٢٠ - قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن جامع بن شدَّاد، عن الأسود بن هلال، قال: قال معاذ بن جبل لرجل: "اجلس بنا نؤمن ساعة"، يعني: نذكر الله (^٢).
وبهذا القول كان يأخذ سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس، يرون أعمال البِرِّ جميعًا من الازدياد في الإسلام، لأنها كلها عندهم منه.
وحجَّتهم في ذلك ما وصف الله به المؤمنين في خمسة (^٣) مواضع من كتابه؛ منه قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١].
_________________
(١) زيادة الإيمان ونقصانه مما أجمع عليه أهل السنة، وقد نقل إجماعهم على ذلك جمعٌ من أهل العلم، منهم: يحيى بن سعيد القطان، والإمام أحمد، ويعقوب بن سفيان الفسوي وابن جرير الطبري، وابن عبد البر، وابن أبي زيد القيرواني، وعبد الغني المقدسي، وشيخ الإسلام وابن القيم وغيرهم، رحم الله الجميع. انظر: زيادة الإيمان ونقصانه للشيخ عبد الرزاق البدر (١٢٣ - ١٢٧). ويلاحظ أن المصنف ذكر ما يتعلق بزيادة الإيمان، ولم يذكر ما يتعلق بنقصه.
(٢) إسناد المصنف صحيح، وعلقه البخاري مجزومًا به (١/ ١١)، ووصله كذلك ابن أبي شيبة (١٠/ ٣٠١) (٣٠٨٨٠)، وعبد الله في السنة (١/ ٣٦٨) (٧٩٦)، وابن بطة (٢/ ٨٤٧) (١١٣٥)، واللالكائي (٥/ ١٠١٤) (١٧٠٦ و١٧٠٧)، من طرقٍ عن جامع بن شداد به.
(٣) في الأصل: "خمس".
[ ٦٣ ]
وقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].
وموضعان آخران قد ذكرناهما في الباب الأول (^١).
فاتَّبع أهل السُّنة هذه الآيات، وتأوَّلوها أن الزيادات هي الأعمال الزاكية.
وأما الذين رأوا الإيمان قولًا ولا عمل؛ فإنهم ذهبوا في هذه الآيات إلى أربعة أوجه:
أحدها: أن قالوا: أصلُ الإيمان الإقرارُ بجُمَل الفرائض، مثل الصلاة والزكاة وغيرها، والزيادةُ بعد هذه الجمل؛ وهو (^٢) أن تؤمنوا بأن هذه الصلاة المفروضة (^٣) هي خمس، وأن الظهر هي أربع ركعات، والمغرب ثلاث (^٤)، وعلى هذا رأوا سائر الفرائض.
والوجه الثاني: أن قالوا: أصلُ الإيمان الإقرارُ بما جاء من عند الله، والزيادة تمكنٌ من ذلك الإقرار.
والوجه الثالث: أن قالوا: الزيادة في الإيمان: الازدياد من اليقين.
والوجه الرابع: أن قالوا: إن الإيمان لا يزداد أبدا، ولكن الناس يزدادون منه.
وكل هذه الأقوال لم أجد لها مصدِّقًا في تفسير الفقهاء، ولا في كلام العرب.
_________________
(١) انظر ما تقدم ص (٣٤).
(٢) كذا في الأصل، والأصح - والله تعالى أعلم -: "وهي" لأن الضمير عائد على الزيادة لا على الأصل.
(٣) في الأصل: "مفروضة".
(٤) في المطبوع: "ثلاثة".
[ ٦٤ ]
فالتفسير ما ذكرناه عن معاذ حين قال: "اجلس بنا نؤمن ساعة"، فيُتَوَهَّم على مثله أن يكون لم يعرف الصلوات الخمس، ومبلغ ركوعها وسجودها إلا بعد رسول الله ﷺ (^١)، وقد فضَّله النَّبي ﷺ على كثير من أصحابه في العلم بالحلال والحرام، ثم قال: "يتقدم العلماء برَتْوة" (^٢)؟ هذا لا يتأوله أحدٌ يعرف معاذًا.
_________________
(١) أي: بعد وفاته ﷺ.
(٢) أخرجه بهذا السياق - كونه أعلم الصحابة بالحلال والحرام وكونه يتقدم العلماء برتوة -: الطبراني في الصغير (١/ ٢٠١) ومن طريقه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٤٣٧) عن علي بن جعفر الملحمي الأصبهاني، عن محمد بن الوليد العباسي، عن عثمان بن زفر، عن مندل بن علي، عن ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁. قال الطبراني: "لم يروه عن ابن جريج إلا مندل". ومندل ضعيف؛ ضعفه: أحمد، وابن معين، ويعقوب بن شيبة، وأبو زرعة، والنسائي، والدارقطني وغيرهم. وأما كونه أعلم الصحابة بالحلال والحرام فأخرجه: الترمذي (٦/ ١٢٧) (٣٧٩١)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٧٨) (٨٢٨٧)، وابن ماجه (١/ ١٦١) (١٥٤)، من طرق عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حدثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه الترمذي كذلك (٦/ ١٢٧) (٣٧٩٠) من وجه آخر؛ عن سفيان بن وكيع عن حميد بن عبد الرحمن عن داود العطار عن معمر عن قتادة عن أنس ﵁. وأما كونه يتقدم العلماء برتوة فأخرجه: أحمد (١/ ٢٦٣) (١٠٨) من طريق شريح بن عبيد، وراشد بن سعد وغيرهما عن عمر به وهو منقطع بينهما وبين عمر ﵁. وأخرجه كذلك: ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٠١)، عن عبد الله بن نمير، عن سعيد بن أبي عروبة عن شهر بن حوشب عن عمر ﵁ موقوفًا - إلا أن له حكم الرفع كما لا =
[ ٦٥ ]
وأما في اللغة: فإنا لم نجد المعنى فيه يحتمل تأويلهم، وذلك كرجل (^١) أقرَّ لرجل (^٢) بألف درهمٍ له عليه، ثم بيَّنها، فقال: مائة منها في جهة كذا، ومائتان في جهة كذا، حتى استوعب الألف، ما كان هذا يسمى زيادة، وإنما يقال له: تلخيصٌ وتفصيلٌ، وكذلك لو لم يلخِّصها، ولكنه ردَّد ذلك الإقرار مرَّات، ما قيل له زيادة أيضًا، وإنما هو تكرير وإعادة، لأنه لم يغيِّر المعنى الأول، ولم يزِد فيه شيئًا.
_________________
(١) = يخفى -. وفيه علتان: ضعف شهر، والانقطاع بينه وبين عمر ﵁. وأخرجه كذلك: ابن شبة في تاريخ المدينة المنورة (٣/ ٨٨٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٢٩) من طريق ضمرة بن ربيعة، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبي العجفاء عن عمر ﵁ مرفوعًا. وأبو العجفاء مختلف فيه؛ وثقه ابن معين، والدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال البخاري: في حديثه نظر. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس حديثه بالقائم انظر: التهذيب (١٢/ ١٦٥)، وقال الحافظ: مقبول. التقريب (٨٣٠٩). ومهما يكن؛ فللحديث شواهد مرسلة عن عدة من التابعين مختلفة المخارج؛ عن محمد بن كعب القرظي، وأبي عون، والحسن البصري. انظرها في الصحيحة (١٠٩١). قال الإمام الألباني - أعلى الله درجته في الجنة - الصحيحة (٣/ ٨٢): "وبالجملة فالحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا شك، ولا يرتاب في ذلك من له معرفة بهذا العلم الشريف". ومعنى: "يتقدم العلماء برتوة": أي: برمية سهْم، وقيل: بمِيل، وقيل: بخطوة، وقيل: مدى البصر. انظر: غريب الحديث للمصنف (٥/ ١٥٨)، النهاية (٢/ ١٩٥).
(٢) في الأصل: "لرجل".
(٣) في المطبوع: "أقرَّ له رجل".
[ ٦٦ ]
فأما الذين قالوا: يزداد من الإيمان، ولا يكون الإيمان هو الزائد (^١)، فإنه مذهبٌ غير موجود؛ لأن رجلًا (^٢) لو وُصِف مالُه فقيل: هو ألفٌ، ثم قيل: إنه ازداد مائة بعدها، ما كان له معنى يفهمه الناس إلا أن يكون المائة هي الزائدة على الألف، وكذلك سائر الأشياء، فالإيمان مثلها، لا يزداد الناس منه شيئًا إلا كان ذلك الشيء هو الزائد في الإيمان.
وأما الذين جعلوا الزيادة ازديادَ اليقين فلا معنى لهم؛ لأن اليقين من الإيمان، فإذا كان الإيمان عندهم كله برمته إنما هو الإقرار، ثم استكمله هؤلاء المقرُّون بإقرارهم، أفليس قد أحاطوه باليقين من قولهم؟ فكيف يزداد من شيء قد استُقصي وأُحيط به؟!
أرأيتم رجلًا نظر إلى النهار بالضحى حتى أحاط عليه كله بضوئه، هل كان يستطيع أن يزداد يقينًا بأنه نهار، ولو اجتمع عليه الإنس والجن؟ هذا يستحيل ويخرج مما (^٣) يعرفه الناس (^٤).
_________________
(١) في المطبوع: "الزيادة".
(٢) في الأصل: "لأن جلا".
(٣) كذا في الأصل، والأشبه: عما.
(٤) قد يفهم من تقرير المصنف في هذا الباب أنه يحصر زيادة الإيمان بزيادة الأعمال دون التصديق القلبي واليقين ونحوهما من وجوه زيادة الإيمان؛ فإنه ذكر عن سفيان والأوزاعي ومالك أنهم يرون أعمال البر جميعًا من الازدياد في الإسلام لأنها كلها عندهم منه، ثم ذكر أن أهل السنة تأوَّلوا أدلة زيادة الإيمان أن الزيادات هي الأعمال الزاكية، ثم ذكر تأويلات المرجئة وجعل سببها قولهم بعدم دخول العمل في الإيمان، وهذا مشكل لوجوه: =
[ ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأول: أن زيادة الإيمان غير مقصورة على الأعمال، بل تتعداها إلى غيرها من أجزاء الإيمان كما دلت عليه النصوص، وبيَّنه أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام. الفتاوى (٧/ ٢٣٢ - ٢٣٧ و٥٦٢ - ٥٧٠). الثاني: أن واقع الأمر يخالف هذا؛ فالوعيدية من الخوارج والمعتزلة يرون الأعمال من الإيمان، ومع هذا فلا يقولون بزيادته ونقصه. الثالث: أن بعض من يرى أن العمل غير داخل في مسمى الإيمان يقول بزيادة الإيمان، وإن كان لا يقول بنقصه. انظر: زيادة الإيمان ونقصانه للشيخ عبد الرزاق البدر (٤٣٦ - ٤٣٧).
[ ٦٨ ]