اختلف الناس في أمر البعث والمعاد اختلافًا واسعًا، وقد حكى القرآن الكريم جملة من أقوال منكري البعث من الدهريين وأتباعهم، الذين قالوا: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، فكذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية:٢٤]، فقد قالوا ما قالوا، على ظن وشك لا عن علم ويقين، بل هي أوهام وخيالات (^١).
ثم ذكر شبهتهم على إنكار البعث فقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ [الجاثية:٢٥]، وهذه جرأة منهم على الله، حيث اقترحوا هذا الاقتراح، وزعموا، صدق الرسول متوقف على الإتيان بآبائهم، وهم كذبة فيما قالوا، وإنما قصدهم دفع دعوة الرسول، لا بيان الحق (^٢).
وقولهم هذا، قول آفن، وكلام لا ينبغي أن يصدر من عاقل، فإنه لا يلزم من عدم حصول الشيء في الحال كإعادة آبائهم التي طلبوها في الدنيا امتناعه فيما بعد إذا قامت القيامة، وبعث الله الموتى من قبورهم للعرض الحساب (^٣).
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن (١/ ٨١). ٥/ ١٤٣، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٦٩).
(٢) السعدي: تيسر الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٧٧٧).
(٣) المراغي: تفسير المراغي، مكتبة البابي - مصر، ط ١ ١٣٦٥ هـ (٢٢/ ١٦٠).
[ ٢٠٣ ]
ثم أمر الله تعالى رسوله ﵊، أن يرد عليهم فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [الجاثية:٢٦]، أليس الله ينشئ الحياة أمام أعينهم إنشاء في كل لحظة، وفق سنن إنشاء الحياة؟ فهذه هي المعجزة التي يريدون أن يشاهدوها في آبائهم، ها هي ذي تقع أمام أعينهم بعينها وبذاتها، والله هو الذي يحي، وهو الذي يميت فلا عجب إذن في أن يحي الناس ويجمعهم إلى يوم القيامة، ولا سبب يدعو إلى الريب في هذا الأمر الذي يشهدون نظائره فيما بين أيديهم (^١).