لا بد أن نشير أولًا إلى أن هذه البدعة -يعني الإرجاء، وهي إخراج الأعمال من مسمى الإيمان- قد قال بها طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، وكانت هذه البدعة عندهم لم تبرح الجانب النظري في حياتهم، أما الجانب العملي فلم يتأثر بها مطلقًا، حيت كانوا يوصون بالأعمال، وهم أنفسهم كانوا من أكثر الناس عبادة وعملًا، ولكن هذا القول كان بعد ذلك ذريعة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٦).
[ ١١٣ ]
إلى ظهور الفسق، وموطئًا لإرجاء الجهمية الغالي، "فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببًا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في الإرجاء" (١).
ويوضح شيخ الإسلام مذهب المرجئة الفقهاء الذين يقولون: إن الأعمال ليست من الإيمان، وما يترتب على ذلك، فيقول: "إن الإيمان يزيد، بمعنى أنه كما أنزل الله آية واجب التصديق بها، فانضم هذا التصديق إلى التصديق الذي قبله، لكن بعد إكمال ما أنزل الله، ما بقي الإيمان يتفاضل عندهم، بل إيمان الناس كلهم سواء، إيمان السابقين الأولين كأبي بكر وعمر، وإيمان أفجر الناس، كالحجاج وأبي مسلم الخراساني وغيرهما. . " (٢).
غير أن شيخ الإسلام -وهو من هو في إنصاف المخالفين- يبين أن لهؤلاء أدلة شرعية أخطأوا في فهمها، وغلطوا في الاستدلال بها، واشتبه الأمر عليهم بسببها، ومن هذا الأدلة:
١ - أن الله ﷿ قد فرّق في كتابه بين الإيمان والعمل، فقال في غير موضع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وما دام أنه قد عطف الأعمال الصالحة على الإيمان، ففي هذا دليل على أن الأعمال ليست من الإيمان، لأن العطف يقتضي المغايرة.
٢ - أن الله سبحانه قد خاطب الإنسان بالإيمان قل وجود الأعمال، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
٣ - قالوا: لو أن رجلًا آمن بالله ورسوله ضحوة، ومات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال لمات مؤمنًا، وكان من أهل الجنة، فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان (٣).
_________________
(١) الإيمان (٣٠٨).
(٢) المصدر السابق (١٥٥).
(٣) المصدر السابق (١٥٥).
[ ١١٤ ]
ويرد شيخ الإسلام على هذه الأدلة بما يلي:
أولًا: أما قولهم إن الله قد فرق بين الإيمان والعمل فهذا صحيح، وقد أفاض ﵀ في بيان أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها، وقد يقرن الله به الأعمال، ونظائر ذلك كثيرة.
ويقول ﵀ موضحًا لتلك القضية: "والمرجئة أخرجوا العلم الظاهر عن الإيمان، فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضًا وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بين، ومن قصد إخراج العمل الظاهر، قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن، فبقي النزاع في أن العمل الظاهر هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن، أو لازم لمسمى الإيمان؟ .
والتحقيق أنه تارة يدخل في الاسم، وتارة يكون لازمًا للمسمى -بحسب إفراد الاسم واقترانه- فإذا قرن الإيمان بالإسلام كان مسمى الإسلام خارجًا عنه، كما في حديث جبريل، وإن كان لازمًا له، وكذلك إذا قرن الإيمان بالعمل، كما في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فقد يقال: اسم الإيمان لم يدخل فيه العمل، فإن كان لازمًا له، وقد يقال: بل دخل فيه وعطف عليه عطف الخاص على العام" (١).
ويقول ﵀ في موضع آخر: "وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها، وقد يقرن به الأعمال، وذكرنا نظائر لذلك كثيرة، وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولًا للملزوم واللازم، وإن كان أصله ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال، فإنه أريد أنه لا يكتفي لإيمان القلب، بل لا بد معه من الأعمال الصالحة" (٢).
_________________
(١) شرح حديث جبريل (٤٤٦).
(٢) الإيمان (١٥٧).
[ ١١٥ ]
فتبين أن ذكر الأعمال بعد الإيمان هي من باب عطف الخاص على العام.
وعلى هذا فالأمر -كما يفهم من كلام شيخ الإسلام- في هذه الصورة لا يخلو من حالين:
إما أن يكون هذا الخاص (الأعمال) داخلًا في العام (الإيمان)، فيكون مذكورًا مرتين.
إما أن يكون عطفه عليه يقضي أنه ليس داخلًا فيه هنا، وإن كان يدخل فيه منفردًا، كما هو الحال في الشهادتين، ولفظ الفقير والمسكين، وغيرها من الألفاظ التي تتنوع دلالاتها بالإفراد والاقتران (١).
ثانيًا: وأما قولهم: إنهم خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال، "فنقول: إن قلتم: إنهم خوطبوا به قبل أن تجب تلك الأعمال، فقبل وجوبها تكن من الإيمان، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم، قبل أن يفرض عليهم ما خوطبوا بفرضه، فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين" (٢).
ثالثًا: وأما قولهم إن من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمنًا ودخل الجنة "فصحيح، لأنه أتى بالواجب عليه، والعمل لم يكن وجب عليه بعد" (٣).
كما يرد على هؤلاء بإجماع السلف الصالح قاطبة رضوان الله عليهم، أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي.