لقد ذكر المصنف جملة من الأمور الهامة التي ينال بها الإحسان في البيوع، هذه الأمور تدور بين مأمورات ينبغي أو يجب العمل بها، وبين منهيات يكره عملها، أو لا يجوز ارتكابها، ومن هذه الأمور:
١ - حاجة البيوع إلى الصدق، وهو محض الحق، وبذل النصح.
٢ - فسادها بالكذب.
_________________
(١) المصدر السابق (٦١٠).
[ ٢٣٤ ]
٣ - فسادها أيضًا بكتمان العيب.
وهو ما عبر عنه بقوله: "فعامة البيوع المباحة تحتاج إلى الصدق، وهو محض الحق، وبذل النصح، وتفسد بالكذب، وكتمان العيب أو النقص، وهذا عين الخيانة، وأصل الغش. . " (١).
٤ - النهي عن تلقي الركبان.
٥ - النهي أن يبيع حاضر لباد.
٦ - إثبات الخيار للمغبون.
وفي ذلك يقول المصنف عارضًا لخلاف الفقهاء ﵏: "ولهذا: (نهي عن تلقي الركبان) الحديث، وأثبت له الخيار إذا بلغ السوق.
ولهذا كان مذهب أكثر الفقهاء على أنه نهي عن ذلك من أجل ضرر البائع هنا، لأنه إذا لم يكن عرف قيمة المثل، ولا درى السعر بالحاضر، وتلقيت منه السلعة، فاشتريت بمبلغ لعله دون القيمة، فأثبت له الخيار إذا بلغ السوق.
وفي الخيار هنا أقوال: منها أنه ينبت له الخيار إذا غبن في البيع، وإليه ذهب أحمد، والثاني: أنه يثبت مطلقًا، وبه قال الشافعي وأكثر أهل العلم، وهو أظهر قوليه.
وقال طائفة: إنما نهى من أجل ضرر المشتري، لأنه إذا اشتراه بثمن لا يبيعه في السوق إلا بزيادة، فيغلو على المحتاج إليه، فكأنه ﵇ أراد أن يشتريه من يحتاجه بغير واسطة، لئلا يتضاعف الربح فيغلو.
وفي الجملة فقد نهى فضلًا للمصلحة، فإذا كان رسول الله - ﷺ - نهى عن البيع الذي هو حلال الجنس، حتى يعرف السعر البائع، ويتحقق المشتري السلعة، وصاحب القياس الفاسد يقول للمشتري: أن يشتري ما يشاء أين شاء! ! وقد اشترى برضى البائع.
_________________
(١) المصدر السابق (٦١١).
[ ٢٣٥ ]
والشارع رعى المصلحة العامة، لأن الجالب إذا لم يعرف السعر، ولا أخبر بثمن المثل، كان المشتري قد غره، وليس ذلك من الصدق والنصح في شيء، إنما هو خيانة وغش، فإن أضاف إليها كذبًا صريحًا مثل أن يقول: قد أعطيت فوق ما يساوي في سوقه، لأجل حاجتي إلى ذلك ونحو هذا مما يستعمله من لا عناية له بمطعمه ومشربه، ومن جل قصده تثمير المال، والمفاخرة والمكاثرة بحسن المخادعة في البيوع، وكل ذلك محرم محذور. . " (١).
ويلاحظ في هذا المقام أن المصنف حين يطرق هذه القضايا الفقهية البحتة، لا يسلك في ذلك سبيل الفقهاء الذي ينصب في الغالب على بيان المسألة وصورها وأحكامها والاستدلال لها، بل إنه ليأتي به في ثوب جميل من النصح والتوجيه والتربية، والتذكير بأهمية الإحسان والتعاون بين المسلمين، والإشادة بالمحسنين، والتثريب واللوم على الذين ليس همهم في هذه الحياة إلا جمع المال من أي طريق كانت (٢).
وانظر إلى قوله ﵀: "وليس ذلك من الصدق والنصح في شيء، إنما هو خيانة وغش، فإن أضاف إليها كذبًا صريحًا مثل أن يقول: قد أعطيت فوق ما يساوي في سوقه، لأجل حاجتي إلى ذلك، ونحو هذا مما يستعمله من لا عناية له بمطعمه ومشربه، ومن جل قصده تثمير المال، والمفاخرة والمكاثرة بحسن المخادعة في البيوع، وكل ذلك محرم محذور. . " (٣).
٧ - اجتناب البيوع الفاسدة، وينقل جملة كبيرة منها عن ابن عقيل الحنبلي، ويقول ﵀: "ومن الإحسان في البيوع، والتزام العقود الشرعية، والورع في المعاملات المباحة، ما ذكره الإمام أبو الوفا بن عقيل البغدادي في كتاب التذكرة، في باب ما يجتنب من البيوع الفاسدة، فقال:
يجتنب منها خمسة وعشرون شيئًا، كلها كانوا في الجاهلية يجيزونه،
_________________
(١) المصدر السابق (٦١٢ - ٦١٣).
(٢) وسيأتي مزيد بيان لهذه القضية أثناء تحقيق متن الكتاب إن شاء الله.
(٣) المصدر السابق (٦١٣).
[ ٢٣٦ ]
فجاء الإسلام برده وبيان تحريمه، فمنها: تلقي الركبان، وأن يبيع حاضر لباد، والنجش هو من شرها موقعًا، وأذرعها للحق وفي القلوب، وأن يسوم الرجل على سوم أخيه المسلم، ونهى عن بيع الملامسة، وعن بيع المنابذة، ونهى عن المحاقلة، وهي مما يقع فيه كثير من الجند، الذين يعاملون الفلاحين، ولا يعرفون شرطه، ونهى عن المزابنة، وعن بيع الحصاة، وعن بيع الكلب، وعن بيع نقع البئر يعني: ماءه، وعن بيع وسلف، وعن بيع ما لم يقبض، وعن بيع ما ليس عندك، وعن بيع الحب حتى يفرك، وعن بيع الثمرة حتى تزهي، أي: يبدو صلاحها، وهو أن تحمر أو تصفر، وعن بيع الحنطة في شبلها، وربح ما لم يضمن خسارته، ونهى عن بيعين في بيعة، وعن بيع المضامين، وحرم بيع الملاقيح، ونهى عن بيع وشرط، ونهى عن بيع الغرر، وعن بيع حبل الحبلة، وعن بيع اللحم بالحيوان، وعن عسب الفحل، وعن بيع الرطب بالتمر، ورخص في العرايا من أجل الفقراء، وعن بيع المجر، وعن بيع الكالئ بالكالئ" (١).
وكما قلنا قبل ذلك: إن المصنف ينهج نهجًا ليس كنهج الفقهاء في تعامله مع تلك القضايا الفقهية، ومن أجل ذلك فهو يعقب على ما ذكره ابن عقيل من بيوع فاسدة بقوله: "فهذه بيوع كثيرة عرف تفصيلها، ووجه الاحتراز منها، من مشهور الأحاديث، وجملة أحاديث النهي عن البيوع الفاسدة ثلاثة وخمسون حديثًا.
وقد بوب العلماء على أكثرها، وأحسنوا التنبيه على ذلك، لئلا يكون للآكل حجة إذا أخذ الحرام، وسماه بغير اسمه، واحتج لغلبة هواه، ورغبته في تثمير المال بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] " (٢).
وأعجب من ذلك قوله بعد ذلك: "وللعلماء من التصانيف الجليلة في
_________________
(١) المصدر السابق (٦٣٠ - ٦٣٨)، وسيأتي التعريف بهذه البيوع مقرونة بأدلتها أثناء تحقيق المتن إن شاء الله.
(٢) المصدر السابق (٦٣٨).
[ ٢٣٧ ]
البيوع ما بين الحالي من العاطل (١)، وأوضح الحق من الباطل، وليس هذا مما يستغني عنه العوام، بل هو مما لا يسعهم جهله، ولا يعذر التجار في التساهل في حفظه" (٢).
وانظر إلى قوله ﵀: وليس هذا مما يستغني عنه العوام، بل هو مما لا يسعهم جهله، ولا يعذر التجار في التساهل في حفظه.
وهل انتشر الربا والمعاملات الربوية، وفشا الغش والخداع، وظهرت المعاملات الفاسدة والبيوع الفاسدة بين الناس، وضج الأخيار، واشتكى الصالحون إلا يوم فرط المسلمون في معرفة أبواب الحلال والحرام، وصارت عند كثير منهم -على أحسن حال- نافلة وفضلة، وظن العوام الذين يتعاملون بالبيع والشراء وسائر المعاملات أنهم مستغنون عنها، وحسب التجار أنهم معذورون يوم تساهلوا في حفظها.