فإذا قوي ما في القلب من التصديق والمحبة لله ورسوله أوجب ذلك بغض أعداء الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾.
فهذا تلازم بين شعب الإيمان عبد القوة.
وأما عدم التلازم عند الضعف، فقد يحصل للرجل بعض مودة لأعداء الله بسبب رحم أو حاجة أو غير ذلك، فلا يكفر به، ويكون ذلك منه ذنبًا ينقص به إيمانه، كما وقع لحاطب بن أبي بلتعة حين كاتب المشركين ببعض أخبار النبي - ﷺ -، وأنزل الله فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (٢).
_________________
(١) المصدر السابق (٣٩١ - ٣٩٨).
(٢) المصدر السابق (٤٠٢).
[ ١٠٩ ]
العاشر: أن الشارع الحكيم ينفي اسم الإيمان عن الشخص لانتفاء كماله الواجب، فإن كان معه بعض أجزائه.
كما نفى الإيمان عن بعض أهل الكبائر من الذنوب في الحديث الصحيح: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن".
والمعنى هنا أن الشارع ينفي الإيمان المطلق عمن ارتكب شيئًا من هذه الكبائر، ومن انتفى عنه الإيمان المطلق، فقد انتفى عنه الأمن المطلق، وهو متعرض للوعيد في الآخرة.
أو -كما سيأتي- أن هذا العاصي خرج من الإيمان إلى الإسلام.
وعلى ذلك تحمل النصوص الواردة في هذا الباب، كقوله - ﷺ -: "من غشنا فليس منا، ومن حمل السلاح علينا فليس منا".
فليس المعنى أنه خرج بالكلية من الإيمان، وصار كافرًا -كما تقول الخوارج، أو في منزلة بين المنزلتين، كما قالت المعتزلة- ولكن المعنى أنه خرج من الإيمان المطلق الذي يتناول النبي - ﷺ -، والمؤمنين معه، الذين يستحقون به الثواب بلا عقاب (١).