إن المتأمل لهذين الكتابين، والمطالع لهما يصعب عليه أن يجزم أيهما كان الأسبق تأليفًا، ومن خلال القراءة المتأنية للكتابين، ومقارنة الموضوعات المشابهة فيهما، لم يتبين لا أيضًا معلم بارز يمكن أن يرشدنا إلى ما نريد الوصول إليه، وخصوصًا أن المصنف لم يشر إلى شيء من ذلك البتة.
غير أننا يمكن أن نرجح ترجيحًا -غير جازمين به تمامًا- فنقول:
إن كتاب "شرح حديث جبريل" الذي قمنا بتحقيقه هو الأول تأليفًا والسابق تصنيفًا على كتاب "الإيمان الكبير"، والأسباب التي دعتنا إلى القول بهذا هي:
أولًا: توسع شيخ الإسلام ﵀ في كتاب "الإيمان الكبير" وتطرقه لمسائل عديدة لم يعرض لها في كتاب "شرح حديث جبريل"، وهذا منهج درج عليه كثير من العلماء والمصنفين، حيث ينالون ما يريدون من موضوعات في مؤلفات موجزة، ثم يعودون لسبب أو آخر، لمناقشة تلك القضايا، والإفاضة حولها في مصنفات كبيرة، تروي الغليل، وتشفي العليل، وهكذا كان الحال في هذين الكتابين على الراجح، حيث أحاط المؤلف في "شرح حديث جبريل" بأغلب القضايا المتعلقة بالإيمان، أما في "الإيمان الكبير" فقد تناول نلك القضايا بشيء من الإسهاب، وزاد عليها جملة وافرة من المناقشات والاعتراضات والردود.
[ ٢٤٦ ]
ثانيًا: لقد ظهر من خلال النظر في النسختين المخطوطتين التركيتين للكتابين المذكورين، أن كتاب "شرح حديث جبريل" سمي "كتاب الإيمان"، وأن كتاب "الإيمان الكبير" قد سمي "كتاب شرح الإيمان"، وهاتان التسميتان تتفقان مع ما قررناه آنفًا من إيجازه ﵀ في "شرح حديث جبريل"، وتوسعه في "الإيمان الكبير"، وتوحيان للباحث أن "شرح حديث جبريل" متقدم في التأليف على "الإيمان الكبير".
فقد وجدت في مقدمة النسخة التركية لكتاب "الإيمان الكبير" في أعلى الصفحة العنوان التالي: "كتاب فيه شرح كتاب الإيمان تأليف الشيخ الإمام. . . " ولعل في هذا ترجيحًا على أن كتاب "شرح حديث جبريل" متقدم على "الإيمان الكبير".
وليس المقصود بالطبع بكلمة الشرح هنا ما تعارف عليه أهل الفنون خصوصًا المتأخرين منهم، حيث تطلق هذه الكلمة على توضيح لعبارات متن موجز، وإنما المقصود ما ذكرناه في السبب الأول.
ومما تجدر الإشارة إليه أن النسختين التركيتين لناسخ واحد، وفي مخطوط واحد، وهما أقدم نسخ الكتابين على الإطلاق.
ثالثًا: أن كتاب "شرح حديث جبريل" كتاب كامل انتهى منه مؤلفه كما ظهر ذلك من النسخة التركية للكتاب.
أما كتاب "الإيمان الكبير" فهو كتاب ناقص من آخره، كما ذكر الناسخ في آخر النسخة التركية "للإيمان الكبير" أن مؤلفه ﵀ قد مات قبل أن يتمه، وذلك حين أشار ﵀ في بعض المواقع أنه سوف يقوم ببسطها في الكتاب، ولكن الأجل حال دون ذلك الأمر.
كما يشعر بذلك كل من اعتنى بمطالعة الكتاب، بل إننا نستطيع أن نقول بعد كل هذا: إن كتاب "الإيمان الكبير" من آخر ما ألفه ﵀ في حياته، وذلك لما ذكرناه آنفًا، ولما احتواه هذا السفر العظيم من علم غزير، وطرق نفيس لموضوع من أهم بل هو أهم الموضوعات التي تتناولها الدراسات العقدية.
[ ٢٤٧ ]
أما كتاب "شرح حديث جبريل" فلا نستطيع أن نجزم بتاريخ تأليفه على وجه التحديد، وإن كنا نظن أن الشيخ رحمه الله تعالى قد ألفه في المرحلة الأخيرة من حياته، وخصوصًا أننا نؤكد أن آخر الكتاب لم يبيضه المؤلف، والله أعلم.