المسألة السادسة [*] الفرق بين الإيمان والإسلام (١)
هذه المسألة وقع فيها شيء من الخلاف بين أهل السنّة والجماعة، وإن كان جمهور أهل السنّة يقولون بالفرق بينهما، حتى قيل: "إن السلف لم يرو عنهم كير التفريق" (٢).
وممن روي عنهم عدم التفريق البخاري ومحمد بن نصر وابن منده، ونصر هذا القول ابن حزم (٣).
وممن نصر القول بأن الإسلام يفترق عن الإيمان الإمام الخطابي في معالم السنن، وفي أعلام الحديث (٤)، والإمام البغوي في شرح السنّة (٥)، والحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٦).
وقد تصدى المصنف رحمه اللهُ تعالى في كتاب "شرح حديث جبريل" لهذه المسألة وأورد من الأدلة الظاهرة من الكتاب والسنّة ما يبين أن الفرق بين الإسلام والإيمان هو القول الصواب، ولكن على أي حال فهذه المسألة ليست من المسائل التي يبدع فيها المخالف، والخطب فيها هين.
ومن الأدلة التي تدل على أن هناك فرقًا بين الإسلام والإيمان في القرآن الكريم -كما ذكر المصنف- ما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
٢ - قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦].
_________________
(١) انظر كتاب السنة للخلال (٦٠٢ - ٦٠٨).
(٢) الفتح لابن رجب (١/ ١٣٠).
(٣) الدرة فيما يجب اعتقاده (٣٥٩).
(٤) معالم السنن في تفسير كتاب السنن لأبي داود (٤/ ٣١٥)، أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (١/ ١٦٠).
(٥) شرح السنّة (١/ ١٠).
(٦) جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٦ - ١٠٧). [*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: صوابه «المسألة السابعة»، وهي كذلك «المسألة السابعة» في فهرس المحتويات بآخر المطبوع
[ ٢٠٤ ]
٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
وأما السنّة فقد ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: "أعطى رسول الله - ﷺ - رجالًا، ولم يعط رجلًا، فقلت: يا رسول الله، أعطيت فلانًا، وتركت فلانًا وهو مؤمن، فقال: أو مسلم؟ قال: ثم غلبني ما أجد، فقلت: يا رسول الله، أعطيت فلانًا وفلانًا، وتركت فلانًا وهو مؤمن، فقال: أو مسلم؟ مرتين أو ثلاثًا، وذكر في تمام الحديث أنه يعطي رجالًا، ويدع من هو أحب إليه منهم، خشية أن يكبهم الله في النار على مناخرهم".
فالنبي - ﷺ - أجاب عن عدم إعطاء الرجل الذي كلمه فيه سعد بجوابين: الأول: أن هذا الرجل قد يكون مسلمًا لا مؤمنًا.
الثاني: أنه - ﷺ - وإن كان هذا الرجل مؤمنًا -قد يعطي من هو أضعف إيمانًا منه، لئلا يحمله منع العطاء على الردة، فيكون من أهل النار.
والجواب الأول هو المطلوب، وهو إثبات الفرق بين الإسلام والإيمان.
وعلى هذا فالإسلام أوسع من الإيمان، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا.
"ويقولون في قول النبي - ﷺ -: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" أنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام، ودوروا للإسلام دارة (يعني دائرة)، ودوروا للإيمان دارة أصغر منها في جوفها، وقالوا: إذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلى الكفر" (١).
والإحسان كذلك عبارة عن دائرة أصغر من دائرة الإيمان تقع في جوفها أيضًا، فكل محسن مؤمن، وليس كل مؤمن محسنًا.
_________________
(١) شرح حديث جبريل (٣١٠).
[ ٢٠٥ ]