، من طرق عن قتادة، عن يزيد أخي مطرف، عن عياض ﵁ به. وهذا إسناد صحيح؛ انظر: صحيح الجامع (٦٦٩٦).
(٤) كذا في الأصل، ولعل الصواب: "أفَيفهم عنه".
(٥) في الأصل: "الشيطان".
(٦) في الأصل: "كفرًا".
[ ١٠٤ ]
ولا يجب اسم الكفر والشِّرك الذي تزول به أحكام الإسلام، ويلحق صاحبه الرِّدة (^١) إلا بكلمة الكفر خاصَّة دون غيرها (^٢)، وبذلك جاءت الآثار مفسرة.
٢٨ - قال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية، عن جعفر بن برقان، عن ابن أبي نُشْبة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثٌ من أصل الإسلام: الكفُّ عمَّن قال: لا إله إلا الله؛ لا نكفِّره بذنبٍ، ولا نخرجه من الإسلام بعملٍ، والجهاد ماضٍ من يوم بعثني اللهُ إلى أن يقاتل آخرُ أمتي الدَّجال، لا يبطله جورُ جائرٍ، ولا عدلُ عادلٍ، والإيمان بالأقدار كلِّها" (^٣).
٢٩ - قال أبو عبيد: حدثنا عباد بن عباد، عن الصلت بن دينار، عن أبي عثمان النهدي، قال: دخلت على ابن مسعود وهو في بيت مال الكوفة فسمعته يقول: "لا يبلغ بعبدٍ كفرًا ولا شركًا حتى يذبح لغير الله، أو يصلِّي لغيره" (^٤).
_________________
(١) في المطبوع: "بردة".
(٢) لا يفهم من كلام المصنف ﵀ أنه يحصر الكفر فقط بالقول الكفري، دون ما يكون من كفر الاعتقاد أو العمل، وإنما مقصوده أن الكفر إنما يحصل بالأمر المكفِّر - قولًا كان أو عملًا أو اعتقادًا - دون غيره من المعاصي والموبقات التي لم تصل حدَّ الكفر الأكبر. ويدل على ذلك ما ساقه من الآثار تفسيرًا لما قرره؛ ففي حديث أنس وجابر: النهي عن تكفير أهل القبلة بالمعاصي، وفي أثر ابن مسعود: التكفير بالذبح والصلاة لغير الله، وهما من كفر العمل لا القول.
(٣) إسناد المصنف ضعيف، لجهالة يزيد بن أبي نُشْبة. التقريب (٧٨٣٨)، الكاشف (٦٣٦١)، وأخرجه كذلك: أبو داود (٣/ ٣٠) (٢٥٣٢)، وأبو يعلى (٧/ ٢٨٧) (٤٣١١ و٤٣١٢)، من طرق عن أبي معاوية به، وانظر: ضعيف الجامع (٢٥٣٢).
(٤) إسناد المصنف ضعيف جدًّا كما قال الشيخ؛ الصلت بن دينار، وهو الأزدي الهنائي =
[ ١٠٥ ]
٣٠ - قال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، قال: جاورت مع جابر بن عبد الله بمكة ستَّة أشهر، فسأله رجلٌ: هل كنتم تسمُّون أحدًا من أهل القبلة كافرًا؟ فقال: "مَعاذ الله"، قال: فهل تسمُّونه: مشركًا؟ قال: "لا" (^١).
_________________
(١) = البصري، أبو شعيب المجنون: متروك. التقريب (٢٩٦٣).
(٢) إسناد المصنف صحيح على شرط مسلم كما قال الشيخ، وأخرجه كذلك: أبو يعلى (٤/ ٢٠٧) (٢٣١٧)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٢٣٠) (٧٣٥٤)، من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁ به.
[ ١٠٦ ]