الإيمان باليوم الآخر أصل من أصول العقيدة، وركن من أركان الإيمان. وقد استفاضت نصوص الوحيين بذكر أخباره وأحداثه، والرد على منكريه " فالعلم به من ضروريات الإيمان " (^١).
وقال جل شأنه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] والبر بمعنى: التقوى والإيمان، واليوم الآخر من البر، فهو من الإيمان. (^٢)
فالإيمان باليوم الآخر حتم لازم، لا يتم إيمان العبد إلا به، قال ﷾: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء:١٣٦].
_________________
(١) ابن عثيمين: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين: (٢/ ٧١).
(٢) ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم: (١/ ٢٨٧)، الماوردي: النكت والعيون،: (١/ ٢٢٥)، العثيمين: تفسير الفاتحة والبقرة: (٢/ ٢٨٣).
[ ٥١ ]
وصرح الأئمة - رحمهم الله تعالى - على كفر من كفر بواحدة منها:
يقول الإمام الطبري: " فإن معناه: ومن يكفر بمحمد - ﷺ - وبما جاء به من عند الله؛ لأن جحود شيء من ذلك بمعنى جحود جميعه؛ ولأنه لا يصح إيمان أحد من الخلق إلا بالإيمان بما أمره الله بالإيمان به، والكفر بشيء منه كفر بجميعه " (^١)
ويقول العلامة النسفي: " ومن يكفر بشيء من ذلك ﴿الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ لأن الكفر ببعضه كفر بكله " (^٢).
ويقول الإمام ابن تيمية: " فإن من كفر بالله فقد كفر بهذا كله، فالمعطوف لازم للمعطوف عليه " (^٣).
ويقول العلامة القاسمي: " فإن الكفر بكل واحد من هذه الأصول يستلزم الكفر بغيره. فمن كفر بالله كفر بالجميع، ومن كفر بالملائكة كفر بالكتب والرسل فكان كافرا بالله، إذ كذب رسله وكتبه، وكذلك إذا كفر باليوم الآخر كذب الكتب والرسل، فكان كافرا " (^٤)، وأشار إلى خطورة الكفر باليوم الآخر، إذ الكفر " باليوم الآخر كفر بدوام ربوبيته وعدله " ﷾، وأن الكفر به يدعو إلى " الاجتراء على القبائح " (^٥).
ويقول العلامة السعدي: " واعلم أن الكفر بشيء من هذه الأمور المذكورة كالكفر بجميعها؛ لتلازمها، وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض " (^٦)
وقد عبر القرآن الكريم عن الكفر بهذه الأركان بالضلال البعيد، " والتعبير بالضلال البعيد غالبا يحمل معنى الإبعاد في الضلال الذي لا يرجى معه هدى، ولا يرتقب بعده مآب " (^٧).
_________________
(١) الطبري: جامع البيان ت: أحمد محمد شاكر ص (٩/ ٣١).
(٢) النسفي: مدارك التنزيل: (١/ ٤٠٥).
(٣) ابن تيمية: الإيمان: (١/ ١٣٨).
(٤) القاسمي: محاسن التأويل: (٣/ ٣٣٤).
(٥) القاسمي: محاسن التأويل: (٣/ ٣٧٠).
(٦) السعدي: تيسير الكريم الرحمن: ت عبدالرحمن اللويحق ص (١٧٢).
(٧) سيد قطب: في ظلال القرآن: (٢/ ٧٧٨).
[ ٥٢ ]
يقول الإمام الطبري عن معنى الضلال البعيد: " فإنه يعني: فقد ذهب عن قصد السبيل، وجار عن محجة الطريق إلى المهالك، ذهابا وجورا بعيدا؛ لأن كفر من كفر بذلك، خروج منه عن دين الله الذي شرعه لعباده، والخروج عن دين الله الهلاك الذي فيه البوار، والضلال عن الهدى هو الضلال " (^١).
فالإيمان باليوم الآخر ركن ركين، وأصل أصيل، فـ " يجب على المكلف أن يُؤمن بالله ورسوله، ويقر بجميع ما جاء به الرسول - ﷺ - من أمر الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر " (^٢)، ولذا فإن الإيمان بمعاد الأبدان من أصول الإيمان (^٣).
يقول الإمام الطحاوي: " والإيمان هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وحلوه ومره من الله تعالى ونحن نُؤمن بذلك كله " (^٤)،
ويقول الإمام ابن قدامة: " ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي - ﷺ - وصح به النقل عنه فيما شاهدناه، أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه والبعث بعد الموت حق " (^٥).
ويقول العلامة الطوفي: " فيجب الإيمان بما بين الموت إلى دخول إحدى الدارين فما بعد ذلك، مما صحت به نصوص الشرع " (^٦).
ويقول الشيخ النابلسي: " واعلم - يأخي - أن اليوم الآخر وجميع ما فيه من الموت إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، مما وردت به الأخبار الصحيحة، حق لا شبهة فيه. يفترض الإيمان به من غير تصور ولا تخيل لشيء منه؛ ولأن ذلك خارج عن معقولنا الدنيوي ومحسوسنا " (^٧)
_________________
(١) الطبري: جامع البيان: ص (٩/ ٣١٤).
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢٧).
(٣) ابن تيمية: بغية المرتاد: (١/ ٣٤٢).
(٤) الطحاوي: شرح الطحاوية لابن أبي العز: ص (٣٦٢).
(٥) ابن قدامة: لمعة الاعتقاد: ص (٢٨ - ٣١).
(٦) الطوفي: شرح الإربعين النووية: ص (١٧٠).
(٧) عبد الغني النابلسي: ثبوت القدمين في سؤال الملكين: (١٩) العقيدة الإسلامية: ابن عزوز ص (٣٠٩).
[ ٥٣ ]
فهذه النصوص وغيرها تدل على وجوب الإيمان باليوم الآخر، ووجوب اعتقاده والتصديق به، فمن أنكره فهو كافر، يقول جل وعلا: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن:٧] ففي هذه الآية الكريمة أكد المولى ﷿ الإخبار باليوم الآخر باليمين لأن التهديد به أعظم في القلب، فكأنه قيل لهم: ما تنكرونه واقع لا محالة أُقسم لكم بربي، (ثم لتُنبئن بما عملتم) أي: لتحاسبن ولتجزون بأعمالكم من خير وشر، (وذلك) البعث والجزاء، (على الله يسير) لتحقق القدرة. (^١)
وإن إنكار المعاد واليوم الآخر، سبب لإنكار ما عداه، " فإن منشأ إنكار المشركين لوحدانية الله، وتكذيبهم برسالة النبي - ﷺ - وطعنهم بالقرآن هو: إنكار يوم القيامة، وعدم الإيمان باليوم الآخر؛ لأن من آمن به تبصر وتدبر ولم يكن متهورا في سوء الاعتقاد " (^٢).
وذكر ﷾ أن عدم الإيمان باليوم الآخر سبب من أسباب عدم قبول الحق الذي دعوا إليه، فقال جل وعلا: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾ [النحل:٢٢] " فذكر سببين حائلين بينهم، وبين قبول الحق الذي دعوا إليه، فالأول: عدم الإيمان باليوم الآخر والثاني: التكبر، وهو حال الأكثرين، كما قد عُرف من حال الأمم " (^٣)
فكفر منكر اليوم الآخر ظاهر، يقول الإمام أبو حيان: " فمن أنكر الملائكة، أو القيامة فهو كافر " (^٤).
_________________
(١) المنصوري: المقتطف من عيون التفاسير ت: محمد الصابوني، (٥/ ٢٥٩).
(٢) الزحيلي: التفسير المنير، دار الفكر المعاصر - دمشق، ط ٢ - ١٤١٨ هـ، (١٩/ ٣٢).
(٣) عبد اللطيف آل الشيخ: عيون الرسائل والأجوبة على المسائل (٢/ ٦٥٤)، وانظر: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (١/ ٣٧٦).
(٤) أبو حيان: البحر المحيط: (٤/ ٩٩).
[ ٥٤ ]
وقد ذكر أبو الفرج الشيرازي في جزئه الموسوم (امتحان السني من البدعي) أن من أنكر البعث واليوم الآخر فهو كافر فقال: " يُسأل عن البعث بعد الموت، فإن آمن فهو سني، وإن أنكره فهو حشيشي معطلي دهري " (^١).
" فالإيمان باليوم الآخر فرع عن الإيمان بالله، وكذلك التكذيب بهذا اليوم كفرا بالله " (^٢)، ومعلوم أن طوائف من الكفار والمشركين وغيرهم، قد أنكروا هذا المعاد بالكلية، فلا يقرون لا بمعاد الأرواح، ولا بمعاد الأجساد. (^٣) فحال من أنكر البعث كحال البهائم، ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف:١٧٩]، فـ " يكون أكبر همه لذات الدنيا وشهواتها وحظوظها، وذلك أصل لشقاء الدنيا قبل شقاء الآخرة " (^٤).
_________________
(١) أبو الفرج الشيرازي: امتحان السني من البدعي، ت: د. فهد المقرن، ص (٢٦٩).
(٢) عبد الحمن عبد الخالق: الحد الفاصل بين الإيمان والكفر:، ص (٤٨)، انظر: الخميس: أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة ص (٤٦١)، الفوزان: شرح الواسطية ص (١١١) هراس: شرح الواسطية، ص (٢٣٤) صالح آل الشيخ: شرح الطحاوية (٢/ ١٠٣٠).
(٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (٤/ ٣١٣).
(٤) محمد رشيد رضا: تفسير المنار،: (٢/ ٩٢).
[ ٥٥ ]
فالواجب على المكلف الإيمان بهذا الركن العظيم، يقول العلامة السفاريني: " واعلم أنه يجب الجزم شرعا، أن الله تعالى يبعث جميع العباد، ويعيدهم بعد إيجادهم بجميع أجزائهم الأصلية، وهي التي من شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره، ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء. فإن هذا حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، مع كونه من الممكنات التي أخبر بها الشارع، وكل ما هو كذلك فهو ثابت، والإخبار عنه مطابق " (^١). وهذا مقتضى الإيمان بقوله ﷾: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، وهو يعم الآخرة، ولكن ذكرها المولى ﷿، ونصَّ عليها ثانيا؛ " لِعِظَمِها والتنبيه على وجوب اعتقادها والرد على الكفرة الجاحدين لها " (^٢).
ونُشير في هذا المقام: إلى انحراف المتكلمين، وجنوحهم عن طريق الهدى وبعدهم عن الصواب في باب اليوم الآخر، وذلك من جهتين:
الأولى: قصرهم أدلة إثبات اليوم الآخر، وأحواله، وأهواله في السمعيات فقط.
الثانية: ظنهم أن القول باليوم الآخر، لا يُعرف إلا بإثبات نظرية الجوهر الفرد.
وهاتان الجهتان هما موضوع المسألة الثانية والثالثة.