أخبرنا الشيخ أبو محمد؛ عبد الرحمن بن عثمان بن معروف - أعني ابن أبي نصر (^١) - في داره بدمشق، في صفر سنة عشرين وأربع مائة، قال: حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن [إبراهيم الأذرعي (^٢)، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله
_________________
(١) هو الشيخ، الإمام، المعدل، الرئيس، مسند الشام، أبو محمد، عبد الرحمن بن أبي نصر عثمان بن القاسم بن معروف بن حبيب التميمي الدمشقي الملقب: بالشيخ العفيف. ولد في شهر رمضان من سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وتوفي يوم الأربعاء، الثاني من جمادى الآخرة - بعد الظهر - من سنة عشرين وأربعمائة. قال تلميذه عبد العزيز الكتاني: لم ألْقَ شيخًا مثله؛ زهدًا وورعًا وعبادةً ورئاسةً، وكان ثقةً عدلًا مأمونًا رضًا. انظر: تاريخ دمشق (٣٥/ ١٠١)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٦٦). وعلى هذا يكون ابن أبي نصر قد روى هذا الكتاب قبل وفاته بأربعة أشهر أو أقل.
(٢) هو الإمام المحدث، الرباني، القدوة، أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن هاشم النهدي الأذرعي، شيخ دمشق. توفي يوم النحر سنة أربع وأربعين وثلاث مائة، وهو ابن نيِّف وتسعين سنة. قال أبو الحسين الرازي: "كان من جلة أهل دمشق، وعبادها وعلمائها". وقال ابن عساكر: "أحد الثقات من عباد الله الصالحين". انظر: تاريخ دمشق (٨/ ١٦٦)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٧٨).
[ ٢٧ ]
ابن جعفر بن] (¬*) أحمد بن بحر (^١) العسكري - صاحب أبي عبيد القاسم بن سلَّام - هذه الرسالة وأنا أسمع.
قال أبو عبيد:
أما بعد، فإنك كنت تسألني عن الإيمان، واختلاف الأمة في استكماله، وزيادته ونقصه، وتذكر أنك أحببت معرفة ما عليه أهل السُّنة من ذلك، وما الحجة على من فارقهم فيه؟ (^٢).
فإن هذا - رحمك الله - خطْبٌ قد تكلم فيه السلف من (^٣) صدر هذه الأمة وتابعيها، ومن بعدهم إلى يومنا هذا، وقد كتبت إليك بما انتهى إليَّ علمُه من ذلك مشروحًا مُخَلَّصًا، وبالله التوفيق.
_________________
(١) (¬*) ساقط من المطبوع.
(٢) في الأصل: "يحيى"، والتصويب من ترجمة المصنف في تاريخ دمشق (٤٩/ ٥٩)، وتهذيب الكمال (٢٣/ ٣٥٦)، ولم أقف له على ترجمة.
(٣) وهذا الرجل الذي سأل أبا عبيد هو: أبو صالح رجاء بن عبد الله الصاغاني، وقد روي الكتاب من طريقه كما عند ابن الحطاب في مشيخته (٢٢٠)، وبهذا يكون لـ "كتاب الإيمان" روايتان. ولعل هذا يفسر الاختلاف الواقع في العبارات بين ما في الكتاب هنا، وبين ما ينقله عنه شيخ الإسلام وابن نصر - كما سيأتي -، وتكون النسخة التي من رواية الصاغاني هي التي وقعت لهما. وإن كان يضعفه عدم وجود ما نقله الحافظ من الكتاب - كما سيأتي أيضًا -، مع كونه وقع له من طريق هذه النسخة نفسه، والله أعلم.
(٤) في المطبوع: "في".
[ ٢٨ ]
اعلم - رحمك الله - أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين (^١)، فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب، وشهادة الألسنة، وعمل الجوارح، وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنما (^٢) هي تقوى وبر، وليست من الإيمان.
وإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين، فوجدنا الكتاب والسُّنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعًا، وينفيان ما قالت الأخرى.
والأصل الذي هو حجَّتنا في ذلك: اتباعُ ما نطق به القرآن، فإن الله تعالى ذكره علوًّا كبيرًا قال في مُحكم كتابه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
_________________
(١) يلاحظ إدخال المصنف مرجئةَ الفقهاء في زمرة أهل العلم والعناية بالدين، وهذا من إنصافه ﵀، فإن منهم علماء وفقهاء، فأول من قال به: حماد بن أبي سليمان، وتلقاه عنه أبو حنيفة - رحمهما الله -، وهما من أهل العلم، ولا شك في بطلان مذهبهم وفساده إلا أن لهم حججًا شرعية بسببها اشتبه الأمر عليهم. قال شيخ الإسلام ﵀: "وهذه الشبهة التي أوقعتهم مع علم كثير منهم وعبادته وحسن إسلامه وإيمانه، ولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين، ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدًا من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد". الفتاوى (٧/ ٣٩٤)، وانظر: (٧/ ١٩٤) منه، وانظر كذلك ما يأتي ص (٧٧).
(٢) في الأصل: "فإنها"، والتصويب من المطبوع.
[ ٢٩ ]
وإنا ردَدْنا الأمر إلى ما ابتعث الله عليه رسوله ﷺ وأنزل به كتابه؛ فوجدناه قد جعل بدء الإيمان: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ، فأقام النَّبي ﷺ على ذلك (^١) بمكة بعد النبوة عشر سنين، أو بضع عشرة سنة (^٢)؛ يدعو إلى هذه الشهادة خاصة، وليس الإيمان المفترض على العباد يومئذٍ سواها، فمن أجاب إليها كان مؤمنًا، لا يلزمه اسم في الدين غيره، وليس يجب عليهم زكاة، ولا صيام، ولا غير ذلك من شرائع الدين.
وإنما كان هذا التخفيف عن الناس يومئذ فيما يرويه العلماء: رحمةً من الله لعباده وترفُّقًا (^٣) بهم، لأنهم كانوا حديث عهد بالجاهلية (^٤) وجفائها، ولو حَمَّلهم الفرائض كلها معًا نفرت منه قلوبهم، وثقلت على أبدانهم، فجعل ذلك الإقرار بالألسُن وحدها هو الإيمان المفترض على الناس يومئذٍ، فكانوا على ذلك إقامتهم بمكة كلها، وبضعة عشر شهرًا بالمدينة بعد (^٥) الهجرة.
فلما أثاب الناس إلى الإسلام، وحسنت (^٦) فيه رغبتُهم، زادهم الله في إيمانهم أن صرَف الصلاة إلى الكعبة بعد أن كانت إلى بيت المقدس، فقال:
_________________
(١) "على ذلك" ساقطة من المطبوع.
(٢) في الأصل: "بضع عشر سنة".
(٣) في المطبوع: "ورفقًا".
(٤) في المطبوع: "بجاهلية".
(٥) في المطبوع: "وبعد".
(٦) في الأصل: "حسنت" بدون الواو، والتصويب من المطبوع.
[ ٣٠ ]
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
ثم خاطبهم وهم بالمدينة باسم الإيمان المتقدِّم لهم في كل ما أمرهم به، أو نهاهم عنه؛ فقال في الأمر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، و﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقال في النهي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، و﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وعلى هذا كل مخاطبةٍ كانت لهم فيها أمر أو نهي (^١) بعد الهجرة.
وإنما سماهم بهذا الاسم بالإقرار (^٢) وحده؛ إذ لم يكن هناك فرض غيره، فلما نزلت الشرائع بعد هذا وجبت عليهم وجوب الأول سواء لا فرق بينهما، لأنهما (^٣) جميعًا من عند الله، وبأمره وبإيجابه. فلو أنهم عند تحويل القبلة إلى الكعبة أَبَوا أن يصلوا إليها، وتمسَّكوا بذلك الإيمان الذي لزمهم اسمه، والقبلة التي كانوا عليها؛ لم يكن ذلك مغنيًا عنهم شيئًا، ولكان فيه نقضٌ لإقرارهم، لأن الطاعة الأولى ليست بأحقّ باسم الإيمان من الطاعة الثانية، فلما أجابوا الله ورسوله إلى قبول الصلاة كإجابتهم إلى الإقرار؛ صارا جميعًا معًا هما يومئذٍ الإيمان، إذ أُضيفت الصلاة إلى الإقرار.
_________________
(١) في الأصل: "نها"، وهو خطأ.
(٢) في الأصل: "الإقرار"، والتصويب من المطبوع.
(٣) في المطبوع: "بينها" و"لأنها" على الإفراد والمراد بالتثنية: الإقرار والشرائع.
[ ٣١ ]
والشهيد على أن الصلاة من الإيمان قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وإنما نزلت في الذين تُوُفُّوا من أصحاب رسول الله ﷺ، وهم على الصلاة إلى بيت المقدس، فسُئل رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية (^١)، فأي شاهد يلتمس على أن الصلاة من الإيمان بعد هذه الآية؟
فلبثوا بذلك بُرْهة من دهرهم، فلما أن داروا إلى الصلاة مسارعةً، وانشرحت لها صدورهم، أنزل الله فرْض الزكاة في إيمانهم إلى ما قبلها، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فلو أنهم ممتنعون من الزكاة عند الإقرار، وأعطَوه ذلك بالألسنة وأقاموا الصلاة، غير أنهم ممتنعون من الزكاة كان ذلك مزيلًا لما قبله، وناقضًا للإقرار، والصلاة، كما كان إباءُ (^٢) الصلاة قبل ذلك ناقضًا لما تقدَّم من الإقرار.
والمصدِّق لهذا جهادُ أبي بكر الصديق - رحمة الله عليه - بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة كجهاد رسول الله ﷺ أهلَ الشِّرك سواء، لا فرق بينها في سفك الدماء، وسبي الذُّرية، واغتنام المال، فإنما كانوا مانعين لها غير جاحدين بها.
ثم كذلك كانت شرائع الإسلام كلها؛ كلما نزلت شريعةٌ صارت مضافةً إلى
_________________
(١) كما روى ذلك البخاري (١/ ١٧) (٤٠) عن البراء ﵁.
(٢) في الأصل: "إيتاء"، والصواب ما أثبته.
[ ٣٢ ]
ما قبلها لاحقةً بها (^١)، ويشملها جميعًا اسمُ الإيمان؛ فيقال لأهله: مؤمنون (^٢).
وهذا هو الموضع الذي غلط فيه من ذهب إلى أن الإيمان بالقول (^٣)؛ لما سمعوا تسميةَ الله إيَّاهم مؤمنين؛ أوجبوا لهم الإيمان كلَّه بكماله (^٤).
كما غلطوا في تأويل حديث النَّبي ﷺ حين سئل عن الإيمان ما هو؟ فقال: "أن تؤمن بالله وكذا وكذا" (^٥) (^٦).
_________________
(١) في الأصل: "به".
(٢) انظر: الإبانة (٢/ ٦٢٨ - ٦٣١)؛ فقد ذكر ابن بطة ﵀ آثارًا عن عدد من السلف: عن ابن عباس، وعثمان بن حنيف وسفيان بن عيينة في معنى ما ذكره المصنف، وبوَّب لها بقوله: "معرفة الإيمان وكيف نزل به الفرقان، وترتيب الفرائض، وأن الإيمان قول وعمل". وكذا فعل الآجري ﵀ في الشريعة (٣/ ٥٥٢ - ٥٥٩) فقد ذكر نحو ما ذكره المصنف من تدرج شرائع الإيمان، ثم ذكر أثري ابن عباس وسفيان ردًا على احتجاج المرجئة بأحاديث الكف عمن قال: (لا إله إلا الله) على إخراج العمل عن مسمى الإيمان. وقد أشار الحافظ في الفتح (١/ ١٠٣ - ١٠٤) إلى كلام لأبي عبيد غير موجود في هذه النسخة، فقد قال بعد ذكر أثر سفيان بن عيينة: "وتبعه أبو عبيد في كتاب الإيمان له فذكر نحوه وزاد: أن بعض المخالفين لما أُلزم بذلك أجاب بأن الإيمان ليس هو مجموع الدين؛ إنما الدين ثلاثة أجزاء: الإيمان جزء، والأعمال جزآن، لأنها فرائض ونوافل. وتعقبه أبو عبيد بأنه خلاف ظاهر القرآن".
(٣) أي: والاعتقاد دون العمل.
(٤) انظر: تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٩٢)، الفتاوى (٧/ ١٩٤ - ١٩٨).
(٥) مثل سؤال جبريل النبي ﷺ عن ذلك، كما أخرجه البخاري (١/ ١٥) (٥٠)، ومسلم (١/ ٣٩) (٩)، من حديث أبي هريرة ﵁، ومسلم (١/ ٣٦) (٨) من حديث عمر ﵁.
(٦) انظر: الفتاوى (٧/ ٨٧).
[ ٣٣ ]
وحين سأله الذي عليه رقبةٌ مؤمنةٌ عن عتق العجمية؟ فأمر بعتقها، وسمَّاها مؤمنة (^١) (^٢).
وإنما هذا على ما أعلمتك من دخولهم في الإيمان، ومن قبولهم وتصديقهم بما نزل منه، وإنما كان ينزل متفرقًا كنزول القرآن. والشاهد لما نقول والدليل عليه كتاب الله ﵎، وسنة رسول الله ﷺ.
فمن الكتاب قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤].
وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] في مواضع من القرآن مثل هذا.
أفلست ترى أن الله ﵎ لم ينزل عليهم الإيمانَ جملةً، كما لم ينزل القرآنَ جملةً؟
فهذه الحجَّة من الكتاب، فلو كان الإيمان مكمَّلًا بذلك الإقرار ما كان للزيادة إذًا معنى، ولا لذكرها موضع.
وأما الحجَّة من السنة: فالآثار (^٣) المتواترة في هذا المعنى من زيادات قواعد
_________________
(١) كما في حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٨٣) (١٨٢ - ١٨٥)، وأخرج نحوه مسلم (١/ ٣٨١) (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁.
(٢) انظر: السنة للخلال (٣/ ٥٧٤)، السنة لعبد الله (١/ ٣٨٤)، الفتاوى (٧/ ٢٠٩ و٢٥٦ و٤١٦).
(٣) في المطبوع: "والآثار".
[ ٣٤ ]
الإيمان بعضها بعد بعض؛ ففي حديث منها أربع، وفي آخر خمس، وفي الثالث تسع، وفي الرابع أكثر من ذلك.
فمن الأربع حديث ابن عباس عن النَّبي ﷺ: أن وفد عبد القيس قدموا عليه، فقالوا: يا رسول الله! إن هذا الحي من ربيعة (^١)، فقد حالت بيننا وبينك كفار مُضر، فلسنا نصل إلا في شهرٍ حرامٍ، فمُرْنا بأمرٍ نعمل به، وندعو إليه من وراءنا. فقال: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان"، ثم فسَّره لهم: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدُّوا خمس ما غنمتم، وأنهاكم عن الدَّبَّاء، والحَنْتم، والنَّقِير، والمُقَيَّر".
١ - قال أبو عبيد: حدثناه عباد بن عباد المهلبي، قال: حدثنا أبو جمرة (^٢)، عن ابن عباس، عن النَّبي ﷺ بذلك (^٣).
_________________
(١) كذا في الأصل، وهو موافق للفظٍ من ألفاظ البخاري (٢/ ١٠٥) (١٣٩٨) وفيه: "قد حالت" بدل "فقد حالت"، وفي مسلم وبعض روايات البخاري الأخرى: "إنا هذا الحي من ربيعة" وفي بعضها: "إنا من هذا الحي". وقد ساق الذهبي ﵀ هذا الحديث بإسناده من طريق أبي عبيد في ترجمته في السير (١٠/ ٥٠٩) بلفظ: "إنا هذا الحي من ربيعة، وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر … " وهو موافق لما اتفق عليه الشيخان.
(٢) في الأصل: "أبو حمزة"، والتصويب من المطبوع، وأبو جمرة هو: نصر بن عمران بن عصام الضُّبَعي - بضم المعجمة وفتح الموحدة بعدها مهملة -، أبو جمرة البصري نزيل خراسان مشهور بكنيته، ثقة ثبت. انظر: التهذيب (١٠/ ٤٣١).
(٣) إسناد المصنف صحيح، وأخرجه البخاري (١/ ١١٠) (٥٢٣)، ومسلم (١/ ٤٦) (١٧).
[ ٣٥ ]
ومن الخمس حديث ابن عمر، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت".
٢ - قال أبو عبيد: حدثناه (^١) إسحاق بن سليمان الرازي، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر، عن النَّبي ﷺ بذلك (^٢).
ومن (^٣) التسع حديث أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ أنه قال: "إن للإسلام صُوًى ومنارًا كمنار الطريق" (^٤) - قال أبو عبيد: صُوَى: هي ما غَلُظَ وارتفع من الأرض، واحدتها صُوَّة (^٥) - "منها: أن تؤمن بالله، ولا تشرك به شيئًا، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن
_________________
(١) في المطبوع: "حدثنا".
(٢) إسناد المصنف صحيح على شرط الشيخين كما قال الشيخ، وقد أخرجاه: البخاري (١/ ١١) (٨)، ومسلم (١/ ٤٥) (١٦).
(٣) في الأصل: "من".
(٤) في الأصل: "للإسلام صيًا ومنار كمنار الطريق منها" والتصويب من مصادر التخريج.
(٥) في الأصل: "قال أبو عبيد: صوى ارتفع من الأرض واحد صوة كمنار منها"، والتصويب من غريب الحديث له (٥/ ٢٠٥)، وهذا التفسير نقله عن الأصمعي، ونقل عن أبي عمرو أن الصُّوَى: "أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي المجهولة فيستدل بتلك الأعلام على طرقها". وقال: "وقول أبي عمرو أعجب إلي في هذا، وهو أشبه بمعنى الحديث، لأن الأرض المرتفعة لا تكون أعلامًا".
[ ٣٦ ]
تسلم على القوم إذا مررت بهم، فمن ترك من ذلك شيئًا [فقد ترك سهمًا من الإسلام، ومن تركهن] (^١) فقد ولَّى الإسلامَ ظهرَه".
٣ - قال أبو عبيد: حدثنيه يحيى بن سعيد القطان (^٢)، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن رجل، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ (^٣).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، وسقوطه مؤثر في المعنى؛ لأنه يجعل ترك أي شيء كترك الجميع، وهذا مخالف للحديث، واستُدرك من مصادر التخريج.
(٢) كذا في الأصل، ورجح الشيخ أن صوابه: "العطار" وما في الأصل: هو الصواب؛ لأن ثورًا ليس من شيوخ العطار، ولا أبو عبيد من تلاميذه، وإنما ذلك في القطان؛ فمن شيوخه: ثور ومن تلاميذه أبو عبيد. انظر: تهذيب الكمال (٣١/ ٣٢٩ و٣٤٣).
(٣) إسناد المصنف ضعيف، لجهالة الرجل الراوي عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه الحافظ المقدسي في الأمر بالمعروف (١٠٧) (٩) من طريق المصنف به. وقد خولف يحيى بن سعيد فيه، فأخرجه جماعة من الثقات عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي هريرة ﵁ به بإسقاط الرجل المبهم، منهم: * الوليد بن مسلم، كما عند الحاكم مفرقًا (١/ ٢٠) و(١/ ٢١) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري". * روح بن عبادة، كما عند المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/ ٤١١) (٤٠٥)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢١٧). * عيسى بن يونس، كما عند الطبراني في مسند الشاميين (١/ ٢٤١) (٤٢٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٨٣) (١٦٠). فحديثهم مقدم على حديثه. واختلف في سماع خالد من أبي هريرة ﵁، فقال ابن أبي حاتم المراسيل (٥٣): "سمعت أبي وسألته عن خالد بن معدان عن أبي هُرَيرة متصل؟ فقال: قد أدرك أبا هُرَيرة ولا يذكر سماع". وقال الحاكم عقب روايته للحديث: "فأما سماع خالد بن معدان عن أبي هريرة فغير =
[ ٣٧ ]
فظن الجاهلون بوجوه هذه الأحاديث أنها متناقضةٌ لاختلاف العدد منها، وهي بحمد الله ونعمته (^١) بعيدةٌ (^٢) من (^٣) التناقض، وإنما وجوهها ما أعلمتك من نزول الفرائض بالإيمان متفرقًا، فكلما نزلت واحدةٌ ألحق رسولُ الله ﷺ عددَها بالإيمان، ثم كلَّما جدَّد اللهُ له منها أخرى زادها في العدد، حتى جاوز ذلك سبعين خُلَّة (^٤).
كذلك [في] (^٥) الحديث المثبت عنه أنه قال: "الإيمان بضعة وسبعون جزءًا، أفضلها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق".
٤ - قال أبو عبيد: حدثناه أبو أحمد الزبيري، عن سفيان بن سعيد، عن
_________________
(١) = مستبعد؛ فقد حكى الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عنه أنه قال: لقيت سبعة عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ". وأيًّا كان؛ فله شاهد من حديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا، أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٣/ ١٤٠) (١٩٥٤) عن بكر بن سهل ثنا عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن أبي الدرداء ﵁ به. قال الإمام الألباني في الصحيحة (١/ ٦٥٣): "وله شاهد من حديث أبي الدرداء مرفوعًا بنحوه؛ أخرجه ابن دوست في (الأمالي) (ق ١١٨/ ٢) من طريقين عن عبد الله بن صالح … قلت: وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح".
(٢) في المطبوع: "ورحمته".
(٣) في الأصل: "بعيد".
(٤) في المطبوع: "على".
(٥) في المطبوع: "السبعين كلمة".
(٦) زيادة من المطبوع.
[ ٣٨ ]
سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (^١).
فهذا الحديث (^٢) - وإن كان زائدًا في العدد - فليس هو بخلاف ما قبله، وإنما تلك دعائم وأصول، وهذه فروعها زائداتٌ في شعب الإيمان من غير تلك الدعائم، فنرى والله أعلم أن هذا القول آخرُ ما وصف به رسولُ الله ﷺ الإيمانَ، لأن العدد إنما تناهى [به] (^٣)، وبه كمُلت خصالُه.
والمصدِّق له قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
٥ - قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أن اليهود قالوا لعمر بن الخطاب - رحمة الله عليه -: إنكم تقرؤون آيةً لو أنزلت (^٤) فينا لاتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا، فذكر هذه الآية، فقال عمر: "إني لأعلم حيث أنزلت، وأي يوم أنزلت؛ بعرفة ورسول الله ﷺ (^٥) واقفٌ بعرفة". قال سفيان: وأشك أقال: يوم الجمعة أم لا؟ (^٦).
_________________
(١) إسناد المصنف صحيح على شرط مسلم كما قال الشيخ، وأخرجه كذلك: مسلم (١/ ٦٣) (٣٥) بنحوه، والبخاري (١/ ١١) (٩) بلفظ: "الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان".
(٢) في الأصل: "بهذا الحديث"، والصواب ما أثبته، لأن قوله أول السند: "حدثناه"، يغني عن قوله في آخره: "بهذا الحديث"، مع حاجة ما بعده إليه.
(٣) زيادة من المطبوع.
(٤) في المطبوع: "نزلت".
(٥) في الأصل: "ورسوله ﷺ".
(٦) إسناد المصنف صحيح على شرط الشيخين كما قال الشيخ، وقد أخرجاه: البخاري =
[ ٣٩ ]
٦ - قال أبو عبيد (^١): حدثنا يزيد، عن حماد بن (^٢) سلمة، عن عمار بن أبي عمار، قال تلا ابن عباس هذه الآية وعنده يهودي، فقال اليهودي: لو أنزلت هذه الآية فينا لاتخذنا يومها عيدًا، قال ابن عباس: "فإنها نزلت في يوم عيد؛ يوم جمعة، ويوم عرفة" (^٣).
٧ - قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: "نزلت عليه وهو واقفٌ بعرفة حين اضمحَلَّ الشِّركُ، وهُدم منارُ الجاهلية، ولم يطُف بالبيت عُرْيان" (^٤).
فذكر الله جلَّ ثناؤه إكمالَ الدين في هذه الآية وإنما نزلت - فيما يُروى - قبل وفاة النَّبي ﷺ بإحدى وثمانين ليلةً.
٨ - قال أبو عبيد: كذلك حدثنيه (^٥) حجاج، عن ابن جريج (^٦).
فلو كان الإيمان كاملًا بالإقرار ورسولُ الله ﷺ بمكة في أول النبوة
_________________
(١) = (٥/ ١٧٧) (٤٤٠٧)، ومسلم (٤/ ٢٣١٢) (٣٠٧١).
(٢) "أبو" ساقطة من الأصل.
(٣) في الأصل: "عن"، وهو خطأ.
(٤) أخرجه الترمذي (٥/ ١٣٦) (٣٠٤٤) عن عبد بن حميد عن يزيد به، وقال: "حسن غريب من حديث ابن عباس"، وصحح إسناده الشيخ كما في صحيح الترمذي (٣٠٤٤).
(٥) إسناد المصنف مرسل صحيح كما قال الشيخ، وأخرجه كذلك: ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٦٩)، وابن جرير (٨/ ٨٤)، من طرق عن داود به.
(٦) في المطبوع: "حدثنا".
(٧) إسناد المصنف صحيح، وأخرجه كذلك: ابن جرير (٨/ ٨١)، من طريق حجاج به.
[ ٤٠ ]
كما يقول هؤلاء ما كان للكمال معنىً، وكيف يكمِّل شيئًا قد استُوعِب وأُتِي على (^١) آخره (^٢)؟
قال أبو عبيد: فإن قال لك قائل: فما هذه الأجزاء الثلاثة والسبعون (^٣)؟
قيل له: لم تُسَمِّ لنا مجموعةً فنسمِّيَها، غير أن العلم يحيط أنها من طاعة الله وتقواه، وإن لم تُذكر لنا في حديثٍ واحدٍ، ولو تفقَّدت الآثارَ لوجدت (^٤) متفرقةً فيها.
ألا تسمع قوله في إماطة الأذى؛ قد (^٥) جعله جزءًا من الإيمان (^٦)؟
وكذلك (^٧) قوله في حديثٍ آخر: "الحياء شعبةٌ من الإيمان" (^٨).
وفي الثالث: "الغَيْرة من الإيمان" (^٩).
_________________
(١) في المطبوع: "استوعبه وأتى على".
(٢) قارن بـ: تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٥٥ - ٣٥٦)، والفتاوى (٧/ ٢٠٧ - ٢٠٨).
(٣) في الأصل: "الثلاث وسبعون"، وفي المطبوع: "الثلاثة وسبعون".
(٤) كذا في الأصل، والمناسب "لوجدتها".
(٥) في المطبوع: "وقد".
(٦) كما في حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم (١/ ٦٣) (٣٥).
(٧) في الأصل: "وذلك"، والتصويب من المطبوع.
(٨) أخرجه البخاري (١/ ١١) (٩)، ومسلم (١/ ٦٣) (٣٥) حديث أبي هريرة ﵁.
(٩) أخرجه البزار (٢/ ١٨٨ كشف) (١٤٩٠)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/ ٤٦٩ - ٤٧٠) (٤٩٠ - ٤٩٢)، والبيهقي في الشعب (١٣/ ٢٦٠) (١٠٣٠٨)، والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ١٢٣) (١٥٤) من طرق عن أبي مرحوم، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا. وهذا إسناد ضعيف لضعف أبي مرحوم =
[ ٤١ ]
وفي الرابع: "البَذاذة من الإيمان" (^١).
وفي الخامس: "حُسْن العهد من الإيمان" (^٢). فكل هذا من فروع الإيمان.
_________________
(١) = هذا، وهو: عبد الرحيم بن كَردم بن أرطبان، قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عنه، فقال: مجهول" الجرح والتعديل (٥/ ٣٣٩)، وقال الذهبي: "شيخ ليس هو بواه ولا هو بمجهول الحال، ولا هو بالثبت" ميزان الاعتدال (٢/ ٦٠٦). والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٥١٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٥/ ٥٦٢) (٤١١٨)، عن أيوب بن سويد، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن أبي أمامة الحارثي، عن أبيه به، وأيوب: صدوق يخطئ، لكنه توبع، كما عند الطبراني (١/ ٢٧٢) (٧٩٠)، والحاكم (١/ ٩)، والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ١٢٥) (١٥٧)، من طريق صالح بن كيسان أن عبد الله بن أبي أمامة حدثه، عن أبيه به. وكما عند الروياني في مسنده (٢/ ٣١٥) (١٢٧٤) من طريق المصنف عن يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو، عن عبد الله به. وقد أخرجه أبو داود (٤/ ٢٥٤) (٤١٦١)، من طريق ابن إسحاق، بزيادة (عبد الله بن كعب بن مالك) بين عبد الله وأبي أمامة، وابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه. وأخرجه الطبراني (١/ ٢٧٢) (٧٩١)، والطحاوي في المشكل (٤/ ١٩١) (١٥٣١)، من طريق عبد الله بن حمران، عن عبد الحميد بن جعفر، عن عبد الله بن أبي أمامة به، بزيادة (عبد الرحمن بن كعب بن مالك) بين عبد الله وأبي أمامة، ورجاله ثقات. والحديث الألباني في الصحيحة (٣٤١).
(٣) أخرجه الحاكم (١/ ١٦)، والبيهقي في الشعب (١١/ ٣٧٨) (٨٧٠١)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢/ ١٠٢) (٩٧١) من طرق عن صالح بن رستم عن ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ مرفوعًا في قصة حسانة المزنية ﵂. وصالح مختلف فيه؛ قال ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال الدارقطني: ليس بالقوي. =
[ ٤٢ ]
ومنه حديث عمار: "ثلاث من الإيمان: الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من نفسك، وبذل السَّلام على العالم" (^١).
_________________
(١) = وقال أحمد: صالح الحديث، وقال أبو داود: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: التهذيب (٤/ ٣٩١). وله شاهد من حديث عائشة عند البيهقي في الشعب (١١/ ٣٧٩) (٨٧٠٢) من طريق سلم بن جنادة عن حفص بن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ مثله. والحديث صححه الشيخ في الصحيحة (٢١٦).
(٢) روي مرفوعًا وموقوفًا، أما المرفوع: فأخرجه البزار (٤/ ٢٣٢) (١٣٩٦)، عن الحسن بن عبد الله الكوفي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن عمار ﵁ مرفوعًا، قال الهيثمي مجمع الزوائد (١/ ٢١٩): "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، إلا أن شيخ البزار لم أرَ من ذكره"، وقال البزار: "وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن أبي إسحاق، عن صلة، عن عمار موقوفًا، وأسنده هذا الشيخ عن عبد الرزاق". وتابع الحسن على رفعه عن عبد الرزاق: محمد بن الصباح الصغاني، كما عند ابن الأعرابي في معجمه (١/ ٣٧٧) (٧٢١). قال ابن حجر: "فالظاهر أن الوهم فيه من عبد الرزاق لأن هذين ممن سمع منه بأَخَرة". تغليق التعليق (٢/ ٣٩). وأعله كذلك: أبو حاتم وأبو زرعة كما في علل ابن أبي حاتم (٥/ ٢١٤). وأما الموقوف فأخرجه عبد الرزاق (١٠/ ٣٨٦) (١٩٤٣٩)، ووكيع في الزهد (٢/ ٥٠٤) (٢٤١)، ومن طريقه ابن أبي شيبة (١٠/ ٣١٧) (٣٠٩٥٨). والبيهقي في الشعب (١/ ١٥١) (٤٨)، من طرق عن أبي إسحاق، عن صلة، عن عمار ﵁ موقوفًا. وهذا إسناد صحيح، وقد صرح أبو إسحاق بالسماع في رواية البيهقي. فالخلاصة: أن الحديث لا يصح مرفوعًا، وإنما هو موقوف.
[ ٤٣ ]
ثم الأحاديث المعروفة عند ذكر كمال الإيمان، حين قال: "أي الخلق أعظمُ إيمانًا؟ " فقيل: الملائكة، ثم قيل: النَّبيون (^١)، ثم قيل: نحن يا رسول الله، فقال: "بل قوم يأتون بعدكم" … فذكر صفتهم (^٢).
_________________
(١) "ثم قيل: النبيون" ساقطة من المطبوع.
(٢) روي من حديث عدد من الصحابة: * من حديث عمر بن الخطاب ﵁؛ أخرجه الحاكم (٤/ ٨٥)، وأبو يعلى (١/ ١٤٧) (١٦٠)، من طريق محمد بن أبي حميد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر ﵁. ومحمد ضعيف، قال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو داود والدارقطني: ضعيف، وضعفه كذلك جمع من الأئمة، وقد تابعه: المنهال بن بحر؛ قال: حدثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم به. أخرجه العقيلي (٤/ ٢٣٨)، وقال: "وهذا الحديث إنما يعرف بمحمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم، وليس بمحفوظ من حديث يحيى بن أبي كثير ولا يتابع منهالًا عليه أحد". وفيه كذلك عنعنة يحيى بن أبي كثير، فلا يصلح للمتابعة. * من حديث عبد الله بن عمرو ﵁؛ وأخرجه الحسن بن عرفة (٥٢) (١٩)، ومن طريقه البيهقي في الدلائل (٦/ ٥٣٨)، عن إسماعيل بن عياش، عن المغيرة بن قيس التميمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁، وفيه علتان: ضعف المغيرة بن قيس، وضعف رواية إسماعيل عنه لأنه بصري. * من حديث أنس ﵁؛ أخرجه البزار (١٣/ ٤٨٧) (٧٢٩٤)، قال الهيثمي: "رواه البزار وقال: غريب من حديث أنس، قلت: فيه سعيد بن بشير، وقد اختلف فيه فوثقه قوم وضعفه آخرون وبقية رجاله ثقات" مجمع الزوائد (١٠/ ٥٢). قال الألباني: "فمثله وسط حسن الحديث لذاته، أو لغيره على الأقل" الصحيحة (٣٢١٥). وبهذا الشاهد حسنه بعد أن كان ضعفه في الضعيفة (٦٤٧).
[ ٤٤ ]
ومنه أيضًا قوله: "إن أكملَ - أو من أكمل - المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خلقًا" (^١).
وكذلك (^٢) قوله: "لا يؤمن الرجل الإيمان كله حتى يدَع الكذبَ في المِزاح، والمراءَ وإن كان صادقًا" (^٣).
وقد روي مثله أو نحوه عن عمر بن الخطاب (^٤)، وابن عمر (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٢/ ٣٦٤) (٧٤٠٢) و(١٦/ ١١٤) (١٠١٠٦) ومن طريقه: أبو داود (٥/ ٤٢) (٤٦٨٢)، والترمذي (٢/ ٤٥٤) (١١٦٢). من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁. وهذا إسناد حسن فإن محمد بن عمرو وهو ابن علقمة: صدوق له أوهام كما في التقريب (٦٢٢٨). وقد توبع: كما عند أحمد (١٦/ ٤٧٨) (١٠٨١٧) من طريق ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة به، وهذا كذلك إسناد حسن لحال ابن عجلان. وانظر: الصحيحة (٢٨٤).
(٢) في الأصل: "وذلك"، والتصويب من المطبوع.
(٣) أخرجه أحمد (١٤/ ٢٧٨) (٨٦٣٠) والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٠٨) (٥١٠٣) من طريق عبد العزيز عن منصور بن أذين عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وفيه علتان: الانقطاع بين مكحول وأبي هريرة ﵁، وجهالة منصور، انظر: تعجيل المنفعة (٢/ ٢٨٢)، والتاريخ الكبير (٧/ ٣٤٦).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ٤٢٦) (٢٥٩٩٨)، وابن أبي زمنين (٢٣٣) (١٥٠). من طريق سفيان عن حبيب عن ميمون بن أبي شبيب عن عمر. وفيه علتان: تدليس حبيب وهو ابن أبي ثابت، انظر: تعريف أهل التقديس (١٣٢)، والانقطاع بين ميمون وعمر، قال الفلاس: "لم أخبر أن أحدًا يزعم أنه سمع من الصحابة"، وقال أبو داود: "ولم يدرك عائشة". فأولى ألا يكون أدرك عمرًا. انظر: التهذيب (١٠/ ٣٨٩).
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢١٠) (٣٩٣) و(٢٩٠) (٦٦٢) من طريقين عن شعبة =
[ ٤٥ ]
ثم من أوضح ذلك وأبْينه حديث النَّبي ﷺ في الشفاعة، حين قال: "فيخرج من النار من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، وبَرَّة من إيمان، ومثقال ذرَّة" (^١) وإلا صولب (^٢).
ومنه حديثه في الوسوسة، حين سئل عنها، فقال: "ذلك صريح الإيمان" (^٣).
وكذلك حديث علي ﵇: "إن الإيمان يبدأ لمظةً في القلب، فكلما ازداد الإيمان عظمًا ازداد ذلك البياض عظمًا" (^٤).
في أشياء من هذا النحو كثيرة يطول ذكرها تبين (^٥) لك التفاضل في الإيمان
_________________
(١) = عن الحكم عن ابن عمر ﵄. قال محققه الحويني: رجاله ثقات.
(٢) أخرجه البخاري (٩/ ١٤٦) (٧٥١٠)، ومسلم (١/ ١٨٠) (١٩٣) من حديث أنس ﵁.
(٣) كذا في الأصل، وإن لم تكن مصحَّفة؛ فالصَّوْلَب: هو البَذْر الذي يُنثَر على الأرض، ثم يُكرَبُ عليه، وهو مولَّد. انظر: تهذيب اللغة (١٢/ ١٩٧)، مقاييس اللغة (٣/ ٣٠٢). فكأنه أراد أن من ليس في قلبه شيء من الإيمان يخلد في جهنم ويكرب عليه كما يكرب على البذر في الأرض فلا يخرج منها، والله أعلم.
(٤) أخرجه مسلم (١/ ١١٩) (١٣٢) من حديث أبي هريرة.
(٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٠٤) (١٤٤٠)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٩٠) (٣٠٨٣٥)، والبيهقي في الشعب (١/ ١٤٤) (٣٧) من طريق عوف عن عبد الله بن عمرو بن هند الجملي عن علي موقوفًا، وفيه انقطاع؛ عبد الله لم يسمع من علي. انظر: العلل للإمام أحمد (١/ ٢٠٥)، جامع التحصيل (٢٦٢). واللُّمظة بالضم: مثل النُّكْتة ونحوها من البياض. انظر غريب الحديث للمصنف (٤/ ٣٥٤)، النهاية (٤/ ٢٧١).
(٦) في الأصل: "يتبين".
[ ٤٦ ]
بالقلوب والأعمال، وكلها يشهد (^١) أو أكثرُها أن أعمال البِرِّ من الإيمان، فكيف تُعانَد هذه الآثار بالإبطال والتكذيب؟!
ومما يصدِّق تفاضلَه بالأعمال قولُ الله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا (^٢) الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، فلم يجعل اللهُ للإيمان حقيقة (^٣) إلا بالعمل على هذه الشروط، والذي يزعم (^٤) أنه بالقول خاصَّةً يجعله مؤمنًا حقًّا وإن لم يكن هناك عمل؛ فهو معائدٌ للكتاب والسنة (^٥) (^٦).
ومما يبين لك تفاضلَه في القلب، قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ألست ترى أن هاهنا منزلًا دون منزل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠].
_________________
(١) في الأصل: "يشد".
(٢) في الأصل: "وإنما".
(٣) أي: كاملة.
(٤) في المطبوع: "يزعمه".
(٥) في المطبوع: "لكتاب الله والسنة".
(٦) قال شيخ الإسلام ﵀ في بيان وجوه غلط المرجئة: "الثالث: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تامًا بدون شيء من الأعمال، ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه، بمنزلة السبب مع المسبب ولا يجعلونها لازمة له، والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر". الفتاوى (٧/ ٢٠٤)، وانظر: (٧/ ٢٢١ و٥٥٣ و٥٦٢) منه، الصلاة لابن القيم (٨٧).
[ ٤٧ ]
كذلك ومثله قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦].
فلولا أن هناك موضعَ مزيدٍ ما كان لأمره بالإيمان معنى.
ثم قال أيضًا: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣].
وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠].
وقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١].
أفلست تراه ﵎ قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يرْضَ منهم بالإقرار دون العمل، حتى جعَل أحدهما من الآخر؟
فأي شيء يُتَّبع بعد كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ومنهاج السلف بعده، الذين هم موضع القُدوة والإمامة؟
فالأمر الذي عليه السُّنة عندنا: ما مضى عليه علماؤنا، مما اقتصصنا في كتابنا هذا: أن (^١) الإيمان بالنِّية والقول والعمل جميعًا (^٢)، وأنه درجات بعضها
_________________
(١) في الأصل: "ماضي عليه علمانا ما اقتصصنا في كتابنا هذا لأن"، والتصويب من المطبوع إلا أنه قال: "ما نص" بدل "ما مضى".
(٢) يدل كلام المصنف هذا على أنه قد قص في هذا الكتاب أسماءَ العلماء الذين قالوا بأن الإيمان قول وعمل، وما ذكره ﵀ غير موجود في الأصل، فلعله سقط منه، وقد نقله عنه شيخ الإسلام في الفتاوى (٧/ ٣٠٩)، ورواه عنه ابن بطة في الإبانة (٢/ ٨١٤ - ٨٢٦) (١١١٧)، وقد رأيت أن أسوقه هنا إتمامًا للفائدة، وإكمالًا للأصل إن كان سقط منه فعلًا. قال ابن بطة: حدثني أبو عبد الله أحمد بن حميد الكفي، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن =
[ ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = علي بن عيسى بن السكين البلدي، قال: حدثنا سنان بن محمد، قال: قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "هذه تسمية من كان يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. من أهل مكة: عبيد بن عمير الليثي، عطاء بن أبي رباح، مجاهد بن جبر، ابن أبي مليكة، عمرو بن دينار، ابن أبي نجيح، عبيد الله بن عمر، عبد الله بن عمرو بن عثمان، عبد الملك بن جريح، نافع بن جميل، داود بن عبد الرحمن العطار، عبد الله بن رجاء. ومن أهل المدينة: محمد بن شهاب الزهري، ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أبو حازم الأعرج، سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، يحيى بن سعيد الأنصاري، هشام بن عروة بن الزبير، عبيد الله بن عمر العمري، مالك بن أنس المفتي، محمد بن أبي ذئب، سليمان بن بلال، عبد العزيز بن عبد الله، عبد العزيز بن أبي حازم. ومن أهل اليمن: طاوس اليماني، وهب بن مُنَبِّه، مَعْمَر بن راشد، عبد الرزاق بن همام. ومن أهل مصر والشام: مكحول، الأوزاعي، سعيد بن عبد العزيز، الوليد بن مسلم، يونس بن يزيد الأَيْلِيّ، يزيد بن أبي حبيب، يزيد بن شُرَيْح، سعيد بن أبي أيوب، الليث بن سعد، عبيد الله بن أبي جعفر، معاوية بن أبي صالح، حَيْوَة بن شُرَيْح، عبد الله بن وهب. وممن سكن العواصم وغيرها من الجزيرة: ميمون بن مِهْرَان، يحيى بن عبد الكريم، مَعْقِل بن عبيد الله، عبيد الله بن عمرو الرَّقِّيّ، عبد الكريم بن مالك، المعافى بن عمران، محمد بن سلمة الحرَّاني، أبو إسحاق الفزاري، مَخْلَد بن الحسين، علي بن بَكَّار، يوسف بن أسباط، عطاء بن مسلم، محمد بن كثير، الهيثم بن جميل. ومن أهل الكوفة: علقمة، الأسود بن يزيد، أبو وائل، وسعيد بن جبير، الربيع بن خُثَيْم، عامر الشَّعْبِي، إبراهيم النَّخَعِيّ، الحكم بن عُتَيْبَة، طلحة بن مُصَرِّف، منصور بن المعتمر، سلمة بن كُهَيْل، مغيرة الضَّبِّيّ، عطاء بن السائب، إسماعيل بن أبي خالد، أبو حيان يحيى بن سعيد، سليمان بن مهران الأعمش، يزيد بن أبي زياد، سفيان بن سعيد الثوري، سفيان بن عيينة، الفضيل بن عياض، أبو المقدام ثابت بن العجلان، ابن شُبْرُمَة، ابن أبي ليلى، =
[ ٤٩ ]
فوق بعض، إلا أن أولَها وأعلاها الشهادةُ باللسان، كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي جعله فيه بضعةً وسبعين جزءًا (^١)، فإذا نطق بها القائل، وأقرَّ بما
_________________
(١) = زهير، شريك بن عبد الله الحسن بن صالح، حفص بن غياث، أبو بكر بن عياش، أبو الأحوص، وكيع بن الجراح عبد الله بن نمير، أبو أسامة، عبد الله بن إدريس، زيد بن الحباب، الحسين بن علي الجعفي، محمد بن بشر العبدي، يحيى بن آدم، محمد ويعلى وعمر بنو عُبَيْد. ومن أهل البصرة: الحسن بن أبي الحسن، محمد بن سيرين، قتادة بن دِعَامة، بكر بن عبد الله المَزنيّ، أيوب السِّخْتِيَانيّ، يونس بن عبيد، عبد الله بن عون، سليمان التيمي، هشام بن حسان، هشام الدَّسْتُوَائي، شعبة بن الحجاج، حماد بن سلمة، حماد بن زيد، أبو الأشهب، يزيد بن إبراهيم، أبو عَوَانة، وُهَيْب بن خالد، عبد الوارث بن سعيد، مُعْتَمِر بن سليمان التيمي، يحيى بن سعيد القَطَّان، عبد الرحمن بن مهدي، بشر بن المفَضَّل، يزيد بن زُرَيْع، المؤَمّل بن إسماعيل، خالد بن الحارث، معاذ بن معاذ، أبو عبد الرحمن المقري. ومن أهل واسط: هُشَيْم بن بشير، خالد بن عبد الله، على بن عاصم، يزيد بن هارون، صالح بن عمر، عاصم بن علي. ومن أهل المشرق: الضحاك بن مُزَاحِم، أبو جمرة نصر بن عمران، عبد الله بن المبارك، النضر بن شُمَيل، جرير بن عبد الحميد الضَّبِّيّ. هؤلاء كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهو قول أهل السنة والمعمول به عندنا، وبالله التوفيق". فائدة: قال شيخ الإسلام: "ذكر من الكوفيين من قال ذلك أكثر مما ذكر من غيرهم؛ لأن الإرجاء في أهل الكوفة كان أولًا فيهم أكثر، وكان أول من قاله حماد بن أبي سليمان، فاحتاج علماؤها أن يظهروا إنكار ذلك، فكثر منهم من قال ذلك" الفتاوى (٧/ ٣١١).
(٢) سبق تخريجه ص (٣٩).
[ ٥٠ ]
جاء من عند الله؛ لزِمه اسمُ الإيمان بالدخول فيه (^١)، [لا] (^٢) بالاستكمال عند الله، ولا على تزكية النفوس، وكلما ازداد لله طاعةً وتقوىً، ازداد به إيمانًا (^٣).
_________________
(١) في الأصل: "فيه فيه".
(٢) زيادة يقتضيها السياق، وبدونها لا يستقيم المعنى، ويدل عليها قوله فيما سيأتي ص (٥٨ - ٥٩): "إنما هو عندنا منهم على الدخول في الإيمان لا على الاستكمال" وانظر كذلك ص (٥٦).
(٣) قال ابن منده: "وقول آخر لجماعة آخرين من أهل الجماعة قالوا: لم يرد النبي ﷺ أن تؤمن بالله - في خبر جبريل ﵇ كمال الإيمان، ولكن أراد الدخول في الإيمان الذي يخرج به من ملل الكفر، ويلزم من أتى به اسم الإيمان وحكمه من غير استكمال منه للإيمان كله، وهو التصديق الذي عنه يكون سائر الأعمال" الإيمان (١/ ٣٤٦)، وانظر: الفتاوى (٧/ ٢٤٠).
[ ٥١ ]