كما ازداد عز الإسلام وعظمت قوة المسلمين، كما ازداد التزام المنافقين بأحكام الإسلام الظاهرة، وكلما ضعف أمر الإسلام، وتلاشت قوة المسلمين، كان إظهار المنافقين لنفاقهم أشد وأعظم، والتزامهم بأحكام الإسلام الظاهرة ضعيفًا.
فهناك تناسب طردي بين عز الإسلام، والتزام المنافقين بالأحكام الظاهرة.
وهناك تناسب عكسي بين ضعف الإسلام، وقوة المنافقين، بمعنى أنه كما ضعف الإسلام قري المنافقون، والعكس صحيح.
هذه القاعدة استنبطت من كلام المصنف -﵀- في كتاب "شرح حديث جبريل"، وذكر من كلام السلف ما يدل عليها، كقول حذيفة بن اليمان - ﵁ -: "النفاق اليوم أكثر منه على عهد رسول اللهﷺ -"، أو في الرواية الأخرى: " كانوا على عهد النبي - ﷺ - يسرونه، واليوم يظهرونه" (٣).
يقول المصنف حول تلك القاعدة: "وقد كان المنافقون يلتزمون أحكام الإسلام الظاهرة، لا سيما في آخر الأمر، ما لم يلتزمه كثير من
_________________
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن رجب (١/ ١٩٥).
(٢) الفتح (١/ ١١١).
(٣) شرح حديث جبريل (٣٠٠).
[ ٨٨ ]
المنافقين الذين من بعدهم، لعز الإسلام، وظهوره إذ ذاك بالحجة والسيف، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ (١) ".
ويقول: "ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعًا واحدًا، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب، وفيه شعبة من نفاق، وكان كثير ذنوبهم بحسب ظهور الإيمان، ولما قوي الإيمان وظهر الإيمان وقوته عام تبوك، صاروا يعاتبون من النفاق على ما لم يكونوا يعاتبون عليه قبل ذلك .. " (٢).