وهو قول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، وهل هذا الاستثناء جائز؟ أم لا؟ .
وقبل أن نخوض في الموضوع لا بد من التذكير بأن السلف رحمهم الله تعالى قد كرهوا أن يسأل الرجل: أمؤمن، أو هل أنت مؤمن؟ واعتبروا ذلك بدعة (٢).
_________________
(١) الإيمان (١٢٥).
(٢) السنة للخلال (٦٠١ - ٦٠٢)، الإيمان (٣٥٠).
[ ٢٠٠ ]
لم يفصل المصنف ﵀ في كتاب "شرح حديث جبريل" الذي نعني بتحقيقه ودراسته القول في الاستثناء في الإيمان، وإنما أشار بإيجاز بالغ إلى أن أهل السنّة والجماعة يجيزون الاستثناء (١)، وإلى إنكار مرجئة الفقهاء له (٢)، ثم ذكره ثانية حين تحدث عن القول المشهور لأبي الحسن الأشعري ﵀ في الإيمان، وهو التصديق حيث قال: "ومع هذا فهو وجمهور أصحابه على قول أهل الحديث في الاستثناء في الإيمان، والإيمان المطلق عنده ما يحصل به الموافاة، والاستثناء عنده يعود إلى ذلك" (٣).
مذاهب الناس في الاستثناء:
المذهب الأول: الذين يجعلون الاستثناء واجبًا، وهؤلاء لهم مأخذان:
المأخذ الأول: أن الإيمان هو ما يموت عليه الإنسان، واعتبر هؤلاء أن الإنسان يكون مؤمنًا أو كافرًا بالموافاة، وما سبق في علم الله أنه يموت عليه، وقالوا: الإيمان الذي يتعقبه الكفر، فيموت صاحبه كافرًا ليس بإيمان، كالصلاة التي يفسدها صاحبها قبل الكمال، وكالصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وهذا مأخذ كثير من الكلابية، وعندهم: أن الله ﷿ يحب في أزله من كان كافرًا، إذا علم أنه يموت مؤمنًا، فالصحابة ما زالوا محبوبين لله، وإن كانوا قد عبدوا الأصنام مدة من الدهر، وإبليس ما زال الله يبغضه، وإن كان لم يكفر بعد (٤)، وهذا هو مأخذ الأشاعرة.
وقد أنكر شيخ الإسلام أن يكون أحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم قد علل بالموافاة الاستثناء (٥).
المأخذ الثاني: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل المأمورات كلها،
_________________
(١) شرح حديث جبريل (٣٤٩، ٣٦٦).
(٢) المصدر نفسه (٣٧٢).
(٣) المصدر نفسه (٣٨٠)، ونود أن نوضح إلى أننا أثناء تحقيق المتن قد نقنا نصوصًا بالكامل من كتاب "الإيمان الكبير" للمصنف، حول هذا الموضوع، ووضعناها في حاشية الكتاب، تتمة للفائدة.
(٤) الإيمان (٣٣٥).
(٥) الإيمان (٣٤١).
[ ٢٠١ ]
وترك المحرمات جميعها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار، فقد شهد لنفسه بأنه من الأولياء الأبرار المتقين، القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، وهذه من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادته لنفسه بما لا يعلم، ولو صحت هذه الشهادة، لكان يحق له أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، ولا أحد يهد لنفسه بالجنة، وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون في الإيمان، مع أنهم يجوزون ترك الاستثناء لسبب آخر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى (١).
المذهب الثاني: الذين يجعلون الاستثناء محرمًا، وهم المرجئة والجهمية، ومأخذهم في ذلك أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب، فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن، كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، وكما أعلم أني فرأت الفاتحة، وكما أنه لا يجوز أن يقال: أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله، كذلك لا يجوز أن يقال: أنا مؤمن إن شاء الله، وقالوا: من استثنى في إيمانه فقد شك فيه، وسموا من يستثني في الإيمان بالشكاكة (٢).
المذهب الثالث: من يجعل الاستثناء وتركه جائزًا، فمأخذهم حين أجازوا الاستثناء -كما سبق- أن الإيمان المطلق يتضمن فعل جميع المأمورات، وترك جميع المحرمات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى، لأن ذلك من تزكية النفس بلا علم (٣).
أما مأخذهم حين أجازوا ترك الاستثناء، فالمنع من الشك في أصل الإيمان، وليس يعني ذلك أن من ترك الاستثناء يكون إيمانه كاملًا، كالمرجئة (٤).
ويتبين بعد كل ما سبق، أن هذا المذهب هو أصح المذاهب (٥).
_________________
(١) المصدر السابق (٣٤٨).
(٢) المصدر نفسه (٣٣٤).
(٣) المصدر نفسه (٣٤١).
(٤) المصدر نفسه (٣٥٠).
(٥) المصدر نفسه (٣٣٤)، وما من قول من هذه الأقوال الثلاثة إلا قال به بعض أهل السنّة، ولكن القول الثالث هو الذي ذهب إليه الأكثرون منهم، والله أعلم، وإلى ذلك أشار المصنف فى مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٧٨).
[ ٢٠٢ ]
حكم الاستثناء في الإسلام:
وهو قول الإنسان: أنا مسلم إن شاء الله تعالى، وفيه قولان:
الأول: الجواز.
والثاني: المنع.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والمشهور عند أهل الحديث أنه لا يستثنى في الإسلام، وهو المشهور عن أحمد - ﵁ -، وقد روي عنه فيه الاستثناء. . " (١).
والراجح في هذه المسألة التفصيل.
فالاستثناء الممنوع هو الاستثناء في أصل الإسلام، الذي يتحقق بالشهادتين، وبهما يتم الدخول في الإسلام.
وأما الاستثناء الجائز فهو الاستثناء في الإسلام الكامل (المطلق)، وهو الإتيان بالأركان الخمسة.
وفي ذلك يقول ﵀: "بل المراد أنه إذا أتى بالكلمة دخل في الإسلام، وهذا صحيح، فإنه يشهد له بالإسلام، ولا يشهد له بالإيمان الذي في القلب، ولا يستثنى في هذا الإسلام، لأنه أمر مشهور، لكن الإسلام الذي هو أداء الخمس كما أمر به يقبل الاستثناء، فالإسلام الذي لا يستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط، فإنها لا تزيد ولا تنقص، فلا استثناء فيه" (٢).
ويقول في موضع آخر: "وتعليل أحمد وغيره من السلف ما ذكروه في اسم الإيمان يجيء في اسم الإسلام، فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء، كما نص عليه أحمد وغيره، وإذا أريد به من فعل الواجبات الظاهرة كلها، فالاستثناء فيه كالاستثناء في الإيمان. . " (٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٣).
(٢) الإيمان (٢٠٤).
(٣) المصدر نفسه (٣٢٤).
[ ٢٠٣ ]