ويجيب شيخ الإسلام عن ذلك بأجوبة مختصرة، منها ما يلي:
١ - أن الإيمان في اللغة ليس مرادفًا لتصديق، وإنما هو بمعنى الإقرار.
٢ - أن الإيمان فإن كان في اللغة هو التصديق، فالتصديق يكون بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما قال النبي - ﷺ -: "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه".
٣ - أن الإيمان -إن ثبت ذلك- فليس هو مطلق التصديق، بل هو تصديق خاص مقيد بقيود اتصل اللفظ بها.
٤ - أن الإيمان وإن كان هو التصديق، فالتصديق التام الذي يقوم بالقلب يستلزم -ولا بد- الواجب من أعمال القلوب والجوارح، فإنها لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم.
_________________
(١) تمهيد الأوائل (٣٨٨).
[ ١١٧ ]
٥ - إن لفظ الإيمان بقي على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد فيه أحكامًا.
٦ - إن الشارع نقل المعنى من اللغة إلى الشرع (١).
رد شيخ الإسلام على من ادعى الإجماع على أن الإيمان في اللغة هو التصديق:
ويرد شيخ الإسلام على من ادعى الإجماع على أن معنى الإيمان في اللغة هو التصديق، ويورد بعض الأسئلة الي تقض ذلك الإجماع، ومن هذه الأسئلة:
من نقل هذا الإجماع؟ ومن أين يعلم هذا الإجماع وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع؟ .
ثم ماذا يعنون بأهل اللغة؟ هل هم نقلتها وعلماؤها، أم هم المتكلمون بها؟ .
فإن كانوا يعنون الأول، فنقلة اللغة لا ينقلون ما قبل الإسلام بإسناد، وإنما ينقلون ما سمعوه من الرب في زمانهم، ولا نعلم أنهم قد نقلوا لفظ الإيمان على أنه التصديق، فضلًا على أن يكونوا قد أجمعوا عليه.
وإن كانوا يعنون بأهل اللغة المتكلمين بهذا اللفظ، فهؤلاء لم نهدهم، ولم ينقل لا أحد عنهم.
ثم إنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم قالوا: الإيمان في اللغة هو التصديق، بل ولا عن بعضهم، وإن قدر أنه قاله بعضهم، فليس هذا إجماعًا.
ثم لو قدر أنهم نقلوا عن العرب كلامًا يفهم منه أن الإيمان هو التصديق، لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن النبي - ﷺ -، وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أريد به معنى، ولم يرده، فظن هؤلاء ذلك فيما ينقلونه -إن صح النقل- عن العرب أولى.
_________________
(١) الإيمان (١٠١).
[ ١١٨ ]
ثم أين التواتر الموجود عن العرب أنهم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق؟ فإن دون ذلك خرط القتاد.
ثم إن هؤلاء لم يذكروا شاهدًا من كلام العرب على أن الإيمان في اللغة هو التصديق بالإجماع، ولم يذكروا إلا كلامًا -هو حجة عليهم وليس لهم-كقولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، ويؤمن بالجنة والنار، ويؤمن بعذاب القبر.
وليس معنى ذلك هو التصديق المجرد بهذه الغيبيات، بل المقصود أنه يؤمن بالجنة ويرجوها، ويؤمن بالنار ويخافها، أما من صدق بها، ولم يخف أو يرجو، فلا يسمى مؤمنًا بها (١).