قضى الله ﷿ أن يمتحن العلماء الربانيون، وأن يعيش كثير منهم في هذه الدار على جناح الابتلاء والإيذاء من قبل أعداء حقيقيين، أو جهلاء متعين لغيرهم، وقد كان لشيخ الإسلام مكانة عند الناس أمراء وعامة، لا تكاد تعدلها مكانة، فكبر على طائفة من علماء عصره أن يتبوأ ابن تيمية تلك المكانة العليا.
إن خصوم شيخ الإسلام هم في غالبهم ثلاثة أصناف: إما من علماء المذاهب الفقهية الذين يرون أن من خرج بقول عنها أتى بشيء عظيم، وإما من علماء الكلام الذين أفسدوا العقائد، وإما من المتصوفة الذين رأوا أن سلطانهم بين الناس بدأ في التأرجح وخافوا عليه من الاضمحلال.
وبين هذه الأصناف الثلاثة دافع مشترك من حب الحطام، والرغبة في جمع الأموال، والظهور بين الأنام.
ولعلنا لا نجد خيرًا من الحافظ عمر بن علي البزار تلميذ شيخ الإسلام يفسر لنا الأسباب الكامنة وراء تآزر الخصوم في وجه الشيخ.
يقول ﵀: "ولما رأوا هذا الإمام العالم عالم الآخرة، تاركًا لما هم عليه من تحصيل الحطام، من الشبه الحرام، رافضًا الفضل المباح فضلًا عن الحرام، تحققوا أن أحواله تفضح أحوالهم، وتوضح خفي أفعالهم، وأخذتهم الغيرة النفسانية .. فحرصوا على الفتك به أين ما وجدوه .. " (٢).
وبعد أن ذكر بعض جهود شيخ الإسلام في جهاد التتار، ونصيحة
_________________
(١) المصدر نفسه (١٤/ ٢٧)، وكانت هذه المعركة الفاصلة في الثاني من شهر رمضان المبارك من سنة (٧٠٢ هـ).
(٢) الأعلام العلية (٢٠).
[ ٤٤ ]
سلطان المسلمين قال: "ولم يزل المبتدعون أهل الأهواء، وآكلوا الدنيا بالدين، تعاضدين متناصرين في عدوانه، باذلين وسعهم في الفتك به، متخرصين عليه بالكذب الصراح، مختلقين عليه، وناسبين إليه ما لم يقله ولم ينقله، ولم يوجد له به خط، ولا وجد له في تصنيف ولا فتوى، ولا سمع منه في مجلس .. " (١).
ثم يبين بجلاء سبب الخصومة من قبل هؤلاء العلماء فيقول: "وسبب عداوتهم له: أن مقصودهم الأكبر طلب الجاه والرئاسة، وإقبال الخلق، ورأوه قد رقاه الله إلى ذروة السنام من ذلك بما أوقع له في قلوب الخاصة والعامة من المواهب التي منحه بها، وهم عنها بمعزل، فنصبوا عداوته، وامتلأت قلوبهم بمحاسدته، وأرادوا ستر ذلك عن الناس، حتى يفطن بهم، فعمدوا إلى اختلاق الباطل والبهتان عليه، والوقوع يه، خصوصًا عند الأمراء والحكام، وإظهارهم الإنكار عليه بما يقي به من الحلال والحرام، فشققوا قلوب الطغام بما اجترحوه من زور الكلام .. " (٢).
ومن ذلك أنه زُوِّر على شيخ الإسلام مكتوب، زعم مزوره الكذوب أن شيخ الإسلام ومعه بعض أهل الفضل والعلم يكاتبون التتار، ولكن كشف الأمر، وظهر الحق، وقطعت يد الكاتب الأثيم (٣).
ويشير أحد تلامذة شيخ الإسلام -وهو الحافظ ابن كثير- إلى سبب عداوة الخصوم له بقوله: "وكان للشيخ تقي الدين بن تيمية جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة، وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس له، ومحبتهم له، وكثرة أتباعه، وقيامه في الحق، وعلمه وعمله .. " (٤).
وكان بلوغ شيخ الإسلام الذروة في المكانة والشهرة إيذانًا بابتداء نزول المحنة، بل المحن المتعاقبة التي لم يكن يخرج من محنة إلّا ليواجه
_________________
(١) المصدر السابق (٣٤).
(٢) المصدر نفسه (٣٥).
(٣) البداية والنهاية (١٤/ ٢٣).
(٤) المصدر السابق (١٤/ ٣٩).
[ ٤٥ ]
أخرى، حتى انتهت بمحنته الأخيرة التي أودع فيها السجن، وطويت آخر صفحاته المشرقة بموته ﵀.
ويا ليت السهام التي وجهت إلى شيخ الإسلام كانت من صوب أعداء الملة من اليهود والنصارى والمغول، ولكن كانت في غالبها من علماء مسلمين منتسبين إلى أهل السنّة، ضاقوا بآرائه النيرة، وأحكامه الموفقة، وفتاويه التي لم تخرج عن الكتاب والسنّة، فغدوا وعلى أعينهم غشاوة من الحسد والإحن، ولا هم لهم إلا الإيقاع بهذا العالم الرباني، حتى لو كان ذلك عن طريق التشهير المغرض، والافتراء الساقط.
ومن تلك المحن التي تعرض لها شيخ الإسلام ﵀:
١ - محنته سنة (٦٩٨ هـ) بسبب كتابه "العقيدة الحموية"، وبلغ الأمر أن طافوا به، ونودي عليه بأن لا يُستفتى، ولكن سرعان ما انجلت هذه المحنة، وعوقب من تسبب بها (١).
٢ - محنته ومسائلته عن عقيدته، سنة (٧٠٥ هـ)، ومناظرته للعلماء في "العقيدة الواسطية"، وخروجه معززًا مكرمًا منها، وإجازة تلك العقيدة (٢).
٣ - محنته وسفره ﵀ إلى مصر في السنة نفسها، وامتحان العلماء له، وإدخاله السجن، وفي تلك الفترة هُدد الشيخ وتُوعد بالقتل، وما زاده إلا إيمانًا وتسليمًا، ومكث في السجن سنة ونصف السنة، حتى أخرجه ابن مهنا أمير العرب بعد استئذانه من أولي الأمر، وانمحت تلك المحنة، ومكث ﵀ قرابة ستة أشهر يقرئ العلم، وينشر العقيدة الصحيحة التي تكالب المتكلمون والمتصوفون على دفنها بين ركامات علم الكلام وجهالات التصوف (٣).
٤ - محنته بسبب ثورة الصوفية وتظاهرهم ضده، وشكواهم من أنه
_________________
(١) العقود الدرية (١٣٢)، البداية والنهاية (١٤/ ٤).
(٢) العقود الدرية (١٣٢)، البداية والنهاية (١٤/ ٣٨).
(٣) العقود الدرية (١٦٥ - ١٧١)، البداية والنهاية (١٤/ ٤٠، ٤٧).
[ ٤٦ ]
يسب مشايخهم، ويسفه أحلامهم، وجرت في ذلك أمور انتهت بدخوله سجن القضاة في شوال سنة (٧٠٧ هـ)، وكان ذلك أشبه بالإقامة الجبرية، حيث كان الناس يتوافدون إلى الشيخ لاستفتائه والاستفادة منه، ثم نقل ﵀ إلى الإسكندرية حيث حبس في برج مطل على البحر، وطلاب العلم والناس يترددون عليه، وبقي في الإسكندرية ثمانية أشهر، حتى طلبه السلطان الناصر الذي عاد إلى الحكم في الثامن من شهر شوال سنة (٧٠٩ هـ)، بعد أن تسلطن الجاشنكير مدة يسيرة، وأراد السلطان معاقبة أعداء شيخ الإسلام من العلماء، ليس انتصارًا للشيخ بقدر ما هو انتقام منهم، حين مالؤا عليه عدوه في الحكم، ففطن ﵀ للأمر، وتكلم في تعظيم أهل العلم، ونهاه أن يمسهم بسوء، حتى صفح السلطان عنهم، وفي ذلك قال خصمه العنيد القاضي ابن مخلوف المالكي: ما رأينا مثل ابن تيمية، حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا (١)، وقد استمرت هذه المحنة بالشيخ عامين، ومكت الشيخ بمصر يدرس ويفتي ويؤلف إلى سنة (٧١٢ هـ)، ولم تنسه المهام الصعبة التي كان يقوم بها حينذاك أن يكتب إلى أمه الرؤوم في دمشق يسلم عليها، ويعتذر لها من بقائه في مصر لمصالح في الدين والدنيا (٢).
٥ - قيام جماعة من الغوغاء بالاعتداء المشين على شيخ الإسلام في جامع مصر، وضربه والنيل منه، ولكن الشيخ صبر وأمر أتباعه بالصبر والاحتساب، وأخمد الله به نار فتنة كادت تعصف بالقاهرة، مؤثرًا سلامة الناس وأمنهم على سلامته وأمنه (٣)، وقد عاد الشيخ إلى مسقط رأسه دمشق، بعد أن غاب عنها أكثر من سبعة أعوام في بلاد مصر (٤).
٦ - محنته في دمشق بسبب فتياه في مسائل الطلاق (٥)، وكانت بداية
_________________
(١) العقود الدرية (١٨٧)، البداية والنهاية (١٤/ ٥٦).
(٢) العقود الدرية (١٧٦ - ١٨٦)، البداية والنهاية (٤٧ - ٥٥).
(٣) العقود الدرية (١٨٩).
(٤) العقود الدرية (١٩٢)، البداية والنهاية (١٤/ ٦٩).
(٥) خالف الشيخ جمهور العلماء في ثلاث مسائل تختص بالطلاق، وهي أن الحلف =
[ ٤٧ ]
المحنة في منتصف شهر ربيع الأول من سنة (٧١٨ هـ)، حيث أشير عليه بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، فأجاب ﵀ إلى ذلك، وجاء مرسوم من السلطان بمنعه من الإفتاء في تلك المسألة، ونودي بذلك في البلد، ولكن الشيخ رأى بعد ذلك أنه لم يعد يسعه كتمان العلم، فعاد إلى الإفتاء بها، وكان ذلك سببًا عند متعصبة المذاهب وفاسدي البصائر لسجنه في القلعة نحوًا من ستة أشهر، وكان ذلك في الثاني والعشرين من شهر رجب عام (٧٢٠ هـ)، ثم عاد إلى سابق عهده من التدريس والتأليف والتصنيف والإفتاء (١).
٧ - المحنة الأخيرة: وذلك بسبب فتواه في عدم جواز شد الرحل وفصد السفر إلى قبر الرسول - ﷺ -، وما زال أعداؤه يتربصون به الدوائر، وينقبون في كلامه وفتاويه حتى وجدوا ضالتهم المنشودة في تلك الفتوى التي أفتى بها منذ سبعة عشر عامًا، وفي اليوم السادس عشر من شهر شعبان من سنة (٧٢٦ هـ)، اعتقل شيخ الإسلام ﵀ في قلعة دمشق التي طالما حرص على حمايتها، فهو اليوم حبيس فيها، وكان آخر العهد به في حياة الناس العامة التي شغلها بفكره وعلمه ودعوته وجهاده (٢).
وما كان موقفه في تلك المحن العصيبة والأحداث الكبيرة، غير الصبر والسلوان، بل الفرح والسرور والرضا والاطمئنان لعلمه بعواقب المحن، ولما جاء قرار الاعتقال ما زاد عن قوله: "أنا كنت منتظرًا لذلك، وهذا فيه خير كثير ومصلحة كبيرة! ! " (٣).
_________________
(١) = بالطلاق إذا كان بقصد اليمين، فحنث الحالف، لا يعد طلاقًا، وليس على الحالف سوى الكفارة، وأن الطلاق البدعي لا يقع البتة، وأن الثلاث تقع طلقة واحدة رجعة. وهذه المسائل إن لم تكن هي الراجحة في الخلاف، فليست بدعًا من القول حتى يمتحن ﵀ من أجلها، وينال منه بسببها.
(٢) العقود الدرية (٢١٥)، البداية والنهاية (١٤/ ١٠٠).
(٣) العقود الدرية (٢١٨)، البداية والنهاية (١٤/ ١٢٧).
(٤) البداية والنهاية (١٤/ ١٢٨).
[ ٤٨ ]
وفي هذه المرة أوذي جماعة من أكابر أصحاب شيخ الإسلام وتلاميذه الأبرار، وحبسوا وأوذوا إيذاءًا عظيمًا، وعزروا وطيف بهم، وتم التشهير بهم، ثم أطلقوا كلهم سوى صفي شيخ الإسلام وتلميذه المقرب الحافظ الجليل ابن قيم الجوزية ﵀ (١).
ولما دخل شيخ الإسلام القلعة محبوسًا مأسورًا، وصار داخل سورها نظر إليه وفال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣].
وكان يقول في حبسه: لو بذلت ملء هذه القعلة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة.
وقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه.
أما كلماته العذبة المؤمنة التي أثمرها الإيمان، وزكاها الامتحان، وتناقلها الناس عبر الأجيال فهي التي يقول فيها: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة (٢)! ! ! .