وذكر ﵀ إن إطعام الطعام للمحتاج إليه فرض كفاية باتفاق أئمة المسلمين، واستدل على ذلك بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٨، ٩].
_________________
(١) الحالي: اسم فاعل من الحلي، قال صاحب القاموس المحيط (١٦٤٧): "الحلي بالفتح: ما يزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة، جمعه حلي". والعاطل قال في القاموس (١٣٣٥): "عطلت المرأة. . . وتعطلت: إذا لم يكن عليها حلي، فهي عاطل وعطل".
(٢) شرح حديث جبريل (٦٤٠).
(٣) المصدر السابق (٦١٤).
[ ٢٣٨ ]
٢ - وفي البخاري أنه قال - ﷺ -: "عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا المعاني".
٣ - وفي المسند: "أيما رجل مات في قوم جوعًا، فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله".
ويعقب على ذلك ﵀ بقوله: "ولو مات فيهم رجلًا جوعًا لزمتهم ديته، وكذلك كسوة العرايا فرض كفاية، وهذا الفرض على من له فضل من ماله، ومتى رأى محتاجًا وغلب على ظنه أن غيره لا يقوم بحاجته، تعين عليه أن يطعمه. . " (١).
فإطعام الطعام وكسوة العرايا وإغاثة الملهوف كلها من فروض الكفاية -كما ذكر المصنف- والأمر ليس بالخيار، فإذا كان هناك محتاج إلى شيء من ذلك، وجب على من علم بحاجته من الناس، وكان لديه فضل من مال أو طعام أو لباس أن يساعده، واستدل ﵀ بما وقع للصحابة من فاقة وحاجة شديدتين، وأمرهم النبي - ﷺ - أن يتصدقوا بفضول أموالهم، حتى ظنوا رضوان الله عليهم أنه لا حق لأحد في شيء من فضل ماله.
وهذا هو الصحيح، وإلا فما معنى أن يوجد المحتاجون، وأن يجوع الفقراء، وأن يتعرى المنكوبون، والمجتمع متخم بالأغنياء والأثرياء، ومن لهم فضول كثيرة في الطعام والشراب والدواء والكساء، وهل لو تحقق هذا المعنى، أو شيء منه على الأقل، هل كنا سنرى هذه المجاعات الأليمة التي تفتك بكثير من المسلمين في كثير من بقاع العالم؟ وهل كان كثير من هؤلاء المساكين سيقعون ضحية لحملات التنصير ومنظماته التي لا ترقب فيهم إلَّا ولا ذمة؟ ! ! ! .
وتأمل قول المصنف ﵀: "ومتى رأى محتاجًا، وغلب على ظنه أن غيره لا يقوم بحاجته، تعين عليه أن يطعمه. . ".
وكم من المسلمين الأغنياء الذين يرون إخوانهم -ليسوا محتاجين
_________________
(١) المصدر السابق (٦١٦).
[ ٢٣٩ ]
فقط- ولكنهم يتضورون جوعًا بل يموتون جوعًا، يشاهدون كل هذا عبر وسائل الإعلام المختلفة، ويرون ما يندى له الجبين، ويتفطر له قلب كل مؤمن يرجو الله واليوم الآخر، من صور في المجلات، ويسمعون في ذلك الإذاعات، حتى تحدث أن بعضهم أكل بعض، والله يعفو عن تقصيرنا ويتجاوز عن سيئاتنا، إنه أكرم مسؤول.
إن كلام شيخ الإسلام هذا، لهو تأصيل لواجب العمل الإغاثي، ونبراس لهيئات الإغاثة التي تنتشر بين المسلمين، وتذكير لكل مجتمع مسلم آمن مطمئن يعيش رخاءً ورغدًا، بواجبه تجاه مجتمع مسلم آخر، تسربل بلباس الجوع والخوف، والله لا يضيع أجر المحسنين.