اجتمعت كل الدلائل السمعية على إثبات عذاب القبر، فدلت نصوص الكتاب والسنة على إثباته، وقد أورد بعض الأئمة تساؤلًا، وأجابوا عنه مفاده: ما الحكمة في عدم التصريح بذكر عذاب القبر في القرآن، مع شدة الحاجة إلى معرفته والإيمان به، ليحذر وليتقى؟
والجواب: أن القرآن مليء بالأدلة المثبتة لعذاب القبر، بعضها صريح والآخر ضمني، وإذا نظرت في الأحاديث الواردة في عذاب القبر ونعيمه وجدتها تفصيلًا وتفسيرًا لما دل عليه القرآن.
يقول القاضي أبو بكر بن الطيب وغيره:" قد ورد القرآن بتصديق الأخبار الواردة في عذاب القبر".
"وقال قتادة: عذاب القبر في القرآن" (^٣)، ويقول الإمام ابن رجب: "وقد دل القرآن على عذاب القبر في مواضع آخر " (^٤)، ويقول الإمام السيوطي عن عذاب القبر: "وقع ذكره في القرآن في عدة أماكن كما بينته في الإكليل في استنباط التنزيل" (^٥).
ومن الأدلة القرآنية التي استدل بها أهل السنة في إثبات عذاب القبر:
١ - قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر:٤٦].
_________________
(١) عبد الحق الإشبيلي: العاقبة في ذكر الموت، مكتبة دار الأقصى - الكويت، ط ١ ١٤٠٦ هـ، ص (٢٤٥).
(٢) محمد الخادمي: بريقة محمودية، مطبعة الحلبي، ١٣٤٨ هـ (١/ ١٧٤).
(٣) انظر: ابن القيم:: ص (٥٧)، ابن الملقن: التوضيح لشرح الجامع الصحيح: (١٠/ ١٥٤)، السمرقندي: بحر العلوم: (٣/ ٣٥٦)
(٤) ابن رجب: تفسير ابن رجب: (٢/ ٣٥٥)، ابن رجب: أهوال القبور: ص (٤٥)
(٥) السيوطي: شرح الصدور، دار المعرفة - بيروت، ط ١ ١٤١٧ هـ، ص (١٦١).
[ ٣٥١ ]
أكثر المفسرين على أن هذا في القبر، لأن العرض إنما يكون في القبر (^١)، وإذا ثبت في حق هؤلاء، ثبت في حق غيرهم، لأنه لا قائل بالفرق (^٢).
وثبت هذا التفسير عن جماعة من السلف منهم: مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب، كلهم قال: هذه الآية تدل على عذاب القبر في الدنيا (^٣) قال أبو البركات النسفي:" وهذا الآية دليل على عذاب القبر " (^٤).
وقال الإمام ابن كثير:" وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور" (^٥).
وقال العلامة البقاعي: "وهذه الآية نص في عذاب القبر، كما نقل عن عكرمة ومحمد بن كعب" (^٦).
وقال العلامة الكرماني في هذه الآية أنها:"أدل دليل على عذاب القبر، لأن المعطوف غير المعطوف عليه " (^٧).
وقال الإمام ابن القيم عن الآية:" فذكر عذاب الدارين، ذكرًا صريحًا لا يحتمل غيره" (^٨).
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: (٥/ ٣٢)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (١٥/ ٣١٨)، ابن البناء: الرد على المبتدعة: ص (١٨٤)
(٢) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٧/ ٥٢١).
(٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٥/ ٣١٨)
(٤) النسفي: مدارك التنزيل، دار الكلم الطيب - بيروت، ط ١ ١٤١٩ هـ (٣/ ٢٤١).
(٥) ابن كثير: تفسر القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، ت: سامي سلامة (٧/ ١٤٦).
(٦) البقاعي: نظم الدرر، دار الكتاب الإسلامي - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (١٧/ ٨٢).
(٧) السيوطي: الإكليل، دار الكتب العلمية - بيروت، ١٤٠١ هـ، ص (٢٢٦).
(٨) ابن القيم: الروح، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٤ هـ، ص (٧٥).
[ ٣٥٢ ]
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾ [الطور:٤٧]، قال ابن عباس: ﵄: إن عذاب القبر في القرآن، ثم تلا: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾، وهو مروي عن البراء بن عازب وعلي أيضًا ﵁ (^١).
٣ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه:١٢٤]، قال أبو سعيد الخدري ﵁، في قوله تعالى: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: عذاب القبر، وهو المروي أيضًا عن أبي هريرة وابن مسعود ﵄، وهو قول جماعة من أهل التفسير كأبي صالح والسدي (^٢)، ورجحه الإمام الطبري فقال:" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هو عذاب القبر" (^٣)، وصحح هذا القول الإمام القرطبي، وقال مجاهد في تفسيره:" ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: ضيّقه يضيّق عليه قبره " (^٤).
وجاء في حديث مرفوع إلى النبي - ﷺ -: أنه فسر فيه المعيشة الضنك، بعذاب القبر، وجوّد إسناده الإمام ابن كثير في تفسيره (^٥).
ولذا قال الإمام ابن القيم في قوله تعالى ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: "فسره غير واحد من السلف بعذاب القبر، وجعلوا هذه الآية أحد الأدلة على عذاب القبر " (^٦).
_________________
(١) الطبري: جامع البيان ت: أحمد محمد شاكر، ص (٢٢/ ٤٨٧)، عبد الرزاق: تفسير عبد (٣/ ٢٤٧)
(٢) الطبري: جامع البيان: ص (١٨/ ٣٩٣)، السمعاني: تفسير السمعاني (٣/ ٣٦١).
(٣) الطبري: جامع البيان: ص (١٨/ ٣٩٤)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (١١/ ٢٥٩).
(٤) مجاهد: تفسير مجاهد "، ت: د. محمد أبو النيل، ص (٤٦٧).
(٥) ابن كثير: تفسير القرآن: (٥/ ٣٢٤)، البيهقي: إثبات عذاب القبر:،ص (٥٩).
(٦) ابن القيم: التفسير القيم، دار ومكتبة الهلال – بيروت، ط ١ ١٤١٠ هـ ص (٣٧٥).
[ ٣٥٣ ]
٤ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام:٩٣].
فقول الملائكة: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ): المراد به: عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت (^١). ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا، لما صح أن يقال لهم ﴿اليوم تجزون﴾ (^٢).
٥ - وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة:١٠١].
قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ أي: سنعذب هؤلاء المنافقين مرتين إحداهما في الدنيا، والأخرى في القبر وهو المروي عن ابن عباس ﵄، وقتادة (^٣)، وروي عن مجاهد (^٤)، وروي عن الحسن وابن زيد (^٥). وقال الإمام الطبري: "والأغلب في إحدى المرتين، أنها في القبر" (^٦).
_________________
(١) ابن القيم: التفسير القيم، دار ومكتبة الهلال – بيروت، ط ١ ١٤١٠ هـ ص (٣٧٦).
(٢) ابن القيم: الروح، دار الحديث – القاهرة، ١٤٢٤ هـ، ص (٧٥).
(٣) ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم، مكتبة الباز –مكة المكرمة، ط ٣ ١٤١٩ هـ (٦/ ١٨٧٠)
(٤) البغوي: معالم التنزيل: (٢/ ٣٨٣)، ابن الجوزي: زاد المسير ت: عبدالرزاق المهدي، ص (٢/ ٢٩٣)
(٥) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:٨/ ٤٢١)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: (٤/ ٢٠٥).
(٦) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (١٤/ ٤٤٥)
[ ٣٥٤ ]
٦ - وقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ [السجدة:٢١].
استدل بعض السلف بهذه الآية على إثبات عذاب القبر، وممن استدل بها على ذلك: ابن عباس والبراء بن عازب، وأبو عبيدة – ﵃ – وروي عن مجاهد، قالوا: العذاب الأدنى هو عذاب القبر (^١).
٧ - وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٥]
استدل بعض العلماء بهذه الآية كذلك على إثبات عذاب القبر، وهو المروي عن عطاء والحسن بن أبي الحسن، قال العلامة النسفي في معنى الآية:" لأذقناك عذاب الآخرة، وعذاب القبر مضاعفين" (^٢).
قال العلامة الزمخشري: "فإن قلت: كيف حقيقة الكلام؟ قلت: أصله لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان: عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في حياة الآخرة وهو عذاب النار " (^٣).
والعذاب المضاعف في الآية: إما أن يراد به: العذاب المضاعف في القبر، أو العذاب المضاعف في الآخرة بعد البعث، وهي أقوال لأهل التفسير، والآية تشمل الجميع، كما قاله العلامة الأمين الشنقيطي (^٤).
٨ - وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ [غافر:١١].
_________________
(١) ابن القيم:: ص (٧٥)، الطبري: جامع: ت: أحمد محمد شاكر، ص (٢٠/ ١٩١)
(٢) النسفي: مدارك التنزيل: (٢/ ٢٧١)، أبو السعود: إرشاد العقل السليم: (٥/ ١٨٨)، البيهقي: إثبات عذاب القبر: ص (٨٠ - ٨١).
(٣) الزمخشري: الكشاف، دار ابن خزيمة – الرياض، ط ١ ١٤١٤ هـ (٢/ ٦٨٤)
(٤) الأمين الشنقيطي: أضواء البيان، دار الفكر – بيروت، ١٤١٥ هـ (٣/ ١٧٩)
[ ٣٥٥ ]
يقول الإمام الرازي: "احتج أكثر العلماء بهذه الآية في إثبات عذاب القبر وتقرير الدليل: أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين، حيث قالوا: ربنا آمتنا اثنتين فأحد الموتتين مشاهد في الدنيا، فلا بدّ من إثبات حياة أخرى في القبر، حتى يصير الموت الذي يحصل عقبها موتًا ثانيًا، وذلك يدل على حصول حياة في القبر" (^١).
٩ - وقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [المجادلة:١٥]. والمراد منه عند بعض المحققين: عذاب القبر (^٢)، وقال بعضهم: أعد لهم عذابًا شديدًا في جهنم، وهو الدرك الأسفل (^٣)، قال ابن الخطيب:" لأنا إذا حملنا هذا على عذاب القبر، وحملنا قوله جل ذكره: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦)﴾ [المجادلة:١٦] على عذاب الآخرة، لا يلزم منه تكرار" (^٤).
١٠ - وقوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ [التكاثر: ١ - ٢]. قال الإمام الطبري في معنى هذه الآية: "يعني: حتى صرتم إلى المقابر فدفنتم فيها، وفي هذا دليل على صحة القول بعذاب القبر، لأن الله تعالى ذكره، أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر، أنهم سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور، وعيدًا منه لهم وتهديدًا" (^٥).
_________________
(١) الرازي: مفاتيح الغيب،، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٧/ ٤٩٤).
(٢) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٢٩/ ٤٩٧).
(٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط ٢ - ١٣٨٤ هـ، (١٧/ ٣٠٤).
(٤) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، ١٤٢٠ هـ، ت: صدقي جميل، ص (١٠/ ٥٥٣)
(٥) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط ١ ١٤٢٠ هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (٢٤/ ٥٨٠)
[ ٣٥٦ ]
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: "كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ (^١)، قال الإمام الطحاوي عن هذا الأثر: "فكان هذا الحديث فيه إثبات عذاب القبر" (^٢).
هذه جملة من الأدلة القرآنية التي تثبت عذاب القبر، وغيرها كثير في القرآن الكريم كلها تصب في معين واحد، وتدل على أمرين:
الأول: أن القرآن الكريم حافل بالكثير من الأدلة الصريحة أو الضمنية على إثبات عذاب القبر.
الثاني: أن عذاب القبر حق لا ريب فيه ولا شك، ومتى ثبت عذاب القبر وجب القول بثواب القبر أيضًا، لأن العذاب حق الله تعالى على العبد والثواب حق للعبد على الله تعالى (^٣).
أما الأدلة الواردة في السنة المطهرة المثبتة لعذاب القبر، فهي كثيرة مستفيضة ومنها:
- ما أخرج الإمام البخاري: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺعَنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالَ: «نَعَمْ، عَذَابُ القَبْرِ» قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ زَادَ غُنْدَرٌ: «عَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ» (^٤).
_________________
(١) ابن أبي عاصم: السنة، المكتب الإسلامي – بيروت، ط ١ ١٤٠٠ هـ، (٢/ ٤٢٤)
(٢) الطحاوي: شرح مشكل الآثار، مؤسسة الرسالة – ط ١ ١٤١٥ هـ (١٣/ ١٧٦)
(٣) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط ٣ ١٤٢٠ هـ (٤/ ١٢٦).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر ح (١٣٧٢).
[ ٣٥٧ ]
- وفي الصحيحين: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ، أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» ثُمَّ قَالَ: «بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» (^١).
قال الإمام الخطابي: "وفيه إثبات عذاب القبر" (^٢).
وقال الإمام تاج الدين الفاكهاني: "فيه نص صريح على إثبات عذاب القبر - أجارنا الله منه - كما هو مذهب أهل السنة، وقد اشتهرت الأخبار بذلك" (^٣).
وقال الإمام ابن بطال:" أن عذاب القبر حق يجب الإيمان به والتسليم له وهو مذهب أهل السنة" (^٤).
- وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء: ح (٢١٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه ح (٢٩٢).
(٢) الخطابي: معالم السنن، المطبعة العلمية - حلب، ط ١ ١٣٥١ هـ، (١/ ١٩)
(٣) الفاكهاني: رياض الأفهام، دار النوادر -دمشق، ط ١ ١٤٣١ هـ (١/ ٢٣٢)
(٤) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط ٢ - ١٤٢٣ هـ (١/ ٣٢٤)
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز: ح (١٣٧٩)،وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه ح (٢٨٦٦).
[ ٣٥٨ ]
قال الإمام العراقي عن هذا الحديث:" فيه إثبات عذاب القبر، لأن عرض مقعده من النار عليه، نوع عظيم من العذاب، وهو مذهب أهل السنة، وقد تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة، ولا يمتنع في العقل " (^١).
- وفي الصحيحين: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ المَدِينَةِ، فَقَالَتَا لِي: إِنَّ أَهْلَ القُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ، وَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: «صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ البَهَائِمُ كُلُّهَا» فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ (^٢).
ولما ذكر الإمام ابن القيم، حديث البراء بن عازب الطويل، والذي فيه وصف لحال المقبور في قبره، قال: "هذا حديث ثابت مشهور مستفيض صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه في كتبهم، وتلقوه بالقبول، وجعلوه أصلًا من أصول الدين في عذاب القبر ونعيمه" (^٣).
وكما ثبت عذاب القبر بنصوص الكتاب والسنة، فهو كذلك جائز بالعقل يقول الإمام ابن قتيبة: "إنه إذا جاز في المعقول وصح في النظر، وبالكتاب والخبر أن الله تعالى يبعث من في القبور، بعد أن تكون الأجساد قد بليت والعظام قد رمت، جاز أيضًا في المعقول، وصح في النظر، وبالكتاب والخبر أنهم يعذبون بعد الممات في البرزخ" (^٤).
_________________
(١) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط ١ ١٤٢٤ هـ (٣/ ٣٠٦).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب التعوذ من عذاب القبر ح (٦٣٦٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساجد باب التعوذ بالله من عذاب القبر ح (٥٨٦).
(٣) ابن القيم: الروح، دار الحديث - القاهرة، ١٤٢٤ هـ، ص (٤٨).
(٤) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، المكتب الإسلامي، ط ٢ - ١٤١٩ هـ، ص (٢٢٧).
[ ٣٥٩ ]
ويقول الإمام المتولي: "عذاب القبر ومساءلة منكر ونكير حق ثابت، والدليل عليه: أن العذاب والفتن في القبر ليس مما يستحيل عقلًا، وورد به السمع، فلا بد من إثباته " (^١). وعذاب القبر يمكن في نفسه (^٢)، ولو كان يستحيل ما تعوذ منه ﵊ (^٣)، ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد ويعذبه، وإذا لم يمنعه العقل وورد به الشرع، وجب قبوله (^٤).