من أوجه اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت (^٢):
١ - الإكثار من ذكره على أوجه متنوعة وبأساليب مختلفة، فتارة يذكره خبرًا مجردًا ليستعد المرء للقائه، وتارة يذكره مقرونًا بحكم ونحوه، ليكون زاجرًا له عن الوقوع في حدود الله تعالى.
_________________
(١) دروزة عزت: التفسير الحديث، دار إحياء التراث - بيروت، ١٣٨٣ هـ (٧/ ٢٨٢).
(٢) * لو قيل: ما الحكمة في الموت، وهلاّ وصل نعيم الآخرة وثوابها بنعيم الدنيا، فيكون ذلك في الإنعام أبلغ؟ قيل: هذا كالمفسدة في حق المكلفين، لأنه متى عجل للمرء الثواب فيما يتحمله من المشقة في الطاعات صار إتيانه بالطاعات لأجل تلك المنافع لا لأجل طاعة الله فأخره الله تعالى وبعّده بالإماتة ثم الإعادة ليكون العبد عابدًا لربه بطاعته لا لطلب الانتفاع. الرازي: مفاتيح الغيب، (٢٣/ ٢٦٧)
[ ٣٠٥ ]
٢ - ذكره باسمه ومشتقاته وأوصافه وأحواله بكثرة في القرآن العظيم، فقد ذكرت كلمة الموت وما اشتق منها في آيات القرآن الكريم: مائة وخمسا وستين (١٦٥) مرة، في مائة واثنتين وأربعين (١٤٢) آية، في ثلاث وخمسين (٥٣) سورة، منها أربعة وثمانون موضعًا (٨٤) مكيا، وواحدًا وثمانون موضعًا (٨١) مدنيا (^١).
٣ - التأكيد عليه في كل مناسبة تقتضي ذلك، وله صور كثيرة منها:
- أنه في حال تكذيب المشركين بالبعث كما في قوله جل وعلا: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)﴾ [السجدة:١٠]، يؤكد القرآن قبض أرواحهم ورجوعهم إلى ربهم، يقول جل وعلا: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة:١١].
ففي هذه الآية "أمر الله تعالى نبيه أن يخبرهم بجملة الحال غير مفصلة، فبدأ بالإخبار من وقت يفقد روح الإنسان إلى الوقت الذي لا يعود فيه إلى ربه فجمع الغايتين الأولى والآخرة" (^٢).
وقال الإمام الرازي:" فإن قيل: هم أنكروا الإحياء، والله ذكر الموت وبينهما مباينة؟ نقول: فيه وجهان: أحدهما: أن ذلك دليل الإحياء، ودفع استبعاد ذلك فإنهم قالوا: ما عُدم بالكلية، كيف يكون الموجود عين ذلك؟ فقال: الملك يقبض الروح والأجزاء تتفرق، فجمع الأجزاء لا بُعد فيه، وأمر الملك برد ما قبضه لا صعوبة فيه أيضًا، فقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ أي: الأرواح معلومة، فترد إلى أجسادها" (^٣).
_________________
(١) عادل كمال حاج: الموت في القرآن الكريم، بحث علمي مقدم لجامعة أم درمان الإسلامية - قسم التفسير، ١٤٢٧ هـ، ص (١٠)
(٢) ابن عطية: المحرر الوجيز، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٤/ ٣٦٠)
(٣) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٥/ ١٤٣).
[ ٣٠٦ ]
- التأكيد على حتمية الموت، وأنه حق واقع لا محالة، وقد أكده القرآن في مواضع منها قوله جل وعلا: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨].
وهذه الآية فيها معنى الشرط والجزاء، أي: إن فررتم منه فإنه ملاقيكم، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه (^١).
- التأكيد على شمولية الموت وعمومه، قال جل وعلا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] يقول الإمام الطبري:" يقول تعالى ذكره: كل من على ظهر الأرض من جن وإنس فإنه هالك، ويبقى وجه ربك يا محمد ذو الجلال والإكرام" (^٢).
وذكر الإمام القرطبي وجه النعمة في الإفناء فقال:" وجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام، وقيل: وجه النعمة: أن الموت سبب النقل إلى دار الجزاء والثواب" (^٣).
وأكد القرآن الكريم هذا المعنى، وهو شمولية الموت أتم تأكيد فقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، في أكثر من آية؛ لتعلم كل نفس أنها واجدة مرارة الموت لا محالة، فكل حي في سفر إلى دار القرار، وإن طال لبثه في هذه الدار (^٤).
_________________
(١) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٧/ ١٦٥)
(٢) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (٢٣/ ٣٨).
(٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٧/ ١٦٥)
(٤) الشوكاني: فتح القدير، دار ابن كثير - دمشق، ط ١ ١٤١٤ هـ، (٢/ ٢٤٢).
[ ٣٠٧ ]
إن كل حادث فهو فان، وكل ماله بدء فله نهاية ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾،" هذا هو الناموس الذي يحكم الحياة وهذه هي السنة التي ليس لها استثناء، فما أجدر الأحياء أن يحسبوا حساب هذا المذاق، إنه الموت نهاية كل حي وعاقبة المطاف للرحلة القصيرة على الأرض وإلى الله يرجع الجميع" (^١).
٤ - ومما يدل على اهتمام القرآن الكريم بأمر الموت، أن الله جل وعلا أضافه إليه فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ [الحجر:٢٣] وقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾ [ق:٤٣].
فالله ﷿ يميت جميع الخلائق، فلا يبقى حي سواه جل في علاه والوارث من صفات الله تعالى، قيل: الباقي بعد فناء الخلق، وقيل: معناه: أن مصير الخلق إليه (^٢)، وهذا نظير قوله ﷾: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ [مريم:٤٠].
قال ابن عطية في تفسيره: "وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ الآيات هذه الآيات مع الآيات التي قبلها تضمنت العبرة والدلالة على قدرة الله تعالى وما يوجب توحيده وعبادته، فمعنى هذه وإنا لنحن نحيي من نشاء بإخراجه من العدم إلى وجود الحياة، وبرده عند البعث من مرقده ميتًا، ونميت بإزالة الحياة عمن كان حيًا، ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ أي: لا يبقى شيء سوانا، وكل شيء هالك إلا وجهه لا رب غيره " (^٣).
_________________
(١) سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق - بيروت، القاهرة، ط ١٧ ١٤١٢ هـ (٤/ ٢٣٧٧).
(٢) البغوي: معالم التنزيل، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ١ ١٤٢٠ هـ، (٣/ ٥٥).
(٣) ابن عطية: المحرر الوجيز، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤٢٢ هـ (٣/ ٣٥٨ (
[ ٣٠٨ ]
وقد جاء لفظ المحيي بصيغة الفعل كثيرًا في القرآن (^١)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة:٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾ [الحج:٦٦]، وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [الجاثية:٢٦].
٥ - ومن أوجه الاهتمام بالموت في القرآن الكريم، ذكر بعض أحوال وأوصاف ومشاهد الموت في آيات كثيرة، وقد اجتمع في هذا الوجه مجموعة من الأمور:
أ. أن للموت أجل محدود لا يتقدم ولا يتأخر عنه، قال ﷾: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ [الأعراف:٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون:١١].
فالكل ميت بأجله، حتى المقتول ميت بأجله، فعلم الله تعالى، وقدر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض، وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا بسبب الحرق، وهذا بالغرق إلى غير ذلك من الأسباب، والله خلق الموت والحياة وخلق سبب الموت والحياة (^٢) قال الإمام المزني:" والخلق ميتون بآجالهم عند نفاد أرزاقهم وانقطاع آثارهم" (^٣).
ب. أن وقت الموت مجهول:
جعل الله جل وعلا لكل شيء أجلًا، فقال عن الإنسان: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ [الأنعام:٢].
_________________
(١) حصة الصغير: شرح أسماء الله الحسنى وصفاته، دار القاسم - الرياض، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ص (٢٣٤)
(٢) ابن أبي العز شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط ١ ١٤١٨ هـ، ص (١٠٠).
(٣) المزني: شرح السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط ١ ١٤١٥ هـ، ص (٨٠).
[ ٣٠٩ ]
فالمروي عن ابن عباس ﵄: أن الأجل الأول (الموت) والأجل الثاني المسمى (الآخرة)، وهذا الأجل غير معلوم، ولذا قال: (عنده) أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧] (^١).
وأكد القرآن الكريم على هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان:٣٤]، فقوله جل وعلا: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله تعالى (^٢).
قال الخازن:" ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٥]، يعني: ليس أحد من الناس يعلم أين مضجعه من الأرض، في بر أو بحر، في سهل أو جبل" (^٣).
_________________
(١) الطبري: جامع البيان ص (١١/ ٢٥٩)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٣٩).
(٢) مكي أبو طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية، مجموعة بحوث الكتاب والسنة، كلية الشريعة، جامعة الشارقة، ط ١ ١٤٢٩ هـ (٩/ ٥٧٤١).
(٣) الخازن: لباب التأويل، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ ١٤١٥ هـ (٣/ ٤٠١).
[ ٣١٠ ]
فـ"مكان الموت الذي هو ختام الأمر الدنيوي، وطي سجل الأثر الشهودي، وابتداء الأمر الأخروي، الظهر لأحوال البرزخ في النزول مع المنتظرين لبقية السفر إلى دائرة البعث، وحالة الحشر إلى ما هنالك من ربح وخسران، وعز وهوان، وما للروح من اتصال بالجسد، والرقية في العلو والسفول، والصعود والنزول، إلى ما وراء ذلك إلى ما لا آخر مما لا يعلم تفاصيله، وجملة وكلياته وجزئياته إلا مخترعه وبارئه ومصطنعه، وعبّر في الآية بقوله (بأي أرض تموت) ولم يقل: بأي وقت! لعدم القدرة على الانفكاك عن الوقت مع القدرة على الانفكاك عن مكان معين، وإماطة العلم بكراهة كل أحد للموت، فكان ذلك أول دليل على جهله بموضوع موته " (^١).
فوقت موت الإنسان مجهول ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٥] كما لا تدري نفس في أي وقت تموت (^٢).
ج. أن العمل ينتهي بوقوع الموت:
قال جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
وقال سبحانه جل في علاه: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون:١٠ - ١١].
_________________
(١) البقاعي: نظم الدرر، دار الكتاب الإسلامي - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتاريخها (١٥/ ٢١٩)
(٢) أبو السعود: إرشاد العقل السليم (٧/ ٧٨).
[ ٣١١ ]
وجاء في السنة المطهرة ما يُبيّن ذلك ففي صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله - ﷺ - قال: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا» (^١).
وأخرج مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (^٢).
وقد ذكر الله جل وعز أمنيات الكافرين في العودة إلى الدنيا ليعملوا صالحًا واعترافهم بالتقصير في حق الله ﷿، ولذا يقولون وهم في النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك ١٠].
وأما تمنيهم للرجعة فقد حكاها القرآن الكريم في أكثر من موضع فقال جل وعلا:
- ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [الأنعام:٢٧].
- ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾ [الأعراف:٥٣].
ولما علم الله جل وعلا أنهم لو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر والشرك بيّن ذلك فقال سبحانه: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام:٢٨].
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ح (٢٦٨٢).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الوصية، ح (١٦٣١).
[ ٣١٢ ]
د. الإشارة إلى الملائكة الموكلون بقبض الأرواح، كما قال جل وعلا: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة:١١] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام:٦١].
والقرآن الكريم اهتم بذكر الموت اهتمامًا بالغًا، بينا بعض أوجه هذا الاهتمام ولهذا الاهتمام الكبير بهذا الموضوع الكبير أسباب ونتائج.