أ. موت: قيل: ميّت في الأصل مَويِت، مثل سيّد وسَويِد، فأدغمت الواو في الياء ونقلت الياء، ويخفف ويقال مَيت (^١).
وقال بعضهم: ميت كان تصحيحه مَيْوِت على فَيْعِل، ثم أدغموا الواو في الياء.
وقال الزجاج: الميت أصله الميت بالتشديد، إلا أنه يخفف فيقال:
مَيْت وميّت، والمعنى واحد.
وفرق بعضهم بينهما فقال: يقال لما لم يمت: ميّت بالتشديد، والميْت ما قد مات، وتعقب: بأنه ميّت بالتشديد يصلح لما قد مات، ولما سيموت، قال جل وعلا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر:٣٠]. وقال الشاعر في تصديق أن الميْت والميّت واحد:
ليس من مات فاستراح بميّت إنما الميت ميت الأحياء
فجعل الميْت كالميّت (^٢).
ب. أصل الموت في اللغة يدور حول عدة معاني منها:
- ذهاب القوة من الشيء، قال ابن فارس: "الميم والواو والتاء أصل صحيح، يدل على ذهاب القوة من الشيء، منه الموت: خلاف الحياة، وإنما قلنا: أصله ذهاب القوة، لما روي عن النبي - ﷺ -: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا فإن كنتم لابد آكليها فأميتوها طبخًا «(^٣) (^٤).
- ويطلق الموت على السكون، قال ابن منظور: وقيل: الموت في كلام العرب يُطلق على السكون، يقال: ماتت الريح، أي سكنت (^٥).
_________________
(١) الفراهيدي: العين، دار ومكتبة هلال، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (٨/ ١٤٠).
(٢) الأزهري: تهذيب اللغة (١٤/ ٢٤٤)، الجوهري: الصحاح (١/ ٢٦٧)، ابن منظور: لسان العرب (٢/ ٩١)، الفيروز أبادي: القاموس المحيط (١/ ١٦٠)
(٣) الحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه في كتاب الصلاة باب فرض الجماعة والأعذار التي تبيح تركها (ذكر إخراج المصطفى - ﷺ - إلى البقيع منه رائحة البصل والثوم ح (٢٠٩١) (٥/ ٤٤٥)، وصححه الألباني في الإرواء، المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٢ - ١٤٠٥ هـ (٨/ ١٥٦).
(٤) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ (٥/ ٢٨٣).
(٥) ابن منظور: لسان العرب، دار صادر - بيروت، ط ٣ ١٤١٤ هـ (٢/ ٩٢).
[ ٢٩٠ ]
- ويطلق أيضًا على النوم والبل، قال الفيروز أبادي: ومات: سكن، ونام وبلى (^١).
- ويطلق على الخضوع والاسترخاء، قال الصاحب بن عباد: وقيل: هو الخاضع الذليل، واستمات الشيء، استرخى (^٢).
فمدار لفظ (الموت) في لغة العرب يدور على هذه المعاني، وإن كان المعنى المشترك المستعمل في لفظ الموت في أكثر الموارد يراد به المعنى الأول، وهو ذهاب القوة عن الشيء، وإن كان لكل مورد لوازم تخصه، وتميزه عن الآخر.
ج. وذكر الأئمة أن الموت يتنوع بتنوع الحياة (^٣):
- فموت يكون بإزاء القوة النامية الموجودة في الإنسان والحيوان والنبات نحو قوله تعالى: ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [ق:١١].
- وموت يكون بزوال القوة الحاسة نحو قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم:٢٣].
- وموت يكون بزوال القوة العاقلة وهي الجهالة، نحو قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢].
- وموت يكون بإزاء الحزن المكدر للحياة، نحو قوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧]
د. وذكر بعض المفسرين أن الموت يرد في القرآن على أوجه عديدة منها (^٤):
- الموت نفسه، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
- والنطفة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ البقرة ٢٨.
- والجدب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ [آل عمران:١٤٣].
- والجماد، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل:٢١].
_________________
(١) الفيروز أبادي: القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ٨ ١٤٢٦ هـ (١/ ١٦٠).
(٢) الصاحب بن عباد: المحيط في اللغة، مطبعة المعارف - بغداد، ط ١ ١٣٩٥ هـ (٢/ ٣٨٤).
(٣) الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن، دار القلم - دمشق، ط ١ ١٤١٢ هـ، ص (٤٧٩).
(٤) ابن الجوزي: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر (٥٧١).
[ ٢٩١ ]
- والكفر: ومنه قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران:٢٧].
وقد ذكر العلامة أبو محمد البطليوسي في كتابه: الإنصاف (^١):" أن الحياة والموت لفظتان مشتركتان مستعملتان في اللغة العربية على ثلاثة عشر وجهًا:
أحدها: الوجود والعدم، والثاني: مقارنة النفس الحيوانية الأجسام ومفارقتها إياها، والثالث: العز والذل، والرابع: الغنى والفقر، والخامس: الهدى والضلال، والسادس: الجهل والعلم، والسابع: الحركة والسكون والثامن: الخصب والجدب، والتاسع: اليقظة والنوم، والعاشر: اشتغال النار وخمودها، والحادي عشر: المحبة والبغضاء، والثاني عشر: الرطوبة واليبس، والثالث عشر: الرجاء والخوف"، ثم ذكر الشواهد التي تدل على هذه المعاني المشتركة.
هـ. ويرادف لفظ الموت: الحتف، والمنون، والسأم، والحين، والحِمام والردى، والثكل، والوفاة والهلاك (^٢). ولما كان كلًا من الموت والقتل إزالة للروح عن الجسد، فرق بينهما: بأن ما اعتبر فيه فعل المتولي لذلك قيل له: قتل، وما اعتبر فيه فوت الحياة قيل له: موت (^٣).
د. وقد اصطلح بعض أرباب التصوف على وصف الموت ببعض الألوان وبناء حكم عليه، ومنه قولهم: الموت الأحمر: مخالفة النفس، والموت الأبيض: الجوع، لأنه ينور الباطن، ويبيض وجه القلب، والموت الأخضر: لبس الرقع من الخرق التي لا قيمة لها، والموت الأسود: احتمال أذى الخلق (^٤).
في حين وصف الموت في اللغة العربية ببعض الألوان، وهي تحمل في طياتها معان مختلفة عما ذكرها أرباب التصوف ومنها (^٥):
_________________
(١) البطليوسي: الإنصاف في التنبيه على الأساليب أوجبت الخلاف بين المسلمين ص (١٢٢).
(٢) ابن مالك الجياني: الألفاظ ص (٢٣٢)، ابن قتيبة: الجراثيم (١/ ٤٤٢).
(٣) هنريكوس لامنس: فرائد اللغة في الفروق، مكتبة الثقافة الدينية - مصر،١٩٩٩ م، ص (٣٨٩).
(٤) المناوي: التوقيف على مهام التعاريف، عالم الكتب - القاهرة، ط ١ ١٤١٠ هـ، ص (٣١٨)
(٥) أحمد مختار: البحث اللغوي عند العرب، عالم الكتب، ط ٨ ٢٠٠٣ م، ص (٣٠٦).
[ ٢٩٢ ]
الموت الأحمر: وهو أن يتغير بصر الرجل من الهول، فيرى الدنيا في عينيه حمراء وسوداء، والموت الأغبر: وهو الموت جوعًا؛ لأنه يغبر في عينيه كل شيء، والموت الأسود: وهو الموت في غمة الماء، والموت الأبيض: وهو موت العافية، أو موت الفجأة؛ لأنه يأخذ الإنسان ببياض لونه.